فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

الْغَرِيبُ وَالْعَزِيزُ وَالْمَشْهُورُ

ج 3
ص 399

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 399

النص

وَلَهُ أَمْثِلَةٌ ( كَمَتْنِ ) ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) ، الَّذِي اعْتَنَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ ؛ مِنْهُمُ الطَّبَرَانِيُّ وَيُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ بِجَمْعِ طُرُقِهِ ، وَبَلَغَتْ عِدَّةُ مَنْ رَوَاهُ عِنْدَ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَتَبِعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ عِشْرِينَ ، بَلِ ارْتَقَتْ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْبَزَّارِ وَإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ لِأَرْبَعِينَ ، وَزَادَ عَلَيْهِمَا أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ صَاعِدٍ عَدَدًا قَلِيلًا .
وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ شَارِحِ ( الرِّسَالَةِ ) لِسِتِّينَ . ( فَـ ) ـارْتَقَتْ ( فَوْقَ سِتِّينَ ) صَحَابِيًّا بِاثْنَيْنِ ( رَوَوْهُ ) كَمَا عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُقَدِّمَةِ مَوْضُوعَاتِهِ ، وَلِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ طَرِيقٍ ، بِحَيْثُ زَادَتِ الطُّرُقُ عِنْدَهُ عَلَى التِّسْعِينَ . وَجَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ دِحْيَةَ .
وَقَدْ سَبَقَ ابْنَ الْجَوْزِيِّ لِزِيَادَةِ عَدِّ الصَّحَابَةِ عَلَى السِّتِّينَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ .
( وَالْعَجَبْ بِأَنَّ مِنْ رُوَاتِهِ الْعَشَرَة ) الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ . ( وَ ) أَنَّهُ ( خُصَّ بِالْأَمْرَيْنِ ) الْمَذْكُورَيْنِ ؛ وَهُمَا اجْتِمَاعُ أَزْيَدَ مِنْ سِتِّينَ صَحَابِيًّا عَلَى رِوَايَتِهِ ، وَكَوْنُ الْعَشَرَةِ مِنْهُمْ ، ( فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ) ابْنُ الصَّلَاحِ حِكَايَةً ( عَنْ بَعْضِهِمُ ) مِمَّنْ لَمْ يَسْمَه ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مُقَدِّمَةِ إِحْدَى النُّسْخَتَيْنِ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ ، الْأَوَّلُ مِنْ كَلَامِهِ نَفْسِهِ ، وَالثَّانِي نَقْلًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ [3/399]أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْإِسْفَرَائِنِيِّ .
وَكَذَا قَالَهُ الْحَاكِمُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُهُ الْبَيْهَقِيُّ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ .
بَلْ أَشَعَرَ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ بِاخْتِصَاصِهِ بِكَوْنِهِ مِثَالًا لِلْمُتَوَاتِرِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَمَنْ سُئِلَ عَنْ إِبْرَازِ مِثَالٍ لِذَلِكَ فِيمَا يُرْوَى مِنَ الْحَدِيثِ ، أَعْيَاهُ تَطَلُّبُهُ .
قَالَ : وَحَدِيثُ : ( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ بِسَبِيلٍ ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ وَزِيَادَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَرَأَ عَلَيْهِ فِي وَسَطِ إِسْنَادِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَوَائِلِهِ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ .
نَعَمْ ، حَدِيثُ : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ) نَرَاهُ مِثَالًا لِذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ نَقَلَهُ منِ الصَّحَابَةِ الْعَدَدُ الْجَمُّ .
وَوَافَقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى إِطْلَاقِ التَّوَاتُرِ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ نَازَعَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي اجْتِمَاعِ الْعَشَرَةِ عَلَى رِوَايَتِهِ ، وَبَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا فِي كَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ كَمَا قَدَّمْنَا اسْتِوَاءُ طَرَفَيْهِ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي الْكَثْرَةِ ، وَلَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِهِ بِمُفْرَدِهَا .
وَأُجِيبُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الطُّرُقَ عَنِ الْعَشَرَةِ مَوْجُودَةٌ فِي مُقَدِّمَةِ الْمَوْضُوعَاتِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ وَابْنِ عَوْفٍ فِي النُّسْخَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْهَا ، وَكَذَا مَوْجُودَةٌ عِنْدَ مَنْ بَعْدَهُ .
وَالثَّابِتُ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي مِنَ الصِّحَاحِ : عَلِيٌّ ، وَالزُّبَيْرُ . وَمِنَ [3/400]الْحِسَانِ : طَلْحَةُ ، وَسَعْدٌ ، وَسَعِيدٌ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ . وَمِنَ الضَّعِيفِ الْمُتَمَاسِكِ : طَرِيقُ عُثْمَانَ . وَبَقِيَّتُهَا : ضَعِيفٌ ، أَوْ سَاقِطٌ . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْجُمْلَةِ .
[3/401]وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِطْلَاقِ كَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا رِوَايَةُ الْمَجْمُوعِ عَنِ الْمَجْمُوعِ مِنَ ابْتِدَائِهِ إِلَى انْتِهَائِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ ، وَهَذَا كَافٍ فِي ذَلِكَ .
وَأَيْضًا فَطَرِيقُ أَنَسٍ وَحْدَهَا قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ .
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ عَنْهُ سِتَّةٌ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَثِقَاتِهِمْ .
وَكَذَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو .
فَلَوْ قِيلَ فِي كُلٍّ مِنْها : إِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ عَنْ صَاحِبَيْهِ ، لَكَانَ صَحِيحًا . وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَفِي بَعْضِ مَا جُمِعَ مِنْ طُرُقِهِ عَدَدُ التَّوَاتُرِ .
( قُلْتُ : بَلَى ) ، لَمْ يُخَصَّ هَذَا الْمَتْنُ بِالْأَمْرَيْنِ ، بَلْ ( مَسْحُ الْخِفَافِ ) قَدْ رَوَاهُ أَيْضًا - فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِهِ : ( الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ لِلْفَائِدَةِ ) - أَكْثَرُ مِنْ سِتِّينَ صَحَابِيًّا ، وَمِنْهُمُ الْعَشَرَةُ .
بَلْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَلَكِنْ فِي هَذَا مَقَالٌ . نَعَمْ ، جَمَعَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ رُوَاتَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَجَاوَزُوا الثَّمَانِينَ .
وَصَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُتَوَاتِرٌ . وَعِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْهُمْ : رَوَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُ أَرْبَعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَاسْتَفَاضَ وَتَوَاتَرَ .
[3/402]وَسَبَقَهُ أَحْمَدُ ؛ فَقَالَ : لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنَ الْمَسْحِ شَيْءٌ ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَفَعُوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا وَقَفُوا .
وَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ أَجْوَدِ الْأَحَادِيثِ فِي الْمَسْحِ ، فَقَالَ : حَدِيثُ شُرَيْحِ بْنِ هَانِي : سَأَلْتُ عَائِشَةَ . . . ، وَحَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، وَحَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ . قُلْتُ : وَحَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ؟ قَالَ : لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَوْقِيتٌ لِلْمُقِيمِ .
وَكَذَا الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، قِيلَ : إِنَّ رُوَاتَهُ زَادَتْ عَلَى سِتِّينَ .
[3/403]وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَعَدَمُهُ .
وَأَيْضًا فَأَبُو الْقَاسِمِ ( ابْنُ مَنْدَهٍ ) الْمَذْكُورُ بِالصَّرْفِ ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ ، ( إِلَى عَشْرَتِهِمْ ) بِإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيْ : الصَّحَابَةِ ، ( رَفْعَ ) بِالنَّصْبِ ( الْيَدَيْنِ نَسَبَا ) ، بَلْ خَصَّهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ فِيمَا سَمِعَهُ صَاحِبُهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْهُ ، فَقَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : لَا نَعْلَمُ سُنَّةً اتَّفَقَ عَلَى رِوَايَتِهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ الْعَشَرَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَكَابِرَ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَفَرُّقِهِمْ فِي الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ غَيْرَ هَذِهِ السُّنَّةِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهُوَ كَمَا قَالَ أُسْتَاذُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ فَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ عَنِ الْعَشَرَةِ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ( التَّمْهِيدِ ) : إِنَّهُ رَوَاهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا . وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَعَزَاهُ لِسَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا ، وَكَذَا السَّلَفِيُّ .
وَعِدَّتُهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ اثْنَانِ وَعِشْرُونُ .
وَتَتَبَّعَ الْمُصَنِّفُ مَنْ رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَبَلَغَ بِهِمْ نَحْوَ الْخَمْسِينَ .
وَوَصَفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِالتَّوَاتُرِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَكْثَرُهَا عَنِ الصَّحَابَةِ وُرُودًا ؛ وَلِذَا لَمَّا حَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ كَوْنَهُ يُرْوَى عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ قَالَ : وَقَدْ بَلَغَ بِهِمْ بَعْضُ أَهْلِ [3/404]الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ . قَالَ : ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عَدَدُ رُوَاتِهِ فِي ازْدِيَادٍ ، وَهَلُمَّ جَرًّا عَلَى التَّوَالِي وَالِاسْتِمْرَارِ .
قُلْتُ : قَدِ ارْتَقَتْ عِدَّتُهُمْ لَأَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا فِيمَا قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ مَنْدَهْ أَيْضًا .
وَخَرَّجَهَا بَعْضُ النَّيْسَابُورِيِّينَ بِزِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ عَلَى ذَلِكَ . وَبَلَغَ بِهِمِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كَمَا فِي النُّسْخَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ ، وَهِيَ بِخَطِّ وَلَدِهِ عَلِيٍّ نَقْلًا عَنْ خَطِّ أَبِيهِ ، ثَمَانِيَةً وَتِسْعِينَ .
وَأَمَّا أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فَقَالَ : إِنَّهُمْ نَحْوُ الْمِائَةِ . بَلْ ( وَنَيَّفُوا ) ؛ أَيْ : زَادُوا ، ( عَنْ مِائَةٍ ) مِنَ الصَّحَابَةِ بِاثْنَيْنِ ( مَنْ كَذَبَا ) ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِمَجْمُوعِ مَا عِنْدَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ النَّاظِمُ عَزَا الْعِدَّةَ الْمَذْكُورَةَ لِمُصَنَّفِ الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ يُوسُفَ بْنِ خَلِيلٍ الدِّمَشْقِيِّ ، وَهُوَ فِي جُزْأَيْنِ ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ شَيْخِنَا خِلَافُهُ ؛ حَيْثُ قَالَ : إِنَّ الْحَافِظَيْنِ يُوسُفَ بْنَ خَلِيلٍ ، وَأَبَا عَلِيٍّ الْبَكْرِيَّ - وَهُمَا مُتَعَاصِرَانِ - وَقَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي تَصْنِيفِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ ، بِحَيْثُ تُكُمِّلَتِ الْمِائَةُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا عِنْدَهُمْ .
وَأَعْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ : إِنَّهُ جَاءَ عَنْ مِائَتَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يَزَلْ فِي ازْدِيَادٍ .
وَاسْتَبْعَدَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ ، وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهَا فِي مُطْلَقِ الْكَذِبِ ؛ كَحَدِيثِ : ( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ ) وَنَحْوِهِ .
[3/405]وَلَكِنْ لَعَلَّهُ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ مِائَةٍ ، [ قلت : أو من ثمانين ، وهو أقرب قال ] ، وَفِيهَا الْمَقْبُولُ وَالْمَرْدُودُ .
وَبَيَانُ ذَلِكَ إِجْمَالًا أَنَّهُ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ مِنْهَا عَلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ مِنْهَا بِحَدِيثِ الزُّبَيْرِ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ .
وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ مِنْهَا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ .
وَصَحَّ أَيْضًا فِي غَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي قَتَادَةَ ، [3/406]وَجَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ .
وَوَرَدَ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَسَعْدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَطَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي قِرْصَافَةَ ، وَأَبِي مُوسَى الْغَافِقِيِّ ، وَعَائِشَةَ .
فَهَؤُلَاءِ أحِدٌ وَثَلَاثُونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ . وَوَرَدَ عَنْ نَحْوِ خَمْسِينَ غَيْرِهِمْ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ ؛ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ . وَعَنْ نَحْوِ عِشْرِينَ آخَرِينَ بِأَسَانِيدَ سَاقِطَةٍ .
[3/407]عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ نَازَعَ ابْنَ الصَّلَاحِ فِيمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُ مِنْ عِزَّةِ وُجُودِ مِثَالٍ لِلْمُتَوَاتِرِ ، فَضْلًا عَنْ دَعْوَى غَيْرِهِ الْعَدَمَ ، يَعْنِي كَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَازِمِيِّ . وَقَرَّرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَائِلِهِ نَشَأَ عَنْ قِلَّةِ اطِّلَاعٍ عَلَى كَثْرَةِ الطُّرُقِ وَأَحْوَالِ الرِّجَالِ وَصِفَاتِهِمِ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِبْعَادِ الْعَادَةِ أَنْ يَتَوَاطَؤوا عَلَى كَذِبٍ أَوْ يَحْصُلَ مِنْهُمُ اتِّفَاقًا .
قَالَ : وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَوْنُ الْمُتَوَاتِرِ مَوْجُودًا وُجُودَ كَثْرَةٍ فِي الْأَحَادِيثِ ، أَنَّ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِأَيْدِي أَهْلِ الْعِلْمِ شَرْقًا وَغَرْبًا ، الْمَقْطُوعَ عِنْدَهُمْ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إِلَى مُصَنِّفِيهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثٍ ، وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّدًا تُحِيلُ الْعَادَةُ تَوَاطُأهُمْ مَعَهُ عَلَى الْكَذِبِ إِلَى آخِرِ الشُّرُوطِ ، أَفَادَ الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ بِصِحَّتِهِ إِلَى قَائِلِهِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ كَثِيرٌ .
وَقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُ الْآخِذِينَ عَنْهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي التئام أَوَّلِ مَقَالَتِهِ هَذِهِ ، مَعَ مَا سَلَفَ مِنْ أَنَّهُ لَا دَخْلَ لِصِفَاتِ الْمُخْبِرِينَ فِي الْمُتَوَاتِرِ . وَهُوَ وَاضِحُ الِالْتِئامِ ، فَمَا هُنَا بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِ أَهْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ مَثَلًا تُبْعِدُ الْعَادَةُ - لِجَلَالَتِهِمْ - تَوَاطُأ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ عَلَى كَذِبٍ أَوْ غَلَطٍ ، وَكَوْنِ غَيْرِهَا لِانْحِطَاطِ أَهْلِهَا عَنْ هَؤُلَاءِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِعَشَرَةٍ مَثَلًا ، وَغَيْرِهَا لِعَدَمِ اتِّصَافِ أَهْلِهَا بِالْعَدَالَةِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالْفِسْقِ وَنَحْوِهِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَزِيدِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَدَدِ .
نَعَمْ ، يُمْكِنُ بِالنَّظَرِ لِمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ مَبَاحِثِنَا ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .