النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا ( 22 )
وَقَوْلُهُ : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا " مَرْدُودٌ عَلَى " الَّذِي " الْأُولَى فِي قَوْلِهِ " اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ " وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ نَعْتِ " رَبِّكُمُ " فَكَأَنَّهُ قَالَ : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الْخَالِقَكُمْ وَالْخَالِقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، الْجَاعِلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا مُوَطَّأً وَقَرَارًا يُسْتَقَرُّ عَلَيْهَا ، يُذَكِّرُ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ - عِبَادَهُ نِعَمَهُ عِنْدَهُمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ لِيَذْكُرُوا أَيَادِيَهُ عِنْدَهُمْ ، فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِهِ - تَعَطُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَرَأْفَةً مِنْهُ بِهِمْ ، وَرَحْمَةً لَهُمْ ، مِنْ غَيْرِ مَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى عِبَادَتِهِمْ ، وَلَكِنْ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ .
475 - كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا " فَهِيَ فِرَاشٌ يُمْشَى عَلَيْهَا ، وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ .
476 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا " قَالَ : مِهَادًا لَكُمْ . [1/366]
477 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا " أَيْ مِهَادًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ السَّمَاءُ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى سُكَّانِهَا مِنْ خَلْقِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ فَوْقَ شَيْءٍ آخَرَ فَهُوَ لِمَا تَحْتَهُ سَمَاءٌ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْتِ : سَمَاوَةٌ ، لِأَنَّهُ فَوْقَهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ . وَلِذَلِكَ قِيلَ : سَمَا فَلَانٌ لِفُلَانٍ إِذَا أَشْرَفَ لَهُ وَقَصَدَ نَحْوَهُ عَالِيًا عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ :
سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ
وَكَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ :
سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ فَرَأَيتُ مِنْهَا تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ
يُرِيدُ بِذَلِكَ : أَشْرَفَتْ لِي نَظْرَةٌ وَبَدَتْ ، فَكَذَلِكَ السَّمَاءُ سُمِّيَتْ لِلْأَرْضِ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا وَإِشْرَافِهَا عَلَيْهَا . [1/367]
478 - كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالسَّمَاءَ بِنَاءً " فَبِنَاءُ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ ، وَهِيَ سَقْفٌ عَلَى الْأَرْضِ .
479 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَالسَّمَاءَ بِنَاءً " قَالَ : جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا لَكَ .
وَإِنَّمَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فِيمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ مِنْهُمَا أَقْوَاتَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَمَعَايِشَهُمْ ، وَبِهِمَا قِوَامُ دُنْيَاهُمْ . فَأَعْلَمُهُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَهُمَا وَخَلْقَ جَمِيعَ مَا فِيهِمَا وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ ، هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ ، وَالْمُسْتَوْجِبُ مِنْهُمُ الشُّكْرَ وَالْعِبَادَةَ ، دُونَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ ، الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا ، فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَطَرِ مِمَّا أَنْبَتُوهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ زَرْعِهِمْ وَغَرْسِهِمْ ثَمَرَاتٍ رِزْقًا لَهُمْ ، غِذَاءً وَأَقْوَاتًا . فَنَبَّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَذَكَّرَهُمْ بِهِ آلَاءَهُ لَدَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ وَيَكْفُلُهُمْ ، دُونَ مَنْ جَعَلُوهُ لَهُ نِدًّا وَعِدْلًا مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ . [1/368]ثُمَّ زَجَرَهُمْ عَنْ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَهُمْ ، وَأَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ وَلَا عَدْلَ ، وَلَا لَهُمْ نَافِعٌ وَلَا ضَارٌّ وَلَا خَالِقٌ وَلَا رَازِقٌ سِوَاهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْأَنْدَادُ جَمْعُ نِدٍّ ، وَالنِّدُّ : الْعِدْلُ وَالْمِثْلُ ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ :
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَلَسْتَ لَهُ بَنْدٍّ " لَسْتَ لَهُ بِمِثْلٍ وَلَا عِدْلٍ . وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ نَظِيرًا لِشَيْءٍ وَلَهُ شَبِيهًا فَهُوَ لَهُ نِدٌّ .
480 - كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " أَيْ عُدَلَاءَ .
481 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَحِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " أَيْ عُدَلَاءَ .
482 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " قَالَ : أَكْفَاءً مِنَ الرِّجَالِ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ . [1/369]
483 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " قَالَ : الْأَنْدَادُ الْآلِهَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا مَعَهُ ، وَجَعَلُوا لَهَا مِثْلَ مَا جَعَلُوا لَهُ .
484 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " قَالَ : أَشْبَاهًا .
485 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ شَبِيبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " أَنْ تَقُولُوا : لَوْلَا كَلْبُنَا لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ الدَّارَ ، لَوْلَا كَلْبُنَا صَاحَ فِي الدَّارِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ، أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ نِدًّا وَعِدْلًا فِي الطَّاعَةِ ، فَقَالَ : كَمَا لَا شَرِيكَ لِي فِي خَلْقِكُمْ وَفِي رِزْقِكُمُ الَّذِي أَرْزُقُكُمْ وَمِلْكِي إِيَّاكُمْ وَنِعَمِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ ، فَكَذَلِكَ فَأَفْرِدُوا لِيَ الطَّاعَةَ ، [1/370]وَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ ، وَلَا تَجْعَلُوا لِي شَرِيكًا وَنِدًّا مِنْ خَلْقِي ، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَلَيْكُمْ فَمِنِّي .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 )
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ :
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهَا جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ ، أَهْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا جَمِيعَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ :
486 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَزَلَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ . وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزُقُكُمْ غَيْرُهُ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ .
487 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، ثُمَّ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا . [1/371]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : عَنَي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ :
488 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
489 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
490 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " يَقُولُ : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي دَعَا مُجَاهِدًا إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ دُونَ غَيْرِهِمْ - الظَّنُّ مِنْهُ بِالْعَرَبِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا وَرَازِقُهَا ، بِجُحُودِهَا وَحْدَانِيَّةَ رَبِّهَا وَإِشْرَاكِهَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَقَوْلٌ! وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ مَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِيهَا ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ سُورَةُ الزُّخْرُفِ : 87 ] ، وَقَالَ : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [ سُورَةُ يُونُسَ : 31 ] . [1/372]
فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " - إِذْ كَانَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ مُبْدِعُ الْخَلْقِ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ ، نَظِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ [1/373]ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ ، بَلْ مَخْرَجُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كَافَّةً لَهُمْ ، لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِقَوْلِهِ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ " أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ ، مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ مُكَلِّفٍ عَالِمٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ ، يُشْرِكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ أَعْجَمِيًّا ، كَاتِبًا أَوْ أُمِّيًّا ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ دَارِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ ، وَمِمَّنْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ مِمَّنْ كَانَ مُشْرِكًا فَانْتَقَلَ إِلَى النِّفَاقِ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْلُهُ : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا " مَرْدُودٌ عَلَى " الَّذِي " الْأُولَى فِي قَوْلِهِ " اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ " وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ نَعْتِ " رَبِّكُمُ " فَكَأَنَّهُ قَالَ : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الْخَالِقَكُمْ وَالْخَالِقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، الْجَاعِلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا مُوَطَّأً وَقَرَارًا يُسْتَقَرُّ عَلَيْهَا ، يُذَكِّرُ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ - عِبَادَهُ نِعَمَهُ عِنْدَهُمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ لِيَذْكُرُوا أَيَادِيَهُ عِنْدَهُمْ ، فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِهِ - تَعَطُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَرَأْفَةً مِنْهُ بِهِمْ ، وَرَحْمَةً لَهُمْ ، مِنْ غَيْرِ مَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى عِبَادَتِهِمْ ، وَلَكِنْ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ .
475 - كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا " فَهِيَ فِرَاشٌ يُمْشَى عَلَيْهَا ، وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ .
476 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا " قَالَ : مِهَادًا لَكُمْ . [1/366]
477 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا " أَيْ مِهَادًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ السَّمَاءُ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى سُكَّانِهَا مِنْ خَلْقِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ فَوْقَ شَيْءٍ آخَرَ فَهُوَ لِمَا تَحْتَهُ سَمَاءٌ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْتِ : سَمَاوَةٌ ، لِأَنَّهُ فَوْقَهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ . وَلِذَلِكَ قِيلَ : سَمَا فَلَانٌ لِفُلَانٍ إِذَا أَشْرَفَ لَهُ وَقَصَدَ نَحْوَهُ عَالِيًا عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ :
سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ
وَكَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ :
سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ فَرَأَيتُ مِنْهَا تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ
يُرِيدُ بِذَلِكَ : أَشْرَفَتْ لِي نَظْرَةٌ وَبَدَتْ ، فَكَذَلِكَ السَّمَاءُ سُمِّيَتْ لِلْأَرْضِ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا وَإِشْرَافِهَا عَلَيْهَا . [1/367]
478 - كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالسَّمَاءَ بِنَاءً " فَبِنَاءُ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ ، وَهِيَ سَقْفٌ عَلَى الْأَرْضِ .
479 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَالسَّمَاءَ بِنَاءً " قَالَ : جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا لَكَ .
وَإِنَّمَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فِيمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ مِنْهُمَا أَقْوَاتَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَمَعَايِشَهُمْ ، وَبِهِمَا قِوَامُ دُنْيَاهُمْ . فَأَعْلَمُهُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَهُمَا وَخَلْقَ جَمِيعَ مَا فِيهِمَا وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ ، هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ ، وَالْمُسْتَوْجِبُ مِنْهُمُ الشُّكْرَ وَالْعِبَادَةَ ، دُونَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ ، الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا ، فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَطَرِ مِمَّا أَنْبَتُوهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ زَرْعِهِمْ وَغَرْسِهِمْ ثَمَرَاتٍ رِزْقًا لَهُمْ ، غِذَاءً وَأَقْوَاتًا . فَنَبَّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَذَكَّرَهُمْ بِهِ آلَاءَهُ لَدَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ وَيَكْفُلُهُمْ ، دُونَ مَنْ جَعَلُوهُ لَهُ نِدًّا وَعِدْلًا مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ . [1/368]ثُمَّ زَجَرَهُمْ عَنْ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَهُمْ ، وَأَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ وَلَا عَدْلَ ، وَلَا لَهُمْ نَافِعٌ وَلَا ضَارٌّ وَلَا خَالِقٌ وَلَا رَازِقٌ سِوَاهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْأَنْدَادُ جَمْعُ نِدٍّ ، وَالنِّدُّ : الْعِدْلُ وَالْمِثْلُ ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ :
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَلَسْتَ لَهُ بَنْدٍّ " لَسْتَ لَهُ بِمِثْلٍ وَلَا عِدْلٍ . وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ نَظِيرًا لِشَيْءٍ وَلَهُ شَبِيهًا فَهُوَ لَهُ نِدٌّ .
480 - كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " أَيْ عُدَلَاءَ .
481 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَحِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " أَيْ عُدَلَاءَ .
482 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " قَالَ : أَكْفَاءً مِنَ الرِّجَالِ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ . [1/369]
483 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " قَالَ : الْأَنْدَادُ الْآلِهَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا مَعَهُ ، وَجَعَلُوا لَهَا مِثْلَ مَا جَعَلُوا لَهُ .
484 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " قَالَ : أَشْبَاهًا .
485 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ شَبِيبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا " أَنْ تَقُولُوا : لَوْلَا كَلْبُنَا لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ الدَّارَ ، لَوْلَا كَلْبُنَا صَاحَ فِي الدَّارِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ، أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ نِدًّا وَعِدْلًا فِي الطَّاعَةِ ، فَقَالَ : كَمَا لَا شَرِيكَ لِي فِي خَلْقِكُمْ وَفِي رِزْقِكُمُ الَّذِي أَرْزُقُكُمْ وَمِلْكِي إِيَّاكُمْ وَنِعَمِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ ، فَكَذَلِكَ فَأَفْرِدُوا لِيَ الطَّاعَةَ ، [1/370]وَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ ، وَلَا تَجْعَلُوا لِي شَرِيكًا وَنِدًّا مِنْ خَلْقِي ، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَلَيْكُمْ فَمِنِّي .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 )
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ :
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهَا جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ ، أَهْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا جَمِيعَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ :
486 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَزَلَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ . وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزُقُكُمْ غَيْرُهُ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ .
487 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، ثُمَّ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا . [1/371]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : عَنَي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ :
488 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
489 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
490 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " يَقُولُ : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي دَعَا مُجَاهِدًا إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ دُونَ غَيْرِهِمْ - الظَّنُّ مِنْهُ بِالْعَرَبِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا وَرَازِقُهَا ، بِجُحُودِهَا وَحْدَانِيَّةَ رَبِّهَا وَإِشْرَاكِهَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَقَوْلٌ! وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ مَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِيهَا ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ سُورَةُ الزُّخْرُفِ : 87 ] ، وَقَالَ : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [ سُورَةُ يُونُسَ : 31 ] . [1/372]
فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " - إِذْ كَانَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ مُبْدِعُ الْخَلْقِ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ ، نَظِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ [1/373]ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ ، بَلْ مَخْرَجُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كَافَّةً لَهُمْ ، لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِقَوْلِهِ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ " أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ ، مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ مُكَلِّفٍ عَالِمٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ ، يُشْرِكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ أَعْجَمِيًّا ، كَاتِبًا أَوْ أُمِّيًّا ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ دَارِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ ، وَمِمَّنْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ مِمَّنْ كَانَ مُشْرِكًا فَانْتَقَلَ إِلَى النِّفَاقِ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .