النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِذْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ " هُوَ مَا وَصَفْنَا - مِنْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِالْمُنَافِقِينَ فِي الْآخِرَةِ ، عِنْدَ هَتْكِ أَسْتَارِهِمْ ، وَإِظْهَارِهِ فَضَائِحَ أَسْرَارِهِمْ ، وَسَلْبِهِ ضِيَاءَ أَنْوَارِهِمْ ، مِنْ تَرْكِهِمْ فِي ظُلَمِ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَتَرَدَّدُونَ ، وَفِي حَنَادِسِهَا لَا يُبْصِرُونَ ، فَبَيِّنٌ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ، مَثَّلَهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ، أَوْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " يَأْتِيهِ الرَّفْعُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَالنُّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ :
فَأَمَّا أَحَدُ وَجْهَيِ الرَّفْعِ : فَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الذَّمِّ . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ ، فَتَنْصِبُ وَتَرْفَعُ ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَعْرِفَةٍ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ سَمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ وَالطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الْأُزْرِ
فَيُرْوَى : " النَّازِلُونَ " وَ " النَّازِلِينَ " وَكَذَلِكَ " الطَّيِّبُونَ " وَ " الطَّيِّبِينَ " عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ الْمَدْحِ . [1/330]
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : عَلَى نِيَّةِ التَّكْرِيرِ مِنْ " أُولَئِكَ " فَيَكُونُ الْمَعْنِيَّ حِينَئِذٍ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ، أُولَئِكَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ .
وَأَمَّا أَحَدُ وَجْهَيِ النَّصْبِ : فَأَنْ يَكُونَ قَطْعًا مِمَّا فِي " مُهْتَدِينَ " مِنْ ذِكْرِ " أُولَئِكَ " لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ مِنْ ذِكْرِهِمْ مَعْرِفَةٌ ، وَالصُّمَّ نَكِرَةٌ .
وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ قَطْعًا مِنَ " الَّذِينَ " لِأَنَّ " الَّذِينَ " مَعْرِفَةٌ وَ " الصُّمُّ " نَكِرَةٌ .
وَقَدْ يَجُوزُ النَّصْبُ فِيهِ أَيْضًا عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا مِنَ النَّصْبِ ثَالِثًا .
فَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ مَا رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الِاسْتِئْنَافُ .
وَأَمَّا النَّصْبُ فَقَدْ يَجُوزُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الذَّمُّ ، وَالْآخَرُ : الْقَطْعُ مِنْ " الْهَاءِ وَالْمِيمِ " اللَّتَيْنِ فِي " تَرْكِهِمْ " أَوْ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي " لَا يُبْصِرُونَ "
وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَةُ ، الرَّفْعُ دُونَ النَّصْبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ خِلَافُ رُسُومِ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ . وَإِذَا قُرِئَ نَصْبًا كَانَتْ قِرَاءَةً مُخَالَفَةً رَسْمَ مَصَاحِفِهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ : أَنَّهُمْ بِاشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى لَمْ يَكُونُوا لِلْهُدَى وَالْحَقِّ مُهْتَدِينَ ، بَلْ هُمْ صُمٌّ عَنْهُمَا فَلَا يَسْمَعُونَهُمَا ، لِغَلَبَةِ خِذْلَانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، بُكْمٌ عَنِ الْقِيلِ بِهِمَا فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِمَا ، وَالْبُكْمُ : الْخُرْسُ ، وَهُوَ جِمَاعُ أَبْكَمَ ، عُمْيٌ عَنْ أَنْ يُبْصِرُوهُمَا فَيَعْقِلُوهُمَا ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِنِفَاقِهِمْ فَلَا يَهْتَدُونَ .
وَبِمَثَلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ :
398 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، [1/331]عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " عَنِ الْخَيْرِ .
399 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " يَقُولُ : لَا يَسْمَعُونَ الْهُدَى وَلَا يُبْصِرُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ .
400 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُكْمٌ " هُمُ الْخُرْسُ .
401 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " : صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَسْمَعُونَهُ ، عُمْيٌ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يُبْصِرُونَهُ ، بُكْمٌ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَوْلُهُ " فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ - الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِاشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ، وَصَمَمِهِمْ عَنْ سَمَاعِ الْخَيْرِ وَالْحَقِّ ، وَبَكَمِهِمْ عَنِ الْقِيلِ بِهِمَا ، وَعَمَاهُمْ عَنْ إِبْصَارِهِمَا ، أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِقْلَاعِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ ، وَلَا يَتُوبُونَ إِلَى الْإِنَابَةِ مِنْ نِفَاقِهِمْ . فَآيَسَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ أَنْ يُبْصِرَ هَؤُلَاءِ رُشْدًا ، أَوْ يَقُولُوا حَقًّا ، أَوْ يَسْمَعُوا دَاعِيًا إِلَى الْهُدَى ، أَوْ أَنْ يَذَّكَّرُوا فَيَتُوبُوا مِنْ ضَلَالَتِهِمْ ، كَمَا آيَسَ مِنْ تَوْبَةِ قَادَةِ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ [1/332]وَالْمُشْرِكِينَ وَأَحْبَارِهِمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَغَشَّى عَلَى أَبْصَارِهِمْ .
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
402 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " أَيْ : لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَذَّكَّرُونَ .
403 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " : فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ يُخَالِفُ مَعْنَاهُ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ ، وَهُوَ مَا :
404 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " أَيْ : فَلَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْهُدَى وَلَا إِلَى خَيْرٍ ، فَلَا يُصِيبُونَ نَجَاةً مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ .
وَهَذَا تَأْوِيلٌ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ بِخِلَافِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ - عَنِ اشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى - إِلَى ابْتِغَاءِ الْهُدَى وَإِبْصَارِ الْحَقِّ ، مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِمْ عَلَى وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَحَالٍ دُونَ حَالٍ . وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، يُنْبِئُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِمْ مَحْصُورٌ عَلَى وَقْتٍ وَهُوَ مَا كَانُوا عَلَى أَمْرِهِمْ مُقِيمِينَ ، وَأَنَّ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الرُّجُوعِ [1/333]عَنْهُ . وَذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ ، لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا مِنْ ظَاهِرٍ وَلَا مِنْ خَبَرٍ تَقُومُ بِمِثْلِهِ الْحُجَّةُ فَيُسَلَّمُ لَهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِذْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ " هُوَ مَا وَصَفْنَا - مِنْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِالْمُنَافِقِينَ فِي الْآخِرَةِ ، عِنْدَ هَتْكِ أَسْتَارِهِمْ ، وَإِظْهَارِهِ فَضَائِحَ أَسْرَارِهِمْ ، وَسَلْبِهِ ضِيَاءَ أَنْوَارِهِمْ ، مِنْ تَرْكِهِمْ فِي ظُلَمِ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَتَرَدَّدُونَ ، وَفِي حَنَادِسِهَا لَا يُبْصِرُونَ ، فَبَيِّنٌ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ، مَثَّلَهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ، أَوْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " يَأْتِيهِ الرَّفْعُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَالنُّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ :
فَأَمَّا أَحَدُ وَجْهَيِ الرَّفْعِ : فَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الذَّمِّ . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ ، فَتَنْصِبُ وَتَرْفَعُ ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَعْرِفَةٍ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ سَمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ وَالطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الْأُزْرِ
فَيُرْوَى : " النَّازِلُونَ " وَ " النَّازِلِينَ " وَكَذَلِكَ " الطَّيِّبُونَ " وَ " الطَّيِّبِينَ " عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ الْمَدْحِ . [1/330]
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : عَلَى نِيَّةِ التَّكْرِيرِ مِنْ " أُولَئِكَ " فَيَكُونُ الْمَعْنِيَّ حِينَئِذٍ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ، أُولَئِكَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ .
وَأَمَّا أَحَدُ وَجْهَيِ النَّصْبِ : فَأَنْ يَكُونَ قَطْعًا مِمَّا فِي " مُهْتَدِينَ " مِنْ ذِكْرِ " أُولَئِكَ " لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ مِنْ ذِكْرِهِمْ مَعْرِفَةٌ ، وَالصُّمَّ نَكِرَةٌ .
وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ قَطْعًا مِنَ " الَّذِينَ " لِأَنَّ " الَّذِينَ " مَعْرِفَةٌ وَ " الصُّمُّ " نَكِرَةٌ .
وَقَدْ يَجُوزُ النَّصْبُ فِيهِ أَيْضًا عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا مِنَ النَّصْبِ ثَالِثًا .
فَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ مَا رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الِاسْتِئْنَافُ .
وَأَمَّا النَّصْبُ فَقَدْ يَجُوزُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الذَّمُّ ، وَالْآخَرُ : الْقَطْعُ مِنْ " الْهَاءِ وَالْمِيمِ " اللَّتَيْنِ فِي " تَرْكِهِمْ " أَوْ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي " لَا يُبْصِرُونَ "
وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَةُ ، الرَّفْعُ دُونَ النَّصْبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ خِلَافُ رُسُومِ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ . وَإِذَا قُرِئَ نَصْبًا كَانَتْ قِرَاءَةً مُخَالَفَةً رَسْمَ مَصَاحِفِهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ : أَنَّهُمْ بِاشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى لَمْ يَكُونُوا لِلْهُدَى وَالْحَقِّ مُهْتَدِينَ ، بَلْ هُمْ صُمٌّ عَنْهُمَا فَلَا يَسْمَعُونَهُمَا ، لِغَلَبَةِ خِذْلَانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، بُكْمٌ عَنِ الْقِيلِ بِهِمَا فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِمَا ، وَالْبُكْمُ : الْخُرْسُ ، وَهُوَ جِمَاعُ أَبْكَمَ ، عُمْيٌ عَنْ أَنْ يُبْصِرُوهُمَا فَيَعْقِلُوهُمَا ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِنِفَاقِهِمْ فَلَا يَهْتَدُونَ .
وَبِمَثَلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ :
398 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، [1/331]عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " عَنِ الْخَيْرِ .
399 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " يَقُولُ : لَا يَسْمَعُونَ الْهُدَى وَلَا يُبْصِرُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ .
400 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُكْمٌ " هُمُ الْخُرْسُ .
401 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " : صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَسْمَعُونَهُ ، عُمْيٌ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يُبْصِرُونَهُ ، بُكْمٌ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَوْلُهُ " فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ - الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِاشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ، وَصَمَمِهِمْ عَنْ سَمَاعِ الْخَيْرِ وَالْحَقِّ ، وَبَكَمِهِمْ عَنِ الْقِيلِ بِهِمَا ، وَعَمَاهُمْ عَنْ إِبْصَارِهِمَا ، أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِقْلَاعِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ ، وَلَا يَتُوبُونَ إِلَى الْإِنَابَةِ مِنْ نِفَاقِهِمْ . فَآيَسَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ أَنْ يُبْصِرَ هَؤُلَاءِ رُشْدًا ، أَوْ يَقُولُوا حَقًّا ، أَوْ يَسْمَعُوا دَاعِيًا إِلَى الْهُدَى ، أَوْ أَنْ يَذَّكَّرُوا فَيَتُوبُوا مِنْ ضَلَالَتِهِمْ ، كَمَا آيَسَ مِنْ تَوْبَةِ قَادَةِ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ [1/332]وَالْمُشْرِكِينَ وَأَحْبَارِهِمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَغَشَّى عَلَى أَبْصَارِهِمْ .
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
402 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " أَيْ : لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَذَّكَّرُونَ .
403 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " : فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ يُخَالِفُ مَعْنَاهُ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ ، وَهُوَ مَا :
404 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ " أَيْ : فَلَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْهُدَى وَلَا إِلَى خَيْرٍ ، فَلَا يُصِيبُونَ نَجَاةً مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ .
وَهَذَا تَأْوِيلٌ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ بِخِلَافِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ - عَنِ اشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى - إِلَى ابْتِغَاءِ الْهُدَى وَإِبْصَارِ الْحَقِّ ، مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِمْ عَلَى وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَحَالٍ دُونَ حَالٍ . وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، يُنْبِئُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِمْ مَحْصُورٌ عَلَى وَقْتٍ وَهُوَ مَا كَانُوا عَلَى أَمْرِهِمْ مُقِيمِينَ ، وَأَنَّ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الرُّجُوعِ [1/333]عَنْهُ . وَذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ ، لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا مِنْ ظَاهِرٍ وَلَا مِنْ خَبَرٍ تَقُومُ بِمِثْلِهِ الْحُجَّةُ فَيُسَلَّمُ لَهَا .