النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ( 13 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ يَعْنِي : وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ وَنَعَتَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ : صَدِّقُوا بِمُحَمَّدٍ (نبي)وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كَمَا صَدَّقَ بِهِ النَّاسُ . وَيَعْنِي بِ " النَّاسِ " الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ (نبي)وَنُبُوَّتِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . كَمَا :
343 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ، يَقُولُ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ صَدِّقُوا كَمَا صَدَّقَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ، قُولُوا : إِنَّهُ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ ، وَإِنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَصَدِّقُوا بِالْآخِرَةِ ، وَأَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ .
وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي " النَّاسِ " وَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ لَا جَمِيعُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ عِنْدَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ بِأَعْيَانِهِمْ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ الَّذِينَ تُعْرِفُونَهُمْ مَنْ أَهْلِ الْيَقِينِ وَالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ . فَلِذَلِكَ أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ ، كَمَا أُدْخِلَتَا فِي قَوْلِهِ : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [1/293][ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 173 ] ، لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِدُخُولِهَا إِلَى نَاسٍ مَعْرُوفِينَ عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالسُّفَهَاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ ، كَمَا الْعُلَمَاءُ جَمْعُ عَلِيمٍ ، وَالْحُكَمَاءُ جَمْعُ حَكِيمٍ . وَالسَّفِيهُ : الْجَاهِلُ ، الضَّعِيفُ الرَّأْيِ ، الْقَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاضِعِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ . وَلِذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ سُفَهَاءَ ، فَقَالَ تَعَالَى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 5 ] ، فَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ، لِضَعْفِ آرَائِهِمْ ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَوَاضِعِ الْمَصَالِحِ وَالْمَضَارِّ الَّتِي تُصْرَفُ إِلَيْهَا الْأَمْوَالُ .
وَإِنَّمَا عَنَى الْمُنَافِقُونَ بِقِيلِهِمْ : أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ - إِذْ دُعُوا إِلَى التَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَالْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ فَقِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا كَمَا آمَنَ [ النَّاسُ ] - أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ (نبي)وَأَتْبَاعُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِهِ ، مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ ، وَالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ ، وَبِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي كِتَابِهِ ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ . فَقَالُوا إِجَابَةً لِقَائِلِ ذَلِكَ لَهُمْ : أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ أَهْلُ الْجَهْلِ ، وَنُصَدِّقُ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَدَّقَ بِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا عُقُولَ لَهُمْ وَلَا أَفْهَامَ ؟ كَالَّذِي :
344 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ [1/294]عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ، يَعْنُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
345 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ يَعْنُونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
346 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : " قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ " قَالَ : هَذَا قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ ، يُرِيدُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
347 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ يَقُولُونَ : أَنَقُولُ كَمَا تَقُولُ السُّفَهَاءُ ؟ يَعْنُونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِخِلَافِهِمْ لِدِينِهِمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ نَعْتُهُ لَهُمْ ، وَوَصْفُهُ إِيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ - أَنَّهُمْ هُمُ الْجُهَّالُ فِي أَدْيَانِهِمْ ، [1/295]الضُّعَفَاءُ الْآرَاءِ فِي اعْتِقَادَاتِهِمْ وَاخْتِيَارَاتِهِمُ الَّتِي اخْتَارُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ ، مِنَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ وَأَمْرِ نُبُوَّتِهِ ، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَمْرِ الْبَعْثِ ، لِإِسَاءَتِهِمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا يُحْسِنُونَ . وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ السَّفَهِ ، لِأَنَّ السَّفِيهَ إِنَّمَا يُفْسِدُ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُصْلِحُ ، وَيُضَيِّعُ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يَحْفَظُ ، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ : يَعْصِي رَبَّهُ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُطِيعُهُ ، وَيَكْفُرُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ ، وَيُسِيءُ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ إِلَيْهَا ، كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ ، فَقَالَ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ، وَقَالَ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ - دُونَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ ، وَبِرَسُولِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ - وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ . وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ .
348 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ، يَقُولُ : الْجُهَّالُ ، وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ، يَقُولُ : وَلَكِنْ لَا يَعْقِلُونَ .
وَأَمَّا وَجْهُ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي " السُّفَهَاءِ " فَشَبِيهٌ بِوَجْهِ دُخُولِهِمَا فِي " النَّاسِ " فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّةَ فِي دُخُولِهِمَا هُنَالِكَ ، وَالْعِلَّةُ فِي دُخُولِهِمَا فِي " السُّفَهَاءِ " نَظِيرَتُهَا فِي دُخُولِهِمَا فِي " النَّاسِ " هُنَالِكَ ، سَوَاءٌ .
وَالدَّلَالَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ خَطَأِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا الْمُعَانِدُ رَبَّهُ ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِصِحَّةِ مَا عَانَدَهُ فِيهِ - نَظِيرُ دَلَالَةِ الْآيَاتِ الْأُخَرِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا تَأْوِيلَهَا فِي قَوْلِهِ " وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ " وَنَظَائِرُ ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ يَعْنِي : وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ وَنَعَتَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ : صَدِّقُوا بِمُحَمَّدٍ (نبي)وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كَمَا صَدَّقَ بِهِ النَّاسُ . وَيَعْنِي بِ " النَّاسِ " الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ (نبي)وَنُبُوَّتِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . كَمَا :
343 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ، يَقُولُ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ صَدِّقُوا كَمَا صَدَّقَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ، قُولُوا : إِنَّهُ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ ، وَإِنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَصَدِّقُوا بِالْآخِرَةِ ، وَأَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ .
وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي " النَّاسِ " وَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ لَا جَمِيعُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ عِنْدَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ بِأَعْيَانِهِمْ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ الَّذِينَ تُعْرِفُونَهُمْ مَنْ أَهْلِ الْيَقِينِ وَالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ . فَلِذَلِكَ أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ ، كَمَا أُدْخِلَتَا فِي قَوْلِهِ : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [1/293][ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 173 ] ، لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِدُخُولِهَا إِلَى نَاسٍ مَعْرُوفِينَ عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالسُّفَهَاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ ، كَمَا الْعُلَمَاءُ جَمْعُ عَلِيمٍ ، وَالْحُكَمَاءُ جَمْعُ حَكِيمٍ . وَالسَّفِيهُ : الْجَاهِلُ ، الضَّعِيفُ الرَّأْيِ ، الْقَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاضِعِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ . وَلِذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ سُفَهَاءَ ، فَقَالَ تَعَالَى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 5 ] ، فَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ، لِضَعْفِ آرَائِهِمْ ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَوَاضِعِ الْمَصَالِحِ وَالْمَضَارِّ الَّتِي تُصْرَفُ إِلَيْهَا الْأَمْوَالُ .
وَإِنَّمَا عَنَى الْمُنَافِقُونَ بِقِيلِهِمْ : أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ - إِذْ دُعُوا إِلَى التَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَالْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ فَقِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا كَمَا آمَنَ [ النَّاسُ ] - أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ (نبي)وَأَتْبَاعُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِهِ ، مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ ، وَالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ ، وَبِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي كِتَابِهِ ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ . فَقَالُوا إِجَابَةً لِقَائِلِ ذَلِكَ لَهُمْ : أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ أَهْلُ الْجَهْلِ ، وَنُصَدِّقُ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَدَّقَ بِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا عُقُولَ لَهُمْ وَلَا أَفْهَامَ ؟ كَالَّذِي :
344 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ [1/294]عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ، يَعْنُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
345 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ يَعْنُونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
346 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : " قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ " قَالَ : هَذَا قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ ، يُرِيدُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
347 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ يَقُولُونَ : أَنَقُولُ كَمَا تَقُولُ السُّفَهَاءُ ؟ يَعْنُونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِخِلَافِهِمْ لِدِينِهِمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ نَعْتُهُ لَهُمْ ، وَوَصْفُهُ إِيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ - أَنَّهُمْ هُمُ الْجُهَّالُ فِي أَدْيَانِهِمْ ، [1/295]الضُّعَفَاءُ الْآرَاءِ فِي اعْتِقَادَاتِهِمْ وَاخْتِيَارَاتِهِمُ الَّتِي اخْتَارُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ ، مِنَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ وَأَمْرِ نُبُوَّتِهِ ، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَمْرِ الْبَعْثِ ، لِإِسَاءَتِهِمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا يُحْسِنُونَ . وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ السَّفَهِ ، لِأَنَّ السَّفِيهَ إِنَّمَا يُفْسِدُ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُصْلِحُ ، وَيُضَيِّعُ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يَحْفَظُ ، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ : يَعْصِي رَبَّهُ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُطِيعُهُ ، وَيَكْفُرُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ ، وَيُسِيءُ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ إِلَيْهَا ، كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ ، فَقَالَ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ، وَقَالَ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ - دُونَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ ، وَبِرَسُولِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ - وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ . وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ .
348 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ، يَقُولُ : الْجُهَّالُ ، وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ، يَقُولُ : وَلَكِنْ لَا يَعْقِلُونَ .
وَأَمَّا وَجْهُ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي " السُّفَهَاءِ " فَشَبِيهٌ بِوَجْهِ دُخُولِهِمَا فِي " النَّاسِ " فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّةَ فِي دُخُولِهِمَا هُنَالِكَ ، وَالْعِلَّةُ فِي دُخُولِهِمَا فِي " السُّفَهَاءِ " نَظِيرَتُهَا فِي دُخُولِهِمَا فِي " النَّاسِ " هُنَالِكَ ، سَوَاءٌ .
وَالدَّلَالَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ خَطَأِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا الْمُعَانِدُ رَبَّهُ ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِصِحَّةِ مَا عَانَدَهُ فِيهِ - نَظِيرُ دَلَالَةِ الْآيَاتِ الْأُخَرِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا تَأْوِيلَهَا فِي قَوْلِهِ " وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ " وَنَظَائِرُ ذَلِكَ .