فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

كِتَابَةُ الْحَدِيثِ وَضَبْطُهُ

ج 3
ص 41

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 41

النص

[3/41]( وَكَرِهُوا ) ؛ أَيْ : أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي الْكِتَابَةِ ( فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللَّهِ ) كَعَبْدٍ ( مِنْهُ ) أَيْ : مِنَ الِاسْمِ الْكَرِيمِ ، فَلَا يَكْتُبُونَ التَّعْبِيدَ فِي آخِرِ سَطْرٍ ، وَاللَّهُ أَوِ الرَّحْمَنُ أَوِ الرَّحِيمُ مَعَ مَا بَعْدَهُ ، وَهُوَ ابْنُ فُلَانٍ مَثَلًا ( بـِ ) أَوَّلٍ ( سَطْرٍ ) آخَرَ ، احْتِرَازًا عَنْ قَبَاحَةِ الصُّورَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ .
وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ لِلتَّنْزِيهِ ، وَإِنْ رَوَى الْخَطِيبُ فِي " جَامِعِهِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيِّ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ أَبِيهِ وَنِسْبَتِهِ - أَنَّهُ قَالَ : وَفِي الْكِتَابِ - يَعْنِي - مَنْ لَا يَتَجَنَّبُهُ أَوْ هُوَ غَلَطٌ - ؛ أَيْ : خَطَأٌ قَبِيحٌ - فَيَجِبُ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَتَوَقَّاهُ وَيَتَأَمَّلَهُ وَيَتَحَفَّظَ مِنْهُ .
وَقَالَ الْخَطِيبُ : إِنَّ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ ، فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ لِحَمْلِ شَيْخِنَا لَهُ عَلَى التَّأْكِيدِ لِلْمَنْعِ ، وَلَا شَكَّ فِي تَأَكُّدِهِ ولَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ التَّعْبِيدُ آخِرَ الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى ، وَالِاسْمُ الْكَرِيمُ وَمَا بَعْدَهُ أَوَّلَ الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى ، فَإِنَّ النَّاظِرَ إِذَا رَآهُ كَذَلِكَ رُبَّمَا لَمْ يَقْلِبِ الْوَرَقَةَ وَيَبْتَدِئُ بِقِرَاءَتِهِ كَذَلِكَ بِدُونِ تَأَمُّلٍ ، وَكَذَا إِذَا كَانَ عَزْمُهُ عَدَمَ حَبْكِ الْكِتَابِ ، وَكَانَ ابْتَدَاء وَرَقَة لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ تَقْلِيبِ أَوْرَاقِهِ وَتَفَرُّقِهَا ، وَلَكِنْ لَا يَرْتَقِي فِي كُلِّ هَذَا إِلَى الْوُجُوبِ ، إِلَّا إِنِ اقْتَرَنَ بِقَصْدٍ فَاسِدٍ ، كَإِيقَاعٍ لِغَيْرِهِ فِي الْمَحْذُورِ ، وَيَتَأَيَّدُ مَا جَنَحَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا بِتَصْرِيحِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " الِاقْتِرَاحِ " بِأَنَّ ذَلِكَ أَدَبٌ ، وَنَصَرَهُ الْعِزُّ ابْنُ جَمَاعَةَ .
وَكَرَسُولٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَلَا يُكْتَبُ رَسُولٌ فِي آخِرِ سَطْرٍ ، وَاسْمُ اللَّهِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ آخَرَ ، فَقَدْ كَرِهَهُ الْخَطِيبُ أَيْضًا وَقَالَ : إِنَّهُ يَنْبَغِي [3/42]التَّحَفُّظُ مِنْهُ . وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فَجَزَمَ بِالْكَرَاهَةِ فِيهِ وَفِيمَا أَشْبَهَهُ .
وَيَلْتَحِقُ بِهِ - كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - أَسْمَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ : سَابُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ . وَكَذَا أَسْمَاءُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : قَاتِلُ ابْنِ صَفِيَّةَ فِي النَّارِ يَعْنِي بِابْنِ صَفِيَّةَ . الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رضي الله عنه ، فَلَا يُكْتَبُ " سَابُّ " أَوْ " قَاتِلُ " فِي آخِرِ سَطْرٍ وَمَا بَعْدَهُ فِي أَوَّلِ آخَرَ ، بَلْ وَلَا اخْتِصَاصَ لِلْكَرَاهَةِ بِالْفَصْلِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ ، فَلَوْ وُجِدَ الْمَحْذُورُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَشْنَعُ ، كَقَوْلِهِ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ الَّذِي أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ثَمِلٌ ؛ فَقَالَ عُمَرُ : " أَخْزَاهُ اللَّهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ " وَكَقَوْلِهِ : " اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا " . بِأَنْ كَتَبَ " فَقَالَ " أَوْ " لَا " فِي آخِرِ سَطْرٍ ، وَمَا بَعْدَهُ فِي أَوَّلِ آخَرَ ؛ كَانَتِ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا ، وَمَحَلُّهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ( إِنْ يُنَافِ ) بِالْفَصْلِ ( مَا تَلَاهُ ) مِنَ اللَّفْظِ كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ .
فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوِ اسْمِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوِ اسْمِ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يُنَافِيهِ ، بِأَنْ يَكُونَ الِاسْمُ آخِرَ الْكِتَابِ أَوْ آخِرَ الْحَدِيثِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، أَوْ يَكُونَ بَعْدَهُ شَيْءٌ مُلَائِمٌ لَهُ غَيْرُ مُنَافٍ ، فَلَا بَأْسَ بِالْفَصْلِ ، نَحْوَ قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْبُخَارِيِّ ( سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ) فَإِنَّهُ إِذَا فَصَلَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ كَانَ أَوَّلُ السَّطْرِ : اللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ ، وَمَعَ هَذَا فَجَمْعُهُمَا فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ أَوْلَى .
بَلْ صَرَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْكَرَاهَةِ فِي فَصْلٍ مِثْلَ أَحَدَ عَشَرَ لِكَوْنِهِمَا بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ [3/43]النَّحَّاسِ فِي " صِنَاعَةِ الْكِتَابِ " : وَكَرِهُوا جَعْلَ بَعْضِ الْكَلِمَةِ فِي سَطْرٍ وَبَعْضِهَا فِي أَوَّلِ سَطْرٍ ؛ فَتَكُونُ مَفْصُولَةً .