النص
[1/225]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ذَلِكَ الْكِتَابُ ( 2 ) .
قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ : تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ الْكِتَابُ : هَذَا الْكِتَابُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
247 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " ذَلِكَ الْكِتَابُ " قَالَ : هُوَ هَذَا الْكِتَابُ .
248 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا خَالِدُ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : " ذَلِكَ الْكِتَابُ " : هَذَا الْكِتَابُ .
249 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " قَالَ : هَذَا الْكِتَابُ .
250 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ . قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : " ذَلِكَ الْكِتَابُ " : هَذَا الْكِتَابُ . قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " ذَلِكَ الْكِتَابُ " : هَذَا الْكِتَابُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ " ذَلِكَ " بِمَعْنَى " هَذَا " ؟ وَ " هَذَا " لَا شَكَّ إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مُعَايَنٍ ، وَ " ذَلِكَ " إِشَارَةٌ إِلَى غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ وَلَا مُعَايَنٍ ؟ [1/226]
قِيلَ : جَازَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا تَقَضَّى ، بِقُرْبِ تَقَضِّيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ ، فَهُوَ - وَإِنْ صَارَ بِمَعْنَى غَيْرِ الْحَاضِرِ - فَكَالْحَاضِرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ . وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ الْحَدِيثَ فَيَقُولُ السَّامِعُ : " إِنَّ ذَلِكَ وَاللَّهِ لَكُمَا قُلْتَ " ، وَ " هَذَا وَاللَّهِ كَمَا قُلْتَ " ، وَ " هُوَ وَاللَّهِ كَمَا ذَكَرْتَ " ، فَيُخْبِرُ عَنْهُ مَرَّةً بِمَعْنَى الْغَائِبَ ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَضَّى وَمَضَى ، وَمَرَّةً بِمَعْنَى الْحَاضِرِ ، لِقُرْبِ جَوَابِهِ مِنْ كَلَامِ مُخْبِرِهِ ، كَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْقَضٍ . فَكَذَلِكَ " ذَلِكَ " فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ لَمَّا قَدَّمَ قَبْلَ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " " الم " ، الَّتِي ذَكَرْنَا تَصَرُّفَهَا فِي وُجُوهِهَا مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَا وَصَفْنَا ، قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ لَكَ ، الْكِتَابُ . وَلِذَلِكَ حَسُنَ وَضْعُ " ذَلِكَ " فِي مَكَانِ " هَذَا " ، لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إِلَى الْخَبَرِ عَمَّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ " الم " مِنَ الْمَعَانِي ، بَعْدَ تَقَضِّي الْخَبَرِ عَنْهُ بِ " الم " ، فَصَارَ لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مَنْ تَقَضِّيهِ ، كَالْحَاضِرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ ، فَأَخْبَرَ بِهِ بِ " ذَلِكَ " لِانْقِضَائِهِ ، وَمَصِيرُ الْخَبَرِ عَنْهُ كَالْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَتَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ : أَنَّهُ بِمَعْنَى " هَذَا " ، لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مِنِ انْقِضَائِهِ ، فَكَانَ كَالْمُشَاهَدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِ " هَذَا " ، نَحْوَ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الْكَلَامِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ سُورَةُ ص : 48 ، 49 فَهَذَا مَا فِي " ذَلِكَ " إِذَا عَنَى بِهَا " هَذَا " .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ السُّوَرُ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَكَّةَ (مكان)وَالْمَدِينَةِ (مكان)، فَكَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)اعْلَمْ أَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ سُوَرُ الْكِتَابِ الَّتِي قَدْ أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكَ ، هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ . ثُمَّ تَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّ مَعْنَى " ذَلِكَ " " هَذَا الْكِتَابُ " ، [1/227]إِذْ كَانَتْ تِلْكَ السُّوَرُ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، مِنْ جُمْلَةِ جَمِيعِ كِتَابِنَا هَذَا ، الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَكَانَ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِمَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِي قَوْلِهِمُ الَّذِي قَالُوهُ فِي " ذَلِكَ " .
وَقَدْ وَجَّهَ مَعْنَى " ذَلِكَ " بَعْضُهُمْ ، إِلَى نَظِيرِ مَعْنَى بَيْتِ خُفَافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَّمِيِّ :
فَإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا فَعَمْدًا عَلَى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا أَقُولُ لَهُ ، وَالرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ : تَأَمَّلْ خُفَافًا ، إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا
كَأَنَّهُ أَرَادَ : تَأَمَّلْنِي أَنَا ذَلِكَ . فَزَعَمَ أَنَّ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " بِمَعْنَى " هَذَا " ، نَظِيرُهُ . أَظْهَرُ خِفَافٌ مِنِ اسْمِهِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَهُوَ مُخْبِرٌ عَنْ نَفْسِهِ . فَكَذَلِكَ أَظْهَرَ " ذَلِكَ " بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكِتَابِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَلِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : ( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، يَعْنِي بِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَإِذَا وُجِّهَ [1/228]تَأْوِيلُ " ذَلِكَ " إِلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَلَا مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَى مُتَأَوِّلِهِ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ " ذَلِكَ " يَكُونُ حِينَئِذٍ إِخْبَارًا عَنْ غَائِبٍ عَلَى صِحَّةٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : لا رَيْبَ فِيهِ .
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " لا رَيْبَ فِيهِ " " لَا شَكَّ فِيهِ " . كَمَا : -
251 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : لا رَيْبَ فِيهِ قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ .
252 - حَدَّثَنِي سَلَّامُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ يَاسِينَ الْكُوفِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، " لا رَيْبَ فِيهِ " : قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ .
253 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، لَا شَكَّ فِيهِ .
254 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، لَا شَكَّ فِيهِ .
255 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، [1/229]عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ .
256 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، يَقُولُ : لَا شَكَّ فِيهِ .
257 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ ، عَنْ قَتَادَةَ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، يَقُولُ : لَا شَكَّ فِيهِ .
258 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : قَوْلُهُ " لا رَيْبَ فِيهِ " ، يَقُولُ : لَا شَكَّ فِيهِ .
وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : رَابَنِي الشَّيْءُ يَرِيبُنِي رَيْبًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ الْهُذَلِيِّ :
فَقَالُوا : تَرَكْنَا الْحَيَّ قَدْ حَصِرُوا بِهِ ، فَلَا رَيْبَ أَنْ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ
وَيُرْوَى : " حَصَرُوا " وَ " حَصِرُوا " وَالْفَتْحُ أَكْثَرُ ، وَالْكَسْرُ جَائِزٌ . يَعْنِي بِقَوْلِهِ " حَصَرُوا بِهِ " : أَطَافُوا بِهِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ " لَا رَيْبَ " . لَا شَكَّ فِيهِ . وَبِقَوْلِهِ " أَنَّ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ " ، يَعْنِي قَتِيلًا يُقَالُ : قَدْ لُحِمَ ، إِذَا قُتِلَ .
وَالْهَاءُ الَّتِي فِي " فِيهِ " عَائِدَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( هُدًى )
259 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا [1/230]سُفْيَانُ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، " هُدًى " قَالَ : هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ .
260 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ، يَقُولُ : نُورٌ لِلْمُتَّقِينَ .
وَالْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ : هَدَيْتُ فُلَانًا الطَّرِيقَ - إِذَا أَرْشَدْتَهُ إِلَيْهِ ، وَدَلَلَتْهُ عَلَيْهِ ، وَبَيَّنْتَهُ لَهُ - أَهْدِيهِ هُدًى وَهِدَايَةً .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَ مَا كِتَابُ اللَّهِ نُورًا إِلَّا لِلْمُتَّقِينَ ، وَلَا رَشَادًا إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ : ذَلِكَ كَمَا وَصَفَهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ . وَلَوْ كَانَ نُورًا لِغَيْرِ الْمُتَّقِينَ ، وَرَشَادًا لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ ، لَمْ يَخْصُصِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُ لَهُمْ هُدًى ، بَلْ كَانَ يَعُمُّ بِهِ جَمِيعَ الْمُنْذَرِينَ . وَلَكِنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوَقْرٌ فِي آذَانِ الْمُكَذِّبِينَ ، وَعَمًى لِأَبْصَارِ الْجَاحِدِينَ ، وَحُجَّةٌ لِلَّهِ بَالِغَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ . فَالْمُؤْمِنُ بِهِ مُهْتَدٍ ، وَالْكَافِرُ بِهِ مَحْجُوجٌ .
وَقَوْلُهُ " هُدًى " يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا مِنَ الْمَعَانِي :
أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ نَصْبًا ، لِمَعْنَى الْقَطْعِ مِنَ الْكِتَابِ ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وَالْكِتَابُ مَعْرِفَةٌ . فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ حِينَئِذٍ : الم ذَلِكَ الْكِتَابُ هَادِيًا لِلْمُتَّقِينَ . وَ " ذَلِكَ " مَرْفُوعٌ بِ " الم " ، وَ " الم " بِهِ ، وَالْكِتَابُ نَعَتٌ لِ " ذَلِكَ " .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا ، عَلَى الْقَطْعِ مِنْ رَاجِعِ ذِكْرِ الْكِتَابِ الَّذِي فِي [1/231]" فِيهِ " ، فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ : الم الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ هَادِيًا .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا نَصْبًا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، أَعْنِي عَلَى وَجْهَ الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي " فِيهِ " ، وَمِنْ " الْكِتَابِ " ، عَلَى أَنْ " الم " كَلَامٌ تَامٌّ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَاهُ : أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ يَكُونُ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا ، فَيُرْفَعُ حِينَئِذٍ " الْكِتَابُ " بِ " ذَلِكَ " ، وَ " ذَلِكَ " بِ " الْكِتَابُ " ، وَيَكُونُ " هُدًى " قَطْعًا مِنْ " الْكِتَابِ " ، وَعَلَى أَنْ يُرْفَعَ " ذَلِكَ " بِالْهَاءِ الْعَائِدَةِ عَلَيْهِ الَّتِي فِي " فِيهِ " ، وَ " الْكِتَابُ " نَعْتٌ لَهُ; وَالْهُدَى قَطْعٌ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي " فِيهِ " . وَإِنْ جُعِلَ الْهُدَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " إِلَّا خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا ، وَ " الم " كَلَامًا تَامًّا مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ ، إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَنْ يُرْفَعَ حِينَئِذٍ " هُدًى " بِمَعْنَى الْمَدْحِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ سُورَةُ لُقْمَانَ : 1 - 3 فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " رَحْمَةٌ " . بِالرَّفْعِ ، عَلَى الْمَدْحِ لِلْآيَاتِ .
وَالرَّفْعُ فِي " هُدًى " حِينَئِذٍ يَجُوزُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مَدْحٌ مُسْتَأْنَفٌ . وَالْآخَرُ : عَلَى أَنْ يُجْعَلَ مُرَافِعَ " ذَلِكَ " ، وَ " الْكِتَابُ " نَعْتٌ " لِذَلِكَ " . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُجْعَلَ تَابِعًا لِمَوْضِعِ " لا رَيْبَ فِيهِ " ، وَيَكُونُ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ فِي " فِيهِ " . فَيَكُونُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 92 .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ، أَنَّ " الم " مُرَافِعُ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " بِمَعْنَى : هَذِهِ الْحُرُوفُ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ ، ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ أَنْ أُوحِيهِ إِلَيْكَ . ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَسْرَعَ نَقْضَهُ ، وَهَدَمَ مَا بَنَى فَأَسْرَعَ هَدْمَهُ ، فَزَعَمَ أَنَّ الرَّفْعَ فِي " هُدًى " مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَالنَّصْبَ مِنْ وَجْهَيْنِ . وَأَنَّ أَحَدَ وَجْهَيِ الرَّفْعِ : أَنْ يَكُونَ " الْكِتَابُ " نَعْتًا لِ " ذَلِكَ " وَ " الْهُدَى " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرٌ لِ " ذَلِكَ " . [1/232]كَأَنَّكَ قُلْتَ : ذَلِكَ هُدًى لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ : وَإِنْ جَعَلْتَ " لا رَيْبَ فِيهِ " خَبَّرَهُ ، رَفَعْتَ أَيْضًا " هُدًى " ، بِجَعْلِهِ تَابِعًا لِمَوْضِعِ " لا رَيْبَ فِيهِ " ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَهَذَا كِتَابٌ هُدًى مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : وَأَمَّا أَحَدُ وَجْهَيِ النَّصْبِ فَأَنْ تَجْعَلَ الْكِتَابَ خَبَرًا لِ " ذَلِكَ " ، وَتَنْصِبَ " هُدًى " عَلَى الْقَطْعِ ، لِأَنَّ " هُدًى " نَكِرَةٌ اتَّصَلَتْ بِمَعْرِفَةٍ ، وَقَدْ تَمَّ خَبَرُهَا فَنَصَبْتَهَا لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَةٍ . وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ " هُدًى " عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي " فِيهِ " كَأَنَّكَ قُلْتَ : لَا شَكَّ فِيهِ هَادِيًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَرْكُ الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلَهُ فِي " الم " وَأَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ بِ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ . وَاللَّازِمُ كَانَ لَهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلَهُ ، أَنْ لَا يُجِيزَ الرَّفْعَ فِي " هُدًى " بِحَالٍ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ مِنْ قِبْلِ الِاسْتِئْنَافِ ، إِذْ كَانَ مَدْحًا . فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ " لِذَلِكَ " ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِتْبَاعِ لِمَوْضِعِ " لَا رَيْبَ فِيهِ " ، فَكَانَ اللَّازِمُ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً . وَذَلِكَ أَنْ " الم " إِذَا رَافَعَتْ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " ، فَلَا شَكَّ أَنْ " هُدًى " غَيْرُ جَائِزٍ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا " لِذَلِكَ " ، بِمَعْنَى الْمُرَافِعِ لَهُ ، أَوْ تَابِعًا لِمَوْضِعِ " لَا رَيْبَ فِيهِ " ، لِأَنَّ مَوْضِعَهُ حِينَئِذٍ نَصْبٌ ، لِتَمَامِ الْخَبَرِ قَبْلَهُ ، وَانْقِطَاعِهِ - بِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ - عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لِلْمُتَّقِينَ ( 2 )
261 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَوْلُهُ : " لِلْمُتَّقِينَ " قَالَ : اتَّقَوْا مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ، وَأَدَّوْا مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ . [1/233]
262 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لِلْمُتَّقِينَ " ، أَيِ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْهُدَى ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ .
263 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ، قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ .
264 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، قَالَ : سَأَلَنِي الْأَعْمَشُ عَنِ " الْمُتَّقِينَ " ، قَالَ : فَأَجَبْتُهُ ، فَقَالَ لِي : سُئِلَ عَنْهَا الْكَلْبَيُّ . فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى الْأَعْمَشِ ، فَقَالَ : نُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ . وَلَمْ يُنْكِرْهُ .
265 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ أَبُو حَفْصٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ : " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ، هُمْ مَنْ نَعَتَهُمْ وَوَصَفَهُمْ فَأَثْبَتَ صِفَتَهُمْ ، فَقَالَ : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ .
266 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لِلْمُتَّقِينَ " قَالَ : الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِي ، وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي .
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، تَأْوِيلُ مَنْ وَصَفَ الْقَوْمَ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي رُكُوبِ مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبِهِ ، فَتَجَنَّبُوا [1/234]مَعَاصِيَهُ ، وَاتَّقَوْهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ ، فَأَطَاعُوهُ بِأَدَائِهَا . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَهُمْ بِالتَّقْوَى ، فَلَمْ يَحْصُرْ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ عَلَى بَعْضِ مَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ مِنْهُمْ دُونَ بَعْضٍ . فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَحْصُرَ مَعْنَى ذَلِكَ ، عَلَى وَصْفِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دُونَ شَيْءٍ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْقَوْمِ - لَوْ كَانَ مَحْصُورًا عَلَى خَاصٍّ مِنْ مَعَانِي التَّقْوَى دُونَ الْعَامِّ مِنْهَا - لَمْ يَدَعِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيَانَ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ : إِمَّا فِي كِتَابِهِ ، وَإِمَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْلِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ وَصْفِهِمْ بِعُمُومِ التَّقْوَى .
فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ : الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَبَرِئُوا مِنَ النِّفَاقِ . لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ ، وَهُوَ فَاسِقٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ أَنَّ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ - عِنْدِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلُ - مَعْنَى النِّفَاقِ : رُكُوبُ الْفَوَاحِشِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَتَضْيِيعُ فَرَائِضِهِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِ . فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ كَانَتْ تُسَمِّي مَنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُنَافِقًا . فَيَكُونُ - وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي تَسْمِيَتِهِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ بِهَذَا الِاسْمِ - مُصِيبًا تَأْوِيلَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " لِلْمُتَّقِينَ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ذَلِكَ الْكِتَابُ ( 2 ) .
قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ : تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ الْكِتَابُ : هَذَا الْكِتَابُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
247 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " ذَلِكَ الْكِتَابُ " قَالَ : هُوَ هَذَا الْكِتَابُ .
248 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا خَالِدُ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : " ذَلِكَ الْكِتَابُ " : هَذَا الْكِتَابُ .
249 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " قَالَ : هَذَا الْكِتَابُ .
250 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ . قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : " ذَلِكَ الْكِتَابُ " : هَذَا الْكِتَابُ . قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " ذَلِكَ الْكِتَابُ " : هَذَا الْكِتَابُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ " ذَلِكَ " بِمَعْنَى " هَذَا " ؟ وَ " هَذَا " لَا شَكَّ إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مُعَايَنٍ ، وَ " ذَلِكَ " إِشَارَةٌ إِلَى غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ وَلَا مُعَايَنٍ ؟ [1/226]
قِيلَ : جَازَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا تَقَضَّى ، بِقُرْبِ تَقَضِّيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ ، فَهُوَ - وَإِنْ صَارَ بِمَعْنَى غَيْرِ الْحَاضِرِ - فَكَالْحَاضِرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ . وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ الْحَدِيثَ فَيَقُولُ السَّامِعُ : " إِنَّ ذَلِكَ وَاللَّهِ لَكُمَا قُلْتَ " ، وَ " هَذَا وَاللَّهِ كَمَا قُلْتَ " ، وَ " هُوَ وَاللَّهِ كَمَا ذَكَرْتَ " ، فَيُخْبِرُ عَنْهُ مَرَّةً بِمَعْنَى الْغَائِبَ ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَضَّى وَمَضَى ، وَمَرَّةً بِمَعْنَى الْحَاضِرِ ، لِقُرْبِ جَوَابِهِ مِنْ كَلَامِ مُخْبِرِهِ ، كَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْقَضٍ . فَكَذَلِكَ " ذَلِكَ " فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ لَمَّا قَدَّمَ قَبْلَ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " " الم " ، الَّتِي ذَكَرْنَا تَصَرُّفَهَا فِي وُجُوهِهَا مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَا وَصَفْنَا ، قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ لَكَ ، الْكِتَابُ . وَلِذَلِكَ حَسُنَ وَضْعُ " ذَلِكَ " فِي مَكَانِ " هَذَا " ، لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إِلَى الْخَبَرِ عَمَّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ " الم " مِنَ الْمَعَانِي ، بَعْدَ تَقَضِّي الْخَبَرِ عَنْهُ بِ " الم " ، فَصَارَ لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مَنْ تَقَضِّيهِ ، كَالْحَاضِرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ ، فَأَخْبَرَ بِهِ بِ " ذَلِكَ " لِانْقِضَائِهِ ، وَمَصِيرُ الْخَبَرِ عَنْهُ كَالْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَتَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ : أَنَّهُ بِمَعْنَى " هَذَا " ، لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مِنِ انْقِضَائِهِ ، فَكَانَ كَالْمُشَاهَدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِ " هَذَا " ، نَحْوَ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الْكَلَامِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ سُورَةُ ص : 48 ، 49 فَهَذَا مَا فِي " ذَلِكَ " إِذَا عَنَى بِهَا " هَذَا " .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ السُّوَرُ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَكَّةَ (مكان)وَالْمَدِينَةِ (مكان)، فَكَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)اعْلَمْ أَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ سُوَرُ الْكِتَابِ الَّتِي قَدْ أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكَ ، هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ . ثُمَّ تَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّ مَعْنَى " ذَلِكَ " " هَذَا الْكِتَابُ " ، [1/227]إِذْ كَانَتْ تِلْكَ السُّوَرُ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، مِنْ جُمْلَةِ جَمِيعِ كِتَابِنَا هَذَا ، الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَكَانَ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِمَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِي قَوْلِهِمُ الَّذِي قَالُوهُ فِي " ذَلِكَ " .
وَقَدْ وَجَّهَ مَعْنَى " ذَلِكَ " بَعْضُهُمْ ، إِلَى نَظِيرِ مَعْنَى بَيْتِ خُفَافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَّمِيِّ :
فَإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا فَعَمْدًا عَلَى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا أَقُولُ لَهُ ، وَالرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ : تَأَمَّلْ خُفَافًا ، إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا
كَأَنَّهُ أَرَادَ : تَأَمَّلْنِي أَنَا ذَلِكَ . فَزَعَمَ أَنَّ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " بِمَعْنَى " هَذَا " ، نَظِيرُهُ . أَظْهَرُ خِفَافٌ مِنِ اسْمِهِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَهُوَ مُخْبِرٌ عَنْ نَفْسِهِ . فَكَذَلِكَ أَظْهَرَ " ذَلِكَ " بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكِتَابِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَلِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : ( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، يَعْنِي بِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَإِذَا وُجِّهَ [1/228]تَأْوِيلُ " ذَلِكَ " إِلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَلَا مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَى مُتَأَوِّلِهِ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ " ذَلِكَ " يَكُونُ حِينَئِذٍ إِخْبَارًا عَنْ غَائِبٍ عَلَى صِحَّةٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : لا رَيْبَ فِيهِ .
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " لا رَيْبَ فِيهِ " " لَا شَكَّ فِيهِ " . كَمَا : -
251 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : لا رَيْبَ فِيهِ قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ .
252 - حَدَّثَنِي سَلَّامُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ يَاسِينَ الْكُوفِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، " لا رَيْبَ فِيهِ " : قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ .
253 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، لَا شَكَّ فِيهِ .
254 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، لَا شَكَّ فِيهِ .
255 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، [1/229]عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ .
256 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، يَقُولُ : لَا شَكَّ فِيهِ .
257 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ ، عَنْ قَتَادَةَ : " لا رَيْبَ فِيهِ " ، يَقُولُ : لَا شَكَّ فِيهِ .
258 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : قَوْلُهُ " لا رَيْبَ فِيهِ " ، يَقُولُ : لَا شَكَّ فِيهِ .
وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : رَابَنِي الشَّيْءُ يَرِيبُنِي رَيْبًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ الْهُذَلِيِّ :
فَقَالُوا : تَرَكْنَا الْحَيَّ قَدْ حَصِرُوا بِهِ ، فَلَا رَيْبَ أَنْ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ
وَيُرْوَى : " حَصَرُوا " وَ " حَصِرُوا " وَالْفَتْحُ أَكْثَرُ ، وَالْكَسْرُ جَائِزٌ . يَعْنِي بِقَوْلِهِ " حَصَرُوا بِهِ " : أَطَافُوا بِهِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ " لَا رَيْبَ " . لَا شَكَّ فِيهِ . وَبِقَوْلِهِ " أَنَّ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ " ، يَعْنِي قَتِيلًا يُقَالُ : قَدْ لُحِمَ ، إِذَا قُتِلَ .
وَالْهَاءُ الَّتِي فِي " فِيهِ " عَائِدَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( هُدًى )
259 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا [1/230]سُفْيَانُ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، " هُدًى " قَالَ : هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ .
260 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ، يَقُولُ : نُورٌ لِلْمُتَّقِينَ .
وَالْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ : هَدَيْتُ فُلَانًا الطَّرِيقَ - إِذَا أَرْشَدْتَهُ إِلَيْهِ ، وَدَلَلَتْهُ عَلَيْهِ ، وَبَيَّنْتَهُ لَهُ - أَهْدِيهِ هُدًى وَهِدَايَةً .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَ مَا كِتَابُ اللَّهِ نُورًا إِلَّا لِلْمُتَّقِينَ ، وَلَا رَشَادًا إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ : ذَلِكَ كَمَا وَصَفَهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ . وَلَوْ كَانَ نُورًا لِغَيْرِ الْمُتَّقِينَ ، وَرَشَادًا لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ ، لَمْ يَخْصُصِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُ لَهُمْ هُدًى ، بَلْ كَانَ يَعُمُّ بِهِ جَمِيعَ الْمُنْذَرِينَ . وَلَكِنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوَقْرٌ فِي آذَانِ الْمُكَذِّبِينَ ، وَعَمًى لِأَبْصَارِ الْجَاحِدِينَ ، وَحُجَّةٌ لِلَّهِ بَالِغَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ . فَالْمُؤْمِنُ بِهِ مُهْتَدٍ ، وَالْكَافِرُ بِهِ مَحْجُوجٌ .
وَقَوْلُهُ " هُدًى " يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا مِنَ الْمَعَانِي :
أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ نَصْبًا ، لِمَعْنَى الْقَطْعِ مِنَ الْكِتَابِ ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وَالْكِتَابُ مَعْرِفَةٌ . فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ حِينَئِذٍ : الم ذَلِكَ الْكِتَابُ هَادِيًا لِلْمُتَّقِينَ . وَ " ذَلِكَ " مَرْفُوعٌ بِ " الم " ، وَ " الم " بِهِ ، وَالْكِتَابُ نَعَتٌ لِ " ذَلِكَ " .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا ، عَلَى الْقَطْعِ مِنْ رَاجِعِ ذِكْرِ الْكِتَابِ الَّذِي فِي [1/231]" فِيهِ " ، فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ : الم الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ هَادِيًا .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا نَصْبًا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، أَعْنِي عَلَى وَجْهَ الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي " فِيهِ " ، وَمِنْ " الْكِتَابِ " ، عَلَى أَنْ " الم " كَلَامٌ تَامٌّ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَاهُ : أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ يَكُونُ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا ، فَيُرْفَعُ حِينَئِذٍ " الْكِتَابُ " بِ " ذَلِكَ " ، وَ " ذَلِكَ " بِ " الْكِتَابُ " ، وَيَكُونُ " هُدًى " قَطْعًا مِنْ " الْكِتَابِ " ، وَعَلَى أَنْ يُرْفَعَ " ذَلِكَ " بِالْهَاءِ الْعَائِدَةِ عَلَيْهِ الَّتِي فِي " فِيهِ " ، وَ " الْكِتَابُ " نَعْتٌ لَهُ; وَالْهُدَى قَطْعٌ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي " فِيهِ " . وَإِنْ جُعِلَ الْهُدَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " إِلَّا خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا ، وَ " الم " كَلَامًا تَامًّا مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ ، إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَنْ يُرْفَعَ حِينَئِذٍ " هُدًى " بِمَعْنَى الْمَدْحِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ سُورَةُ لُقْمَانَ : 1 - 3 فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " رَحْمَةٌ " . بِالرَّفْعِ ، عَلَى الْمَدْحِ لِلْآيَاتِ .
وَالرَّفْعُ فِي " هُدًى " حِينَئِذٍ يَجُوزُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مَدْحٌ مُسْتَأْنَفٌ . وَالْآخَرُ : عَلَى أَنْ يُجْعَلَ مُرَافِعَ " ذَلِكَ " ، وَ " الْكِتَابُ " نَعْتٌ " لِذَلِكَ " . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُجْعَلَ تَابِعًا لِمَوْضِعِ " لا رَيْبَ فِيهِ " ، وَيَكُونُ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ فِي " فِيهِ " . فَيَكُونُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 92 .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ، أَنَّ " الم " مُرَافِعُ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " بِمَعْنَى : هَذِهِ الْحُرُوفُ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ ، ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ أَنْ أُوحِيهِ إِلَيْكَ . ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَسْرَعَ نَقْضَهُ ، وَهَدَمَ مَا بَنَى فَأَسْرَعَ هَدْمَهُ ، فَزَعَمَ أَنَّ الرَّفْعَ فِي " هُدًى " مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَالنَّصْبَ مِنْ وَجْهَيْنِ . وَأَنَّ أَحَدَ وَجْهَيِ الرَّفْعِ : أَنْ يَكُونَ " الْكِتَابُ " نَعْتًا لِ " ذَلِكَ " وَ " الْهُدَى " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرٌ لِ " ذَلِكَ " . [1/232]كَأَنَّكَ قُلْتَ : ذَلِكَ هُدًى لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ : وَإِنْ جَعَلْتَ " لا رَيْبَ فِيهِ " خَبَّرَهُ ، رَفَعْتَ أَيْضًا " هُدًى " ، بِجَعْلِهِ تَابِعًا لِمَوْضِعِ " لا رَيْبَ فِيهِ " ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَهَذَا كِتَابٌ هُدًى مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : وَأَمَّا أَحَدُ وَجْهَيِ النَّصْبِ فَأَنْ تَجْعَلَ الْكِتَابَ خَبَرًا لِ " ذَلِكَ " ، وَتَنْصِبَ " هُدًى " عَلَى الْقَطْعِ ، لِأَنَّ " هُدًى " نَكِرَةٌ اتَّصَلَتْ بِمَعْرِفَةٍ ، وَقَدْ تَمَّ خَبَرُهَا فَنَصَبْتَهَا لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَةٍ . وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ " هُدًى " عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي " فِيهِ " كَأَنَّكَ قُلْتَ : لَا شَكَّ فِيهِ هَادِيًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَرْكُ الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلَهُ فِي " الم " وَأَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ بِ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ . وَاللَّازِمُ كَانَ لَهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلَهُ ، أَنْ لَا يُجِيزَ الرَّفْعَ فِي " هُدًى " بِحَالٍ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ مِنْ قِبْلِ الِاسْتِئْنَافِ ، إِذْ كَانَ مَدْحًا . فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ " لِذَلِكَ " ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِتْبَاعِ لِمَوْضِعِ " لَا رَيْبَ فِيهِ " ، فَكَانَ اللَّازِمُ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً . وَذَلِكَ أَنْ " الم " إِذَا رَافَعَتْ " ذَلِكَ الْكِتَابُ " ، فَلَا شَكَّ أَنْ " هُدًى " غَيْرُ جَائِزٍ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا " لِذَلِكَ " ، بِمَعْنَى الْمُرَافِعِ لَهُ ، أَوْ تَابِعًا لِمَوْضِعِ " لَا رَيْبَ فِيهِ " ، لِأَنَّ مَوْضِعَهُ حِينَئِذٍ نَصْبٌ ، لِتَمَامِ الْخَبَرِ قَبْلَهُ ، وَانْقِطَاعِهِ - بِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ - عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لِلْمُتَّقِينَ ( 2 )
261 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَوْلُهُ : " لِلْمُتَّقِينَ " قَالَ : اتَّقَوْا مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ، وَأَدَّوْا مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ . [1/233]
262 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لِلْمُتَّقِينَ " ، أَيِ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْهُدَى ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ .
263 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ، قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ .
264 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، قَالَ : سَأَلَنِي الْأَعْمَشُ عَنِ " الْمُتَّقِينَ " ، قَالَ : فَأَجَبْتُهُ ، فَقَالَ لِي : سُئِلَ عَنْهَا الْكَلْبَيُّ . فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ . قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى الْأَعْمَشِ ، فَقَالَ : نُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ . وَلَمْ يُنْكِرْهُ .
265 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ أَبُو حَفْصٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ : " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ، هُمْ مَنْ نَعَتَهُمْ وَوَصَفَهُمْ فَأَثْبَتَ صِفَتَهُمْ ، فَقَالَ : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ .
266 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لِلْمُتَّقِينَ " قَالَ : الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِي ، وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي .
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، تَأْوِيلُ مَنْ وَصَفَ الْقَوْمَ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي رُكُوبِ مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبِهِ ، فَتَجَنَّبُوا [1/234]مَعَاصِيَهُ ، وَاتَّقَوْهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ ، فَأَطَاعُوهُ بِأَدَائِهَا . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَهُمْ بِالتَّقْوَى ، فَلَمْ يَحْصُرْ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ عَلَى بَعْضِ مَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ مِنْهُمْ دُونَ بَعْضٍ . فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَحْصُرَ مَعْنَى ذَلِكَ ، عَلَى وَصْفِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دُونَ شَيْءٍ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْقَوْمِ - لَوْ كَانَ مَحْصُورًا عَلَى خَاصٍّ مِنْ مَعَانِي التَّقْوَى دُونَ الْعَامِّ مِنْهَا - لَمْ يَدَعِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيَانَ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ : إِمَّا فِي كِتَابِهِ ، وَإِمَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْلِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ وَصْفِهِمْ بِعُمُومِ التَّقْوَى .
فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ : الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَبَرِئُوا مِنَ النِّفَاقِ . لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ ، وَهُوَ فَاسِقٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ أَنَّ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ - عِنْدِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلُ - مَعْنَى النِّفَاقِ : رُكُوبُ الْفَوَاحِشِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَتَضْيِيعُ فَرَائِضِهِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِ . فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ كَانَتْ تُسَمِّي مَنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُنَافِقًا . فَيَكُونُ - وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي تَسْمِيَتِهِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ بِهَذَا الِاسْمِ - مُصِيبًا تَأْوِيلَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " لِلْمُتَّقِينَ " .