تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ "

ج 1
ص 333

الآية المفسَّرة

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 1 · ص 333

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ( 19 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّيِّبُ الْفَيْعِلُ مِنْ قَوْلِكَ : صَابَ الْمَطَرُ يَصُوبُ صَوْبًا ، إِذَا انْحَدَرَ وَنَزَلَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
فَلَسْتَ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لَمَلْأَكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ
وَكَمَا قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ :
كَأَنَّهُمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ [1/334]فَلَا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّرٍ ، سُقِيتِ رَوَايَا الْمُزْنِ حِينَ تَصُوبُ
يَعْنِي : حِينَ تَنْحَدِرُ . وَهُوَ فِي الْأَصْلِ " صَيْوِبٌ " وَلَكِنَّ الْوَاوَ لَمَّا سَبَقَتْهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ، صُيِّرَتَا جَمِيعًا يَاءً مُشَدَّدَةً ، كَمَا قِيلَ : سَيِّدٌ ، مِنْ سَادَ يَسُودُ ، وَجَيِّدٌ ، مَنْ جَادَ يَجُودُ . وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِالْوَاوِ إِذَا كَانَتْ مُتَحَرِّكَةً وَقَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ، تُصَيِّرُهُمَا جَمِيعًا يَاءً مُشَدَّدَةً .
وَبِمَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
405 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ " قَالَ : الْقَطْرُ .
406 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ ، قَالَ لِي عَطَاءٌ : الصَّيِّبُ ، الْمَطَرُ .
407 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الصَّيِّبُ ، الْمَطَرُ .
408 - حَدَّثَنِي مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ [1/335]السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّيِّبُ ، الْمَطَرُ .
409 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ .
410 - وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " أَوْ كَصَيِّبٍ " يَقُولُ : الْمَطَرُ .
411 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، مِثْلَهُ .
412 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَا حَدَّثْنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : الصَّيِّبُ الرَّبِيعُ .
413 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : الصَّيِّبُ ، الْمَطَرُ .
414 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : الصَّيِّبُ ، الْمَطَرُ .
415 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الصَّيِّبُ الْمَطَرُ .
416 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ : " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ " قَالَ : أَوْ كَغَيْثٍ مِنَ السَّمَاءِ .
417 - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : الصَّيِّبُ ، الَّذِي فِيهِ الْمَطَرُ . [1/336]
418 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، فِي قَوْلِهِ : " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ " قَالَ : الْمَطَرُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : مَثَلُ اسْتِضَاءَةِ الْمُنَافِقِينَ بِضَوْءِ إِقْرَارِهِمْ بِالْإِسْلَامِ مَعَ اسْتِسْرَارِهِمُ الْكُفْرَ مَثَلُ إِضَاءَةِ مُوقِدِ نَارٍ بِضَوْءِ نَارِهِ ، عَلَى مَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ صِفَتِهِ ، أَوْ كَمَثَلِ مَطَرٍ مُظْلِمٍ وَدْقُهُ تَحَدَّرَ مِنَ السَّمَاءِ ، تَحْمِلُهُ مُزْنَةٌ ظَلْمَاءُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ . وَذَلِكَ هُوَ الظُّلُمَاتُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهَا فِيهِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَخْبِرْنَا عَنْ هَذَيْنَ الْمَثَلَيْنِ : أَهُمَا مَثَلَانِ لِلْمُنَافِقِينَ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ؟ فَإِنْ يَكُونَا مَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ ، فَكَيْفَ قِيلَ : " أَوْ كَصَيِّبٍ " وَ " أَوْ " تَأْتِي بِمَعْنَى الشَّكِّ فِي الْكَلَامِ ، وَلَمْ يَقُلْ " وَكَصَيِّبٍ " بِالْوَاوِ الَّتِي تُلْحِقُ الْمَثَلَ الثَّانِيَ بِالْمَثَلِ الْأَوَّلِ ؟ أَوْ يَكُونُ مَثَلُ الْقَوْمِ أَحَدَهُمَا ، فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الْآخَرِ بِ " أَوْ " ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ " أَوْ " إِذَا كَانَتْ فِي الْكَلَامِ فَإِنَّمَا تَدَخُلُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ مِنَ الْمُخْبِرِ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " لَقِيَنِي أَخُوكَ أَوْ أَبُوكَ " وَإِنَّمَا لَقِيَهُ أَحَدُهُمَا ، وَلَكِنَّهُ جَهِلَ عَيْنَ الَّذِي لَقِيَهُ مِنْهُمَا ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ لَقِيَهُ . وَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ الشَّكُّ فِي شَيْءٍ ، أَوْ عُزُوبُ عِلْمِ شَيْءٍ عَنْهُ ، فِيمَا أَخْبَرَ أَوْ تَرَكَ الْخَبَرَ عَنْهُ .
قِيلَ لَهُ : إِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ . وَ " أَوْ " - وَإِنْ كَانَتْ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ تَأْتِي بِمَعْنَى الشَّكِّ - فَإِنَّهَا قَدْ تَأْتِي دَالَّةً عَلَى مِثْلِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَاوُ ، إِمَّا بِسَابِقٍ مِنَ الْكَلَامِ قَبْلَهَا ، وَإِمَّا بِمَا يَأْتِي بَعْدَهَا ، كَقَوْلِ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيِّرِ :
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا [1/337]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَوْبَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الشَّكِّ فِيمَا قَالَ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ " أَوْ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دَالَّةً عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ " الْوَاوُ " لَوْ كَانَتْ مَكَانَهَا ، وَضَعَهَا مَوْضِعَهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ :
نَالَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ، كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ
وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ شَيْئًا بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ أَوْ عِفَاقِ عَلَى الْمَرْأَيْنِ إِذْ مَضَيا جَمِيعًا لِشَأْنِهِمَا ، بِحُزْنٍ وَاشْتِيَاقِ
فَقَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ " عَلَى الْمَرْأَيْنِ إِذْ مَضَيَا جَمِيعًا " أَنَّ بُكَاءَهُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَبْكِيَهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَبْكِيَهُمَا جَمِيعًا . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ " لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنْ " أَوْ " دَالَّةٌ فِي ذَلِكَ عَلَى مَثَلِ الَّذِي كَانَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ " الْوَاوُ " لَوْ كَانَتْ مَكَانَهَا - كَانَ سَوَاءً نُطْقٌ فِيهِ بِ " أَوْ " أَوْ بِ " الْوَاوِ " وَكَذَلِكَ وَجْهُ حَذْفِ " الْمَثَلِ " مِنْ قَوْلِهِ " أَوْ كَصَيِّبٍ " لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ : [1/338]" كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا " دَالًّا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : كَمَثَلِ صَيِّبٍ ، حَذَفَ " الْمَثَلَ " وَاكْتَفَى بِدَلَالَةِ مَا مَضَى مِنَ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ : " كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا " عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : أَوْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ ، مِنْ إِعَادَةِ ذِكْرِ الْمَثَلِ ؛ طَلَبَ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ( 19 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَمَّا الظُّلُمَاتُ ، فَجَمْعٌ ، وَاحِدُهَا ظُلْمَةٌ .
أَمَّا الرَّعْدُ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ :
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
419 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ ، مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ بِصَوْتِهِ .
420 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
421 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
422 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ ، مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَبِّحُ . [1/339]
423 - حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ ، مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ يَسُوقُهُ ، كَمَا يَسُوقُ الْحَادِي الْإِبِلَ ، يُسَبِّحُ . كُلَّمَا خَالَفَتْ سَحَابَةٌ سَحَابَةً صَاحَ بِهَا ، فَإِذَا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طَارَتِ النَّارُ مِنْ فِيهِ ، فَهِيَ الصَّوَاعِقُ الَّتِي رَأَيْتُمْ .
424 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ ، مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْمُهُ الرَّعْدُ ، وَهُوَ الَّذِي تَسْمَعُونَ صَوْتَهُ .
425 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ ، مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ .
426 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ اسْمُ مَلَكٍ ، وَصَوْتُهُ هَذَا تَسْبِيحُهُ ، فَإِذَا اشْتَدَّ زَجْرُهُ السَّحَابَ ، اضْطَرَبَ السَّحَابُ وَاحْتَكَّ . فَتَخْرُجُ الصَّوَاعِقُ مِنْ بَيْنِهِ .
427 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ [1/340]مُوسَى الْبَزَّارِ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ مَلَكٌ يَسُوقُ السَّحَابَ بِالتَّسْبِيحِ ، كَمَا يَسُوقُ الْحَادِي الْإِبِلَ بِحُدَائِهِ .
428 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ ، وَشَبَابَةُ ، قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ .
429 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : الرَّعْدُ مَلَكٌ فِي السَّحَابِ ، يَجْمَعُ السَّحَابَ كَمَا يَجْمَعُ الرَّاعِي الْإِبِلَ .
430 - وَحَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : الرَّعْدُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ، سَامِعٌ مُطِيعٌ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ .
431 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : إِنِ الرَّعْدَ مَلَكٌ يُؤْمَرُ بِإِزْجَاءِ السَّحَابِ فَيُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ، فَذَلِكَ الصَّوْتُ تَسْبِيحُهُ .
432 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الرَّعْدُ مَلَكٌ .
433 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَوْ غَيْرِهِ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : الرَّعْدُ مَلَكٌ .
434 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ سَالِمٍ أَبُو جَهْضَمٍ ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي الْجَلْدِ يَسْأَلُهُ عَنِ الرَّعْدِ ، فَقَالَ : الرَّعْدُ مَلَكٌ . [1/341]
435 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ الشَّنِّيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : الرَّعْدُ مَلَكٌ يَسُوقُ السَّحَابَ كَمَا يَسُوقُ الرَّاعِي الْإِبِلَ .
436 - حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ ، قَالَ : سُبْحَانَ الَّذِي سَبَّحْتَ لَهُ ، قَالَ : وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ يَنْعِقُ بِالْغَيْثِ كَمَا يَنْعِقُ الرَّاعِي بِغَنَمِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنِ الرَّعْدَ رِيحٌ تَخْتَنِقُ تَحْتَ السَّحَابِ فَتَصَّاعَدُ ، فَيَكُونُ مِنْهُ ذَلِكَ الصَّوْتُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
437 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْجَلْدِ ، إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ إِلَيْهِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : " كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الرَّعْدِ ، فَالرَّعْدُ الرِّيحُ .
438 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ [1/342]إِلَى أَبِي الْجَلْدِ يَسْأَلُهُ عَنِ الرَّعْدِ ، فَقَالَ : الرَّعْدُ رِيحٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ كَانَ الرَّعْدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ ، فَمَعْنَى الْآيَةِ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَصَوْتُ رَعْدٍ . لِأَنَّ الرَّعْدَ إِنْ كَانَ مَلَكًا يَسُوقُ السَّحَابَ ، فَغَيْرُ كَائِنٍ فِي الصَّيِّبِ ، لِأَنَّ الصَّيِّبَ إِنَّمَا هُوَ مَا تَحَدَّرَ مِنْ صَوْبِ السَّحَابِ ، وَالرَّعْدُ إِنَّمَا هُوَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ يَسُوقُ السَّحَابَ . عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْتٌ مَسْمُوعٌ ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ رُعْبٌ يُرْعَبُ بِهِ أَحَدٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ قَطْرِ الْمَطَرِ مَلَكًا ، فَلَا يَعْدُو الْمَلَكُ الَّذِي اسْمُهُ " الرَّعْدُ " لَوْ كَانَ مَعَ الصَّيِّبِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا صَوْتُهُ ، أَنْ يَكُونَ كَبَعْضِ تِلْكَ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَنْزِلُ مَعَ الْقَطْرِ إِلَى الْأَرْضِ ، فِي أَنْ لَا رُعْبَ عَلَى أَحَدٍ بِكَوْنِهِ فِيهِ . فَقَدْ عُلِمَ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : أَوْ كَمَثَلِ غَيْثٍ تَحَدَّرَ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَصَوْتُ رَعْدٍ ، إِنْ كَانَ الرَّعْدُ هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ ذِكْرِ الرَّعْدِ بِاسْمِهِ عَلَى الْمُرَادِ فِي الْكَلَامِ مِنْ ذِكْرِ صَوْتِهِ . وَإِنْ كَانَ الرَّعْدُ مَا قَالَهُ أَبُو الْجَلْدِ فَلَا شَيْءَ فِي قَوْلِهِ : " فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ " مَتْرُوكٌ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ الَّذِي هُوَ مَا وَصَفْنَا صِفَتَهُ .
وَأَمَّا الْبَرْقُ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا :
439 - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، - ح - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، - ح - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالُوا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَشْوَعَ ، عَنْ رَبِيعَةَ [1/343]بْنِ الْأَبْيَضِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : الْبَرْقُ مَخَارِيقُ الْمَلَائِكَةِ .
440 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْبَرْقُ مَخَارِيقُ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ ، يَزْجُرُونَ بِهَا السَّحَابَ .
441 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَوْ غَيْرِهِ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : الرَّعْدُ الْمَلَكُ ، وَالْبَرْقُ ضَرْبُهُ السَّحَابَ بِمِخْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَوْطٌ مِنْ نُورٍ يُزْجِي بِهِ الْمَلَكُ السَّحَابَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
442 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مَاءٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
443 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْجَلْدِ ، إِذْ جَاءَ رَسُولُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ إِلَيْهِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : " كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبَرْقِ ، فَالْبَرْقُ الْمَاءُ "
444 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي الْجَلْدِ يَسْأَلُهُ عَنِ الْبَرْقِ ، فَقَالَ : الْبَرْقُ مَاءٌ . [1/344]
445 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ قُرَّائِهِمْ ، قَالَ : كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي الْجَلْدِ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَجَرَ - يَسْأَلُهُ عَنِ الْبَرْقِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : " كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبَرْقِ ، وَإِنَّهُ مِنَ الْمَاءِ "
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مَصْعُ مَلَكٍ .
446 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الْبَرْقُ ، مَصْعُ مَلَكٍ .
447 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْبَرْقَ مَلَكٌ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ، وَجْهُ إِنْسَانٍ ، وَوَجْهُ ثَوْرٍ ، وَوَجْهُ نَسْرٍ ، وَوَجْهُ أَسَدٍ ، فَإِذَا مَصَعَ بِأَجْنِحَتِهِ فَذَلِكَ الْبَرْقُ .
448 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ شُعَيْبٍ الْجُبَّائِيِّ قَالَ : فِي كِتَابِ اللَّهِ : الْمَلَائِكَةُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ، لِكُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ وَجْهُ إِنْسَانٍ وَثَوْرٍ وَأَسَدٍ ، فَإِذَا حَرَّكُوا أَجْنِحَتَهُمْ فَهُوَ الْبَرْقُ [1/345]. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ :
رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى ، وَلَيْثٌ مُرْصِدُ
449 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْبَرْقُ مَلَكٌ .
450 - وَقَدْ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : الصَّوَاعِقُ مَلَكٌ يَضْرِبُ السَّحَابَ بِالْمَخَارِيقِ ، يُصِيبُ مِنْهُ مَنْ يَشَاءُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْمَخَارِيقُ الَّتِي ذَكَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا هِيَ الْبَرْقُ ، هِيَ السِّيَاطُ الَّتِي هِيَ مِنْ نُورٍ ، الَّتِي يُزْجِي بِهَا الْمَلَكُ السَّحَابَ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَيَكُونُ إِزْجَاءُ الْمَلَكِ بِهَا السَّحَابَ مَصْعَهُ إِيَّاهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمِصَاعَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَصْلُهُ : الْمُجَالَدَةُ بِالسُّيُوفِ ، ثُمَّ تَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ جُولِدَ بِهِ فِي حَرْبٍ وَغَيْرِ حَرْبٍ ، كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ ، وَهُوَ يَصِفُ جَوَارِيَ يَلْعَبْنَ بِحُلِيِّهِنَّ وَيُجَالِدْنَ بِهِ .
[1/346]إِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ
يُقَالُ مِنْهُ : مَاصَعَهُ مِصَاعًا . وَكَأَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا قَالَ : " مَصْعُ مَلَكٍ " إِذْ كَانَ السَّحَابُ لَا يُمَاصِعُ الْمَلَكَ ، وَإِنَّمَا الرَّعْدُ هُوَ الْمُمَاصِعُ لَهُ ، فَجَعَلَهُ مَصْدَرًا مِنْ مَصَعَهُ يَمْصَعُهُ مَصْعًا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي مَعْنَى " الصَّاعِقَةِ " مَا قَالَ شَهْرُ بْنُ حَوشَبٍ فِيمَا مَضَى .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْآيَةِ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ :
فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ : أَحَدُهَا مَا
451 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ " : أَيْ هُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْحَذَرِ مِنَ الْقَتْلِ - عَلَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْخِلَافِ وَالتَّخْوِيفِ مِنْكُمْ - عَلَى مَثَلِ مَا وُصِفَ مِنَ الَّذِي هُوَ فِي ظُلْمَةِ الصَّيِّبِ ، فَجَعَلَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ - أَيْ لِشِدَّةِ ضَوْءِ الْحَقِّ - كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ، أَيْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ ، فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ ، فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ إِلَى الْكُفْرِ قَامُوا مُتَحَيِّرِينَ .
وَالْآخَرُ مَا [1/347]
452 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " إِلَى " إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " أَمَّا الصَّيِّبُ فَالْمَطَرُ . كَانَ رَجُلَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (مكان)هَرَبَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، فَأَصَابَهُمَا هَذَا الْمَطَرُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ، فِيهِ رَعْدٌ شَدِيدٌ وَصَوَاعِقُ وَبَرْقٌ ، فَجَعَلَا كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمَا الصَّوَاعِقُ جَعَلَا أَصَابِعَهُمَا فِي آذَانِهِمَا مِنَ الْفَرَقِ أَنْ تَدْخُلَ الصَّوَاعِقُ فِي مَسَامِعِهِمَا فَتَقْتُلَهُمَا ، وَإِذَا لَمَعَ الْبَرْقُ مَشَيَا فِي ضَوْئِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَلْمَعْ لَمْ يُبْصِرَا وَقَامَا مَكَانَهُمَا لَا يَمْشِيَانِ ، فَجَعَلَا يَقُولَانِ : لَيْتَنَا قَدْ أَصْبَحْنَا فَنَأْتِيَ مُحَمَّدًا (نبي)فَنَضَعَ أَيْدِيَنَا فِي يَدِهِ ، فَأَصْبَحَا فَأَتَيَاهُ فَأَسْلَمَا وَوَضَعَا أَيْدِيَهُمَا فِي يَدِهِ ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمَا ، فَضَرَبَ اللَّهُ شَأْنَ هَذَيْنَ الْمُنَافِقَيْنِ الْخَارِجَيْنِ مَثَلًا لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ (مكان)، وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ إِذَا حَضَرُوا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ فَرَقًا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ شَيْءٌ أَوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقْتَلُوا ، كَمَا كَانَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ الْخَارِجَانِ يَجْعَلَانِ أَصَابِعَهُمَا فِي آذَانِهِمَا ، وَإِذَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ، فَإِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ ، وَوُلِدَ لَهُمُ الْغِلْمَانُ ، وَأَصَابُوا غَنِيمَةً أَوْ فَتْحًا ، مَشَوْا فِيهِ ، وَقَالُوا : إِنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينُ صِدْقٍ . فَاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ ، كَمَا كَانَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ يَمْشِيَانِ ، إِذَا أَضَاءَ لَهُمُ الْبَرْقُ مَشَوْا فِيهِ ، وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا . فَكَانُوا [1/348]إِذَا هَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ ، وَوُلِدَ لَهُمُ الْجَوَارِي ، وَأَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ ، قَالُوا : هَذَا مِنْ أَجْلِ دِينِ مُحَمَّدٍ ، فَارْتَدُّوْا كُفَّارًا ، كَمَا قَامَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ حِينَ أَظْلَمَ الْبَرْقُ عَلَيْهِمَا .
وَالثَّالِثُ مَا
453 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ " كَمَطَرٍ ، " فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " إِلَى آخَرِ الْآيَةِ ، هُوَ مَثَلُ الْمُنَافِقِ فِي ضَوْءِ مَا تَكَلَّمَ بِمَا مَعَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَعَمِلَ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ ، فَإِذَا خَلَا وَحْدَهُ عَمِلَ بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ فِي ظُلْمَةٍ مَا أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ . وَأَمَّا الظُّلُمَاتُ فَالضَّلَالَةُ ، وَأَمَّا الْبَرْقُ فَالْإِيمَانُ ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ . [1/349]
وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ، فَهُوَ رَجُلٌ يَأْخُذُ بِطَرَفِ الْحَقِّ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجَاوِزَهُ .
وَالرَّابِعُ مَا
454 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ " وَهُوَ الْمَطَرُ ، ضَرَبَ مَثَلَهُ فِي الْقُرْآنِ يَقُولُ : " فِيهِ ظُلُمَاتٌ " يَقُولُ : ابْتِلَاءٌ ، " وَرَعْدٌ " يَقُولُ فِيهِ تَخْوِيفٌ " وَبَرْقٌ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ " يَقُولُ : يَكَادُ مُحْكَمُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُنَافِقِينَ ، " كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ " يَقُولُ : كُلَّمَا أَصَابَ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ عِزًّا اطْمَأَنُّوا ، وَإِنْ أَصَابَ الْإِسْلَامَ نَكْبَةٌ قَامُوا لِيَرْجِعُوا إِلَى الْكُفْرِ يَقُولُ : " وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا " كَقَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 11 ] .
ثُمَّ اخْتَلَفَ سَائِرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بَعْدُ فِي ذَلِكَ ، نَظِيرَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ :
455 - فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : إِضَاءَةُ الْبَرْقِ وَإِظْلَامُهُ ، عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْمَثَلِ .
456 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . [1/350]
457 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
458 - وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : " فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " إِلَى قَوْلِهِ " وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا " فَالْمُنَافِقُ إِذَا رَأَى فِي الْإِسْلَامِ رَخَاءً أَوْ طُمَأْنِينَةً أَوْ سَلْوَةً مِنْ عَيْشٍ ، قَالَ : أَنَا مَعَكُمْ وَأَنَا مِنْكُمْ ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ شَدِيدَةٌ حَقْحَقَ وَاللَّهِ عِنْدَهَا ، فَانْقُطِعَ بِهِ ، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِهَا ، وَلَمْ يَحْتَسِبْ أَجْرَهَا ، وَلَمْ يَرْجُ عَاقِبَتَهَا .
459 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " يَقُولُ : أَجْبَنُ قَوْمٍ لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا إِلَّا إِذَا ظَنُّوا أَنَّهُمْ هَالِكُونَ فِيهِ حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا آخَرَ فَقَالَ : " يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ " يَقُولُ : هَذَا الْمُنَافِقُ ، إِذَا كَثُرَ مَالُهُ ، وَكَثُرَتْ مَاشِيَتُهُ ، وَأَصَابَتْهُ عَافِيَةٌ قَالَ : لَمْ يُصِبْنِي مُنْذُ دَخَلْتُ فِي دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرٌ " وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا " يَقُولُ : إِذَا ذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَهَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ وَأَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ ، قَامُوا مُتَحَيِّرِينَ .
460 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : " فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " قَالَ : مَثَلُهُمْ [1/351]كَمَثَلِ قَوْمٍ سَارُوا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ، وَلَهَا مَطَرٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ عَلَى جَادَّةٍ ، فَلَمَّا أَبْرَقَتْ أَبْصَرُوا الْجَادَّةَ فَمَضَوْا فِيهَا ، وَإِذَا ذَهَبَ الْبَرْقُ تَحَيَّرُوا . وَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ ، كُلَّمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ أَضَاءَ لَهُ ، فَإِذَا شَكَّ تَحَيَّرَ وَوَقَعَ فِي الظُّلْمَةِ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا " ثُمَّ قَالَ : فِي أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمِ الَّتِي عَاشُوا بِهَا فِي النَّاسِ ، " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ :
461 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيِّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، " فِيهِ ظُلُمَاتٌ " قَالَ : أَمَّا الظُّلُمَاتُ فَالضَّلَالَةُ ، وَالْبَرْقُ الْإِيمَانُ .
462 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : " إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " قَالَ : هَذَا أَيْضًا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُنَافِقِينَ ، كَانُوا قَدِ اسْتَنَارُوا بِالْإِسْلَامِ كَمَا اسْتَنَارَ هَذَا بِنُورِ هَذَا الْبَرْقِ .
463 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : لَيْسَ فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ سَمِعَهُ الْمُنَافِقُ إِلَّا ظَنَّ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ ، وَأَنَّهُ الْمَوْتُ ، كَرَاهِيَةً لَهُ ، وَالْمُنَافِقُ أَكْرَهُ خَلْقِ اللَّهِ لِلْمَوْتِ - كَمَا إِذَا كَانُوا بِالْبَرَازِ فِي الْمَطَرِ ، فَرُّوا مِنَ الصَّوَاعِقِ .
464 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ : " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " قَالَ : مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكَافِرِ . [1/352]
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ ، فَإِنَّهَا - وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِيهَا أَلْفَاظُ قَائِلِيهَا - مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي ، لِأَنَّهَا جَمِيعًا تُنَبِّئُ عَنْ أَنَّ اللَّهَ ضَرَبَ الصَّيِّبَ لِظَاهِرِ إِيمَانِ الْمُنَافِقِ مَثَلًا وَمَثَّلَ مَا فِيهِ مِنْ ظُلُمَاتٍ لِضَلَالَتِهِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ ضِيَاءِ بَرْقٍ لِنُورِ إِيمَانِهِ ، وَاتِّقَاءَهُ مِنَ الصَّوَاعِقِ بِتَصْيِيرِ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ ، لِضَعْفِ جَنَانِهِ وَنَخْبِ فُؤَادِهِ مِنْ حُلُولِ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِسَاحَتِهِ ، وَمَشْيَهُ فِي ضَوْءِ الْبَرْقِ بِاسْتِقَامَتِهِ عَلَى نُورِ إِيمَانِهِ ، وَقِيَامَهُ فِي الظَّلَامِ ، لِحَيْرَتِهِ فِي ضَلَالَتِهِ وَارْتِكَاسِهِ فِي عَمَهِهِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - أَوْ مَثَلُ مَا اسْتَضَاءَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ قِيلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِمُحَمَّدٍ (نبي)وَمَا جَاءَ بِهِ ، حَتَّى صَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا أَحْكَامُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ - مَعَ إِظْهَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُظْهِرُونَ - بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، مُكَذِّبُونَ ، وَلِخِلَافِ مَا يُظْهِرُونَ بِالْأَلْسُنِ فِي قُلُوبِهِمْ مُعْتَقِدُونَ ، عَلَى عَمًى مِنْهُمْ ، وَجَهَالَةٍ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ لَا يَدْرُونَ أَيَّ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ شُرِعَا لَهُمْ [ فِيهِ ] الْهِدَايَةُ ، أَفِي الْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ إِرْسَالِ اللَّهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَرْسَلَهُ بِهِ إِلَيْهِمْ ، أَمْ فِي الَّذِي أَتَاهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ ؟ فَهُمْ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِلُونَ ، وَهُمْ مَعَ وَجَلِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِيقَتِهِ شَاكُّونَ ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا . كَمَثَلِ غَيْثٍ سَرَى لَيْلًا فِي مُزْنَةٍ ظَلْمَاءَ [1/353]وَلَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ يَحْدُوهَا رَعْدٌ ، وَيَسْتَطِيرُ فِي حَافَّاتِهَا بَرْقٌ شَدِيدٌ لَمَعَانُهُ ، كَثِيرٌ خَطَرَانُهُ ، يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ وَيَخْتَطِفُهَا مِنْ شِدَّةِ ضِيَائِهِ وَنُورِ شُعَاعِهِ ، وَيَنْهَبِطُ مِنْهَا تَارَاتٍ صَوَاعِقُ ، تَكَادُ تَدَعُ النُّفُوسَ مِنْ شِدَّةِ أَهْوَالِهَا زَوَاهِقَ .
فَالصَّيِّبُ مَثَلٌ لِظَاهِرِ مَا أَظْهَرَ الْمُنَافِقُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ ، وَالظُّلُمَاتُ الَّتِي هِيَ فِيهِ لِظُلُمَاتِ مَا هُمْ مُسْتَبْطِنُونَ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ وَمَرَضِ الْقُلُوبِ . وَأَمَّا الرَّعْدُ وَالصَّوَاعِقُ ، فَلِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْوَجَلِ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آيِ كِتَابِهِ ، إِمَّا فِي الْعَاجِلِ وَإِمَّا فِي الْآجِلِ ، أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ ، مَعَ شَكِّهِمْ فِي ذَلِكَ : هَلْ هُوَ كَائِنٌ أَمْ غَيْرُ كَائِنٍ ؟ وَهَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ أَمْ ذَلِكَ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ ؟ مَثَلٌ . فَهُمْ مِنْ وَجَلِهِمْ ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقًّا ، يَتَّقُونَهُ بِالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، مَخَافَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْهَلَاكِ وَنُزُولِ النَّقِمَاتِ ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ " يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ " يَعْنِي بِذَلِكَ : يَتَّقُونَ وَعِيدَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِمَا يُبْدُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ ظَاهِرِ الْإِقْرَارِ ، كَمَا يَتَّقِي الْخَائِفُ أَصْوَاتِ الصَّوَاعِقِ بِتَغْطِيَةِ أُذُنَيْهِ وَتَصْيِيرِ أَصَابِعَهُ فِيهَا ، حَذَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا إِذَا حَضَرُوا مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْخَلُوا أَصَابِعَهُمْ [1/354]فِي آذَانِهِمْ فَرَقًا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ شَيْءٌ ، أَوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقْتَلُوا . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا - وَلَسْتُ أَعْلَمُهُ صَحِيحًا إِذْ كُنْتُ بِإِسْنَادِهِ مُرْتَابًا - فَإِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُمَا هُوَ الْقَوْلُ ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ صَحِيحٍ ، فَأَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قُلْنَا ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا قَصَّ عَلَيْنَا مَنْ خَبَرِهِمْ فِي أَوَّلِ مُبْتَدَأِ قِصَّتِهِمْ ، أَنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، مَعَ شَكِّ قُلُوبِهِمْ وَمَرَضِ أَفْئِدَتِهِمْ فِي حَقِيقَةِ مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ . وَبِذَلِكَ وَصَفَهُمْ فِي جَمِيعِ آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا صِفَتَهُمْ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ إِدْخَالَهُمْ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مَثَلًا لِاتِّقَائِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ يَتَّقُونَهُمْ بِهِ ، كَمَا يَتَّقِي سَامِعُ صَوْتِ الصَّاعِقَةِ بِإِدْخَالِ أَصَابِعِهِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَذَلِكَ مِنَ الْمَثَلِ نَظِيرُ تَمْثِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا أَنْزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْوَعِيدِ فِي آيِ كِتَابِهِ بِأَصْوَاتِ الصَّوَاعِقِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ " حَذَرَ الْمَوْتِ " جَعَلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَثَلًا لِخَوْفِهِمْ وَإِشْفَاقِهِمْ مِنْ حُلُولِ عَاجِلِ الْعِقَابِ الْمُهْلِكِهِمُ الَّذِي تُوُعِّدُوهُ بِسَاحَتِهِمْ كَمَا يَجْعَلُ سَامِعُ أَصْوَاتِ الصَّوَاعِقِ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ ، حَذَرَ الْعَطَبِ وَالْمَوْتِ عَلَى نَفْسِهِ ، أَنْ تَزْهَقَ مِنْ شِدَّتِهَا .
وَإِنَّمَا نَصَبَ قَوْلَهُ " حَذَرَ الْمَوْتِ " عَلَى نَحْوِ مَا تُنْصَبُ بِهِ التَّكْرِمَةُ فِي قَوْلِكَ : " زُرْتُكَ تَكْرِمَةً لَكَ " تُرِيدُ بِذَلِكَ : مِنْ أَجْلِ تَكْرِمَتِكَ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 90 ] عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْفِعْلِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : " حَذَرَ الْمَوْتِ " حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ . [1/355]
465 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْهُ .
وَذَلِكَ مَذْهَبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجْعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَا قَالَ إِنَّهُ يُرَادُ بِهِ ، حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا مِنْ حِذَارِ الْمَوْتِ فِي آذَانِهِمْ .
وَكَانَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَتَأَوَّلَانِ قَوْلَهُ : " يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ " أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَةٌ لِلْمُنَافِقِينَ بِالْهَلَعِ وَضَعْفِ الْقُلُوبِ وَكَرَاهَةِ الْمَوْتِ ، وَيَتَأَوَّلَانِ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ ] .
وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي كَالَّذِي قَالَا . وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا تُنْكَرُ شَجَاعَتُهُ وَلَا تُدْفَعُ بَسَالَتُهُ ، كَقُزْمَانَ ، الَّذِي لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِأُحُدٍ ، أَوْ دُونَهُ . وَإِنَّمَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُمْ شُهُودَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَرْكُهُمْ مُعَاوَنَتَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي أَدْيَانِهِمْ مُسْتَبْصِرِينَ ، وَلَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقِينَ ، فَكَانُوا لِلْحُضُورِ مَعَهُ مَشَاهِدَهُ كَارِهِينَ ، إِلَّا بِالتَّخْذِيلِ عَنْهُ . وَلَكِنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ بِالْإِشْفَاقِ مِنْ حُلُولِ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِهِمْ عَلَى نِفَاقِهِمْ ، إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ [1/356]الْمُنَافِقِينَ - الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللَّهُ النَّعْتَ الَّذِي ذَكَرَ - وَضَرَبَ لَهُمُ الْأَمْثَالَ الَّتِي وَصَفَ ، وَإِنِ اتَّقَوْا عِقَابَهُ ، وَأَشْفَقُوا عَذَابَهُ إِشْفَاقَ الْجَاعِلِ فِي أُذُنَيْهِ أَصَابِعَهُ حَذَارِ حُلُولَ الْوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِي آيِ كِتَابِهِ - غَيْرُ مُنْجِيهِمْ ذَلِكَ مِنْ نُزُولِهِ بِعَقْوَتِهِمْ ، وَحُلُولِهِ بِسَاحَتِهِمْ ، إِمَّا عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا ، وَإِمَّا آجِلًا فِي الْآخِرَةِ ، لِلَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَرَضِهَا ، وَالشَّكِّ فِي اعْتِقَادِهَا ، فَقَالَ : " وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " بِمَعْنَى جَامِعُهُمْ ، فَمُحِلٌّ بِهِمْ عُقُوبَتَهُ .
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ كَمَا :
466 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ . عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " قَالَ : جَامِعُهُمْ فِي جَهَنَّمَ .
وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا :
467 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " يَقُولُ : اللَّهُ مُنْزِلُ ذَلِكَ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ .
468 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " قَالَ : جَامِعُهُمْ .
ثُمَّ عَادَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِلَى نَعْتِ إِقْرَارِ الْمُنَافِقِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَالْخَبَرِ عَنْهُ وَعَنْهُمْ وَعَنْ نِفَاقِهِمْ ، وَإِتْمَامِ الْمَثَلِ الَّذِي ابْتَدَأَ ضَرْبَهُ لَهُمْ وَلِشَكِّهِمْ وَمَرَضِ قُلُوبِهِمْ ، فَقَالَ : " يَكَادُ الْبَرْقُ " يَعْنِي بِالْبَرْقِ ، الْإِقْرَارَ الَّذِي أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ . فَجَعَلَ الْبَرْقَ لَهُ مَثَلًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا صِفَتَهُ . [1/357]
" يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ " يَعْنِي : يَذْهَبُ بِهَا وَيَسْتَلِبُهَا وَيَلْتَمِعُهَا مِنْ شِدَّةِ ضِيَائِهِ وَنُورِ شُعَاعِهِ .
469 - كَمَا حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : " يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ " قَالَ : يَلْتَمِعُ أَبْصَارَهُمْ وَلَمَّا يَفْعَلْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْخَطْفُ السَّلْبُ ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَطْفَةِ ، يَعْنِي بِهَا النُّهْبَةَ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْخُطَّافِ الَّذِي يُخْرَجُ بِهِ الدَّلْوُ مِنَ الْبِئْرِ خُطَّافٌ ، لِاخْتِطَافِهِ وَاسْتِلَابِهِ مَا عَلِقَ بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ :
خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ مَتِينَةٍ تَمُدُّ بِهَا أَيدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ [1/358]
فَجَعَلَ ضَوْءَ الْبَرْقِ وَشِدَّةَ شُعَاعِ نُورِهِ ، كَضَوْءِ إِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَشُعَاعِ نُورِهِ ، مَثَلًا .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ " يَعْنِي أَنَّ الْبَرْقَ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ ، وَجَعَلَ الْبَرْقَ لِإِيمَانِهِمْ مَثَلًا . وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمُ الْإِيمَانُ ، وَإِضَاءَتُهُ لَهُمْ أَنْ يَرَوْا فِيهِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ ، مِنَ النُّصْرَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَإِصَابَةِ الْغَنَائِمِ فِي الْمُغَازِي ، وَكَثْرَةِ الْفُتُوحِ ، وَمَنَافِعِهَا ، وَالثَّرَاءِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَالسَّلَامَةِ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ - فَذَلِكَ إِضَاءَتُهُ لَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنَ الْإِقْرَارِ ، ابْتِغَاءَ ذَلِكَ ، وَمُدَافِعَةً عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَذَرَارِيهِمْ ، وَهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 11 ] .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ " مَشَوْا فِيهِ " مَشَوْا فِي ضَوْءِ الْبَرْقِ . وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا . فَمَعْنَاهُ : كُلَّمَا رَأَوْا فِي الْإِيمَانِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، ثَبَتُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ ، كَمَا يَمْشِي السَّائِرُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَظُلْمَةِ الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، إِذَا بَرَقَتْ فِيهَا بَارِقَةٌ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ فِيهَا .
" وَإِذَا أَظْلَمَ " يَعْنِي : ذَهَبَ ضَوْءُ الْبَرْقِ عَنْهُمْ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ " عَلَيْهِمْ " عَلَى السَّائِرِينَ فِي الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْرُهُ . وَذَلِكَ لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلٌ . وَمَعْنَى إِظْلَامِ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كُلَّمَا لَمْ يَرَوْا فِي الْإِسْلَامِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ - عِنْدَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ مُؤْمِنِي عِبَادِهِ بِالضَّرَّاءِ ، وَتَمْحِيصِهِ إِيَّاهُمْ بِالشَّدَائِدِ وَالْبَلَاءِ ، مِنْ إِخْفَاقِهِمْ فِي مَغْزَاهُمْ ، وَإِنَالَةِ عَدُوِّهِمْ مِنْهُمْ ، أَوْ إِدْبَارٍ مِنْ [1/359]دُنْيَاهُمْ عَنْهُمْ أَقَامُوا عَلَى نِفَاقِهِمْ ، وَثَبَتُوا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ ، كَمَا قَامَ السَّائِرُ فِي الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِذَا أَظْلَمَ وَخَفَتَ ضَوْءُ الْبَرْقِ ، فَحَارَ فِي طَرِيقِهِ ، فَلَمْ يَعْرِفْ مَنْهَجَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ
[1/360]قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ - بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ دُونَ سَائِرِ أَعْضَاءِ أَجْسَامِهِمْ - لِلَّذِي جَرَى مِنْ ذِكْرِهَا فِي الْآيَتَيْنِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ : " يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ " وَقَوْلَهُ : " يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ " فَجَرَى ذِكْرُهَا فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمَثَلِ ، ثُمَّ عَقَّبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذِكْرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَعِيدًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ ، كَمَا تَوَعَّدَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِقَوْلِهِ : " وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " وَاصِفًا بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ نَفْسَهُ أَنَّهُ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمْعِهِمْ ، لِإِحْلَالِ سَخَطِهِ بِهِمْ ، وَإِنْزَالِ نِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ ، وَمُحَذِّرَهُمْ بِذَلِكَ سَطْوَتَهُ ، وَمُخَوِّفَهُمْ بِهِ عُقُوبَتَهُ ، لِيَتَّقُوا بَأْسَهُ ، وَيُسَارِعُوا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ .
470 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ " لِمَا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ .
471 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ - يَعْنِي قَالَ اللَّهُ - فِي أَسْمَاعِهِمْ - يَعْنِي أَسْمَاعَ الْمُنَافِقِينَ - وَأَبْصَارِهُمُ الَّتِي عَاشُوا بِهَا فِي النَّاسِ : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : " لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ " لِأَذْهَبَ سَمْعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَدْخَلُوا الْبَاءَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالُوا : ذَهَبْتُ بِبَصَرِهِ ، وَإِذَا حَذَفُوا الْبَاءَ قَالُوا : أَذْهَبْتَ بَصَرَهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 62 ] ، وَلَوْ أُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِي الْغَدَاءِ لَقِيلَ : ائْتِنَا بِغَدَائِنَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : " لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ " فَوَحَّدَ ، وَقَالَ : " وَأَبْصَارِهِمْ " فَجَمَعَ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْخَبَرَ فِي السَّمْعِ خَبَرٌ عَنْ سَمْعِ جَمَاعَةٍ ، كَمَا الْخَبَرُ عَنِ الْأَبْصَارِ خَبَرٌ عَنْ أَبْصَارِ جَمَاعَةٍ ؟
قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): وَحَّدَ السَّمْعَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمَصْدَرَ وَقَصَدَ بِهِ الْخَرْقَ ، وَجَمَعَ الْأَبْصَارَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْأَعْيُنَ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)يَزْعُمُ : أَنَّ السَّمْعَ وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى جَمَاعَةٍ . وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ : لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 43 ] ، يُرِيدُ : لَا تَرْتَدُ إِلَيْهِمْ أَطْرَافُهُمْ ، وَبُقَوْلِهِ : وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ سُورَةُ الْقَمَرِ : 45 ] ، [1/361]يُرَادُ بِهِ أَدْبَارُهُمْ . وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدِي ، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْجَمْعُ ، فَكَانَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ ، وَأَدَاءِ مَعْنَى الْوَاحِدِ مِنَ السَّمْعِ عَنْ مَعْنَى جَمَاعَةٍ ، مُغْنِيًا عَنْ جِمَاعِهِ . وَلَوْ فِعْلَ بِالْبَصَرِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالسَّمْعِ ، أَوْ فَعَلَ بِالسَّمْعِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالْأَبْصَارِ - مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ - كَانَ فَصِيحًا صَحِيحًا ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ
فَوَحَّدَ الْبَطْنَ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبُطُونُ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا وَصْفَ اللَّهُ نَفْسَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهِمْ مُحِيطٌ ، وَعَلَى إِذْهَابِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَدِيرٌ . ثُمَّ قَالَ : فَاتَّقُونِي أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ ، وَاحْذَرُوا خِدَاعِي وَخِدَاعَ رَسُولِي وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِي ، لَا أُحِلُّ بِكُمْ نِقْمَتِي ، فَإِنِّي عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَدِيرٌ . وَمَعْنَى " قَدِيرٌ " قَادِرٌ ، كَمَا مَعْنَى " عَلِيمٍ " عَالَمٌ ، عَلَى مَا وَصَفْتُ فِيمَا [1/362]تَقَدَّمَ مِنْ نَظَائِرِهِ ، مِنْ زِيَادَةِ مَعْنَى فَعِيلٍ عَلَى فَاعِلٍ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ .