تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ "

ج 1
ص 247

الآية المفسَّرة

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 1 · ص 247

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ( 5 )
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ " : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الصِّفَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ ، أَعْنِي : الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ مِنَ الْعَرَبِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ . وَإِيَّاهُمْ جَمِيعًا وَصَفَ بِأَنَّهُمْ عَلَى هُدًى مِنْهُ ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ :
292 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مَرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَمَّا " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " ، فَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْعَرَبِ ، " وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ " ، الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . ثُمَّ جَمَعَ الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ : " أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وَهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ [1/248]بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ (نبي)، وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ ، وَهُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، وَكَانُوا مُؤْمِنِينَ مِنْ قَبْلُ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكُتُبِ .
وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْآخَرِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ فِي مَحَلِّ خَفْضٍ ، وَمَحَلِّ رَفْعٍ .
فَأَمَّا الرَّفْعُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَأْتِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مِنْ قِبَلِ الْعَطْفِ عَلَى مَا فِي " يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " مِنْ ذِكْرِ " الَّذِينَ " ، وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ ، أَوْ يَكُونَ " أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ " ، مُرَافِعُهَا .
وَأَمَّا الْخَفْضُ فَعَلَى الْعَطْفِ عَلَى " الْمُتَّقِينَ " ، وَإِذَا كَانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى " الَّذِينَ " اتَّجَهَ لَهَا وَجْهَانِ مِنَ الْمَعْنَى : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ هِيَ وَ " الَّذِينَ " الْأُولَى ، مِنْ صِفَةِ الْمُتَّقِينَ . وَذَلِكَ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ رَأَى أَنَّ الْآيَاتِ الْأَرْبَعَ بَعْدَ " الم " ، نَزَلَتْ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ أَصْنَافِ الْمُؤْمِنِينَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ " الَّذِينَ " الثَّانِيَةُ مَعْطُوفَةً فِي الْإِعْرَابِ عَلَى " الْمُتَّقِينَ " بِمَعْنَى الْخَفْضِ ، وَهُمْ فِي الْمَعْنَى صِنْفٌ غَيْرُ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ . وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى أَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الْآيَتَانِ الْأُولَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ " الم " ، غَيْرُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الْآيَتَانِ الْآخِرَتَانِ اللَّتَانِ تَلِيَانِ الْأُولَتَيْنِ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " الَّذِينَ " الثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةً فِي هَذَا الْوَجْهِ بِمَعْنَى الِائْتِنَافِ ، إِذْ كَانَتْ مُبْتَدَأً بِهَا بَعْدَ تَمَامِ آيَةٍ وَانْقِضَاءِ قِصَّةٍ . وَقَدْ يَجُوزُ الرَّفْعُ فِيهَا أَيْضًا بِنْيَةِ الِائْتِنَافِ ، إِذْ كَانَتْ فِي مُبْتَدَأِ آيَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ صِفَةِ الْمُتَّقِينَ .
فَالرَّفْعُ إِذًا يَصِحُّ فِيهَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ، وَالْخَفْضُ مِنْ وَجْهَيْنِ .
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ عِنْدِي بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ مَا ذَكَرْتُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنْ تَكُونَ " أُولَئِكَ " إِشَارَةً إِلَى الْفَرِيقَيْنِ ، أَعْنِي : [1/249]الْمُتَّقِينَ ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، وَتَكُونُ " أُولَئِكَ " مَرْفُوعَةً بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ " عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ " ; وَأَنْ تَكُونَ " الَّذِينَ " الثَّانِيَةُ مَعْطُوفَةً عَلَى مَا قَبْلُ مِنَ الْكَلَامِ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَاهُ .
وَإِنَّمَا رَأَيْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَعَتَ الْفَرِيقَيْنِ بِنَعْتِهِمُ الْمَحْمُودِ ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِمْ . فَلَمْ يَكُنْ عَزَّ وَجَلَّ لِيَخُصَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ بِالثَّنَاءِ ، مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِيمَا اسْتَحَقَّا بِهِ الثَّنَاءَ مِنَ الصِّفَاتِ . كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ فِي عَدْلِهِ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِيمَا يَسْتَحِقَّانِ بِهِ الْجَزَاءَ مِنَ الْأَعْمَالِ ، فَيَخُصُّ أَحَدَهُمَا بِالْجَزَاءِ دُونَ الْآخَرِ ، وَيَحْرِمُ الْآخَرَ جَزَاءَ عَمَلِهِ . فَكَذَلِكَ سَبِيلُ الثَّنَاءِ بِالْأَعْمَالِ ، لِأَنَّ الثَّنَاءَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْجَزَاءِ .
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُمْ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ وَبُرْهَانٍ وَاسْتِقَامَةٍ وَسَدَادٍ ، بِتَسْدِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، وَتَوْفِيقِهِ لَهُمْ . كَمَا : -
293 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، [1/250]عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، " أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ " : أَيْ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَاسْتِقَامَةٍ عَلَى مَا جَاءَهُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 )
وَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " أَيْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُنْجِحُونَ الْمُدْرِكُونَ مَا طَلَبُوا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَعْمَالِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، مِنَ الْفَوْزِ بِالثَّوَابِ ، وَالْخُلُودِ فِي الْجِنَانِ ، وَالنَّجَاةِ مِمَّا أَعَدَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْعِقَابِ . كَمَا : -
294 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَيِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا ، وَنَجَوْا مِنْ شَرِّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا .
وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ مَعَانِي الْفَلَاحِ ، إِدْرَاكُ الطَّلِبَةِ وَالظَّفَرُ بِالْحَاجَةِ ، قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ :
اعْقِلِي ، إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي ، وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ
يَعْنِي ظَفِرَ بِحَاجَتِهِ وَأَصَابَ خَيْرًا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ :
عَدِمْتُ أُمًّا وَلَدَتْ رِيَاحا جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا تَحْسَبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا! أَشْهَدُ لَا يَزِيدُهَا فَلَاحَا
يَعْنِي : خَيْرًا وَقُرْبًا مِنْ حَاجَتِهَا . وَالْفَلَاحُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ : أَفْلَحَ فُلَانٌ يُفْلِحُ إِفْلَاحًا وَفَلَاحًا وَفَلَحًا . وَالْفَلَاحُ أَيْضًا : الْبَقَاءُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ :
نَحُلُّ بِلَادًا ، كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا وَنَرْجُو الْفَلَاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ
يُرِيدُ الْبَقَاءَ ، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ عُبَيْدٍ :
أَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّ عْفِ ، وَقَدْ يُخْدَعُ الْأَرِيبُ
يُرِيدُ : عِشْ وَابْقَ بِمَا شِئْتَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ :
وَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ وَإِنْ أَثْرَى ، وَإِنْ لَاقَى فَلَاحَا
أَيْ نَجَاحًا بِحَاجَتِهِ وَبَقَاءً .