تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى "

ج 1
ص 311

الآية المفسَّرة

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 1 · ص 311

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ( 16 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ اشْتَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ، وَإِنَّمَا كَانُوا مُنَافِقِينَ لَمْ يَتَقَدَّمْ نِفَاقَهُمْ إِيمَانٌ فَيُقَالُ فِيهِمْ : بَاعُوا هُدَاهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ بِضَلَالَتِهِمْ حَتَّى اسْتَبْدَلُوهَا مِنْهُ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعْنَى الشِّرَاءِ الْمَفْهُومِ : اعْتِيَاضُ شَيْءٍ بِبَذْلِ شَيْءٍ مَكَانَهُ عِوَضًا مِنْهُ ، وَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، لَمْ يَكُونُوا قَطُّ عَلَى هُدًى فَيَتْرُكُوهُ وَيَعْتَاضُوا مِنْهُ كُفْرًا وَنِفَاقًا ؟ [1/312]
قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَنَذْكُرُ مَا قَالُوا فِيهِ ، ثُمَّ نُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ :
380 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ، أَيِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ .
381 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ، يَقُولُ : أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى .
382 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ، اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى .
383 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ، آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا .
384 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : " أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى " - وَجَّهُوا مَعْنَى الشِّرَاءِ إِلَى أَنَّهُ أَخَذَ الْمُشْتَرَى مَكَانَ الثَّمَنِ الْمُشْتَرَى بِهِ ، فَقَالُوا : كَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ ، قَدْ أَخَذَا مَكَانَ الْإِيمَانِ الْكُفْرَ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا شِرَاءً [1/313]لِلْكَفْرِ وَالضَّلَالَةِ اللَّذَيْنِ أَخَذَاهُمَا بِتَرْكِهِمَا مَا تَرَكَا مِنَ الْهُدَى ، وَكَانَ الْهُدَى الَّذِي تَرَكَاهُ هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي جَعَلَاهُ عِوَضًا مِنَ الضَّلَالَةِ الَّتِي أَخَذَاهَا .
وَأَمَّا الَّذِينَ تَأَوَّلُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " اشْتَرَوْا " : " اسْتَحَبُّوا " فَإِنَّهُمْ لَمَّا وَجَدُوا اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ وَصَفَ الْكُفَّارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَنَسَبَهُمْ إِلَى اسْتِحْبَابِهِمُ الْكُفْرَ عَلَى الْهُدَى ، فَقَالَ : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 17 ] ، صَرَفُوا قَوْلَهُ : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى إِلَى ذَلِكَ . وَقَالُوا : قَدْ تَدْخُلُ " الْبَاءُ " مَكَانَ " عَلَى " وَ " عَلَى " مَكَانَ " الْبَاءِ " كَمَا يُقَالُ : مَرَرْتُ بِفُلَانٍ ، وَمَرَرْتُ عَلَى فُلَانٍ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 75 ] ، أَيْ عَلَى قِنْطَارٍ . فَكَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى هَؤُلَاءِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَارُوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى . وَأَرَاهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ " اشْتَرَوْا " إِلَى مَعْنَى اخْتَارُوا ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : اشْتَرَيْتُ كَذَا عَلَى كَذَا ، وَاسْتَرَيتُهُ - يَعْنُونَ اخْتَرْتُهُ عَلَيْهِ .
وَمِنَ الِاسْتِرَاءِ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ
فَقَدْ أُخْرِجُ الْكَاعِبَ الْمُسْتَرَا ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعُ الْقِمَارَ
يَعْنِي بِالْمُسْتَرَاةِ : الْمُخْتَارَةَ .
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ ، فِي الِاشْتِرَاءِ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ :
يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ
.
يَعْنِي بِالشَّرَاةِ : الْمُخْتَارَةَ . [1/314]
وَقَالَ آخَرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ :
إِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الْأَمْوَالِ وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا ، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ ، فَلَسْتُ لَهُ بِمُخْتَارٍ . لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ، فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى مَعْنَى الشِّرَاءِ الَّذِي يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ ، مِنَ اسْتِبْدَالِ شَيْءٍ مَكَانَ شَيْءٍ ، وَأَخْذِ عِوَضٍ عَلَى عِوَضٍ .
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَكَفَرُوا ، فَإِنَّهُ لَا مَئُونَةَ عَلَيْهِمْ ، لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفُوا بِهِ الْقَوْمَ . لِأَنَّ الْأَمْرَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ تَرَكُوا الْإِيمَانَ ، وَاسْتَبْدَلُوا بِهِ الْكُفْرَ عِوَضًا مِنَ الْهُدَى . وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ مَعَانِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ ، وَلَكِنَّ دَلَائِلَ أَوَّلِ الْآيَاتِ فِي نُعُوتِهِمْ إِلَى آخِرِهَا ، دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ اسْتَضَاءُوا بِنُورِ الْإِيمَانِ ، وَلَا دَخَلُوا فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ، أَوَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ لَدُنِ ابْتَدَأَ فِي نَعْتِهِمْ ، إِلَى أَنْ أَتَى عَلَى صِفَتِهِمْ ، إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِإِظْهَارِ الْكَذِبِ بِأَلْسِنَتِهِمْ : بِدَعْوَاهُمُ التَّصْدِيقَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ ، وَاسْتِهْزَاءً فِي نُفُوسِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ لِغَيْرِ مَا كَانُوا يُظْهِرُونَ مُسْتَبْطِنُونَ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ اقْتَصَّ قَصَصَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ؟ [1/315]فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَكَفَرُوا ؟
فَإِنَّ كَانَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ : " أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى " هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ كَانُوا عَلَى الْإِيمَانِ فَانْتَقَلُوا عَنْهُ إِلَى الْكُفْرِ ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ " اشْتَرَوْا " - فَإِنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ ، إِذْ كَانَ الِاشْتِرَاءُ عِنْدَ مُخَالِفِيهِ قَدْ يَكُونُ أَخْذَ شَيْءٍ بِتَرْكِ آخَرَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي . وَالْكَلِمَةُ إِذَا احْتَمَلَتْ وُجُوهًا ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ صَرْفُ مَعْنَاهَا إِلَى بَعْضِ وُجُوهِهَا دُونَ بَعْضٍ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، مَا رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ تَأْوِيلِهِمَا قَوْلَهُ : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى : أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى . وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ مُسْتَبْدِلٌ بِالْإِيمَانِ كُفْرًا ، بِاكْتِسَابِهِ الْكُفْرَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ ، بَدَلًا مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ . أَوَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ فِيمَنِ اكْتَسَبَ كُفْرًا بِهِ مَكَانَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 108 ] وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الشِّرَاءِ ، لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرٍ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَسْتَبْدِلُ مَكَانَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنَ الْبَدَلِ آخَرَ بَدِيلًا مِنْهُ . فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ ، اسْتَبْدَلَا بِالْهُدَى الضَّلَالَةَ وَالنِّفَاقَ ، فَأَضَلَّهُمَا اللَّهُ ، وَسَلَبَهُمَا نُورَ الْهُدَى ، فَتَرَكَ جَمِيعَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ - بِشِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى - خَسِرُوا وَلَمْ يَرْبَحُوا ، لِأَنَّ الرَّابِحَ مِنَ التُّجَّارِ الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ سِلْعَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ عَلَيْهِ [1/316]بَدَلًا هُوَ أَنْفَسُ مِنْ سِلْعَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ ثَمَنِهَا الَّذِي يَبْتَاعُهَا بِهِ . فَأَمَّا الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ سِلْعَتِهِ بَدَلًا دُونَهَا وَدُونَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ، فَهُوَ الْخَاسِرُ فِي تِجَارَتِهِ لَا شَكَّ . فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ ، لِأَنَّهُمَا اخْتَارَا الْحَيْرَةَ وَالْعَمَى عَلَى الرَّشَادِ وَالْهُدَى ، وَالْخَوْفَ وَالرُّعْبَ عَلَى الْحِفْظِ وَالْأَمْنِ ، وَاسْتَبْدَلَا فِي الْعَاجِلِ : بِالرَّشَادِ الْحَيْرَةَ ، وَبِالْهُدَى الضَّلَالَةَ ، وَبِالْحِفْظِ الْخَوْفَ ، وَبِالْأَمْنِ الرُّعْبَ - مَعَ مَا قَدْ أَعَدَّ لَهُمَا فِي الْآجِلِ مِنَ أَلِيمِ الْعِقَابِ وَشَدِيدِ الْعَذَابِ ، فَخَابَا وَخَسِرَا ، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ .
385 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [1/317]: قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ؟ وَهَلِ التِّجَارَةُ مِمَّا تَرْبَحُ أَوْ تُوكِسُ ، فَيُقَالُ : رَبِحَتْ أَوْ وُضِعَتْ ؟
قِيلَ : إِنَّ وَجْهَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا ظَنَنْتَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ - لَا فِيمَا اشْتَرَوْا ، وَلَا فِيمَا شَرَوْا . وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِكِتَابِهِ عَرَبًا فَسَلَكَ فِي خِطَابِهِ إِيَّاهُمْ وَبَيَانِهِ لَهُمْ مَسْلَكَ خِطَابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَبَيَانِهِمُ الْمُسْتَعْمَلِ بَيْنَهُمْ . فَلَمَّا كَانَ فَصِيحًا لَدَيْهِمْ قَوْلُ الْقَائِلِ لِآخَرَ : خَابَ سَعْيُكَ ، وَنَامَ لَيْلُكَ ، وَخَسِرَ بَيْعُكَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى سَامِعِهِ مَا يُرِيدُ قَائِلُهُ - خَاطَبَهُمْ بِالَّذِي هُوَ فِي مَنْطِقِهِمْ مِنَ الْكَلَامِ ، فَقَالَ : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ إِذْ كَانَ مَعْقُولًا عِنْدَهُمْ أَنَّ الرِّبْحَ إِنَّمَا هُوَ فِي التِّجَارَةِ ، كَمَا النَّوْمُ فِي اللَّيْلِ . فَاكْتَفَى بِفَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَعْنَى ذَلِكَ ، عَنْ أَنْ يُقَالَ : فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَشَرُّ الْمَنَايَا مَيِّتٌ وَسْطَ أَهْلِهِ كَهُلْكِ الْفَتَاةِ أَسْلَمَ الْحَيَّ حَاضِرُهْ
يَعْنِي بِذَلِكَ : وَشَرُّ الْمَنَايَا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ وَسْطَ أَهْلِهِ ، فَاكْتَفَى بِفَهْمِ سَامِعِ قِيلِهِ مُرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ ، عَنْ إِظْهَارِ مَا تَرَكَ إِظْهَارَهُ ، وَكَمَا قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ :
حَارِثُ! قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى غَمِّي
فَوَصَفَ بِالنَّوْمِ اللَّيْلَ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَامَ ، وَكَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى :
وَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ فَأَعْمَى ، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ
فَأَضَافَ الْعَمَى وَالْإِبْصَارَ إِلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَمُرَادُهُ وَصْفُ النَّبْهَانِيِّ بِذَلِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 )
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ : مَا كَانُوا رُشَدَاءَ فِي اخْتِيَارِهِمُ الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى ، وَاسْتِبْدَالِهِمُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ، وَاشْتِرَائِهِمُ النِّفَاقَ بِالتَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ .