فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

كِتَابَةُ الْحَدِيثِ وَضَبْطُهُ

ج 3
ص 34

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 34

النص

( وَيُنْقَطُ ) الْحَرْفُ ( الْمُهْمَلُ ) كَالدَّالِ وَالرَّاءِ وَالصَّادِ وَالطَّاءِ وَالْعَيْنِ وَنَحْوِهَا ، ( لَا الْحَا ) بِالْقَصْرِ ، بِمَا فَوْقَ الْحَرْفِ الْمُعْجَمِ الْمُشَاكِلِ لَهُ ( أَسْفَلَا ) أَيْ : أَسْفَلَ الْحَرْفِ الْمُهْمَلِ .
وَلَمْ يُصَرِّحِ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِعِيَاضٍ بِاسْتِثْنَاءِ الْحَاءِ اكْتِفَاءً بِالْعِلَّةِ فِي الْقَلْبِ ، وَهِيَ تَحْصِيلُ التَّمْيِيزِ ، فَمَتَى كَانَ مُوقِعًا فِي الِالْتِبَاسِ لَمْ يَحْصُلِ الْغَرَضُ .
وَالْحَاءُ إِذَا جُعِلَتْ نُقْطَةَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةَ تَحْتَهَا الْتَبَسَتْ بِالْجِيمِ ، وَحِينَئِذٍ فَتَرْكُ الْعَلَامَةِ لِهَذَا الْحَرْفِ عَلَامَةٌ ، وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا قَوْلُ الزَّرْكَشِيِّ : خَرَجَ بِقَوْلِهِ : " فَوْقَ " مَا إِذَا كَانَ النَّقْطُ تَحْتُ فَلَا يُسْتَحَبُّ ، وَذَلِكَ كَالْحَاءِ ، فَإِنَّهُا لَوْ نُقِطَتْ مِنْ تَحْتِهَا لَالْتَبَسَتْ بِالْجِيمِ . وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ : إِنَّمَا تَرْكُ الْحَاءِ لِوُضُوحِهَا .
وَلَيْسَ هَذَا الِاصْطِلَاحُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ ، وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ : وَسَبِيلُ [3/34]النَّاسِ فِي ضَبْطِهَا مُخْتَلِفٌ . يَعْنِي : فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْلُكُ هَذَا ، أَوْ كَمَا لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْأَنْدَلُسِ مِمَّا قَالَهُ عِيَاضٌ أَيْضًا ( كَتْبُ ) أَيْ : يَكْتُبُ نَظَيْرَ ( ذَاكَ الْحَرْفِ ) الْمُهْمَلِ الْمُتَّصِلِ أَوِ الْمُنْفَصِلِ ( تَحْتُ ) ؛ أَيْ : تَحْتَهُ ( مَثَلَا ) بِفَتْحَتَيْنِ ؛ أَيْ : عَلَى صِفَتِهِ ، سَوَاءً كَانَ شَبِيهًا لَهُ فِي الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَفِي الْقَدْرِ أَوْ لَا ، غَيْرَ أَنَّ كَوْنَهُ أَصْغَرُ مِنْهُ وَمُجَودًا أَنْسَبُ .
وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : يُكْتَبُ تَحْتَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ حَاءٌ مُفْرَدَةٌ صَغِيرَةٌ ، وَكَذَا يُكْتَبُ تَحْتَ كُلٍّ مِنَ الدَّالِ وَالصَّادِ وَالطَّاءِ وَالسِّينِ وَالْعَيْنِ صِفَتُهَا صَغِيرَةً .
( أَوْ ) يُجْعَلُ ( فَوْقَهُ ) ؛ أَيِ : الْمُهْمَلِ ( قُلَامَةً ) كَقُلَامَةِ الظُّفْرِ مُضْجَعَةٌ عَلَى قَفَاهَا لِتَكُونَ فَرْجَتُهَا إِلَى فَوْقَ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ فَقَطْ مُثِّلَتْ بِالْقُلَامَةِ . إِذِ الْمُشَاهَدُ فِي خَطِّ كَثِيرِينَ لَا يُشَابِهُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، بَلْ هِيَ مُنْجَمِعَةٌ " 7 " هَكَذَا مِنْ أَسْفَلِهَا .
( أَقْوَالُ ) ثَلَاثَةٌ ، وَأَوَّلُهَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ النَّقْطُ مِنْ أَسْفَلَ كَهَيْئَتِهِ مِنْ فَوْقُ بِحَيْثُ يَكُونُ مَا تَحْتَ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ كَالْأَثَافِيِّ ، وَهِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَقَدْ تُخَفَّفُ - مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْقِدْرُ مِنْ حَدِيدٍ وَحِجَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا فِي سَفَرٍ وَغَيْرِهِ ، لَكِنَّ الْأَنْسَبَ وَالْأَبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ قَلْبُهَا ، فَتَكُونُ النُّقْطَتَانِ الْمُحَاذِيَتَانِ لِلْمُعْجَمَةِ مِنْ فَوْقُ مُحَاذِيَتَيْنِ لِلْمُهْمَلَةِ مِنْ أَسْفَلَ .
وَ ( الْبَعْضُ ) مِمَّنِ اصْطَلَحَ عَلَى النَّقْطِ ( نَقْطَ السِّينِ صَفًّا ) وَاحِدًا يُصَفُّ تَحْتَهَا ؛ ( قَالُوا ) أَيْ : قَالُوهُ لِئَلَّا تَزْدَحِمَ النُّقْطَةُ أَوِ النُّقْطَتَانِ مَعَ مَا يُحَاذِيهَا مِنَ السَّطْرِ الَّذِي يَلِيهَا فَيُظْلِمُ ، بَلْ رُبَّمَا يَحْصُلُ بِهِ لَبْسٌ .
( وَبَعْضُهُمْ يَخُطُّ فَوْقَ ) الْحَرْفِ ( الْمُهْمَلِ ) خَطًّا صَغِيرًا .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ وَلَا يَفْطِنُ لَهُ كَثِيرُونَ . يَعْنِي : [3/35]لِكَوْنِهِ خَفِيًّا غَيْرَ شَائِعٍ ، وَلِذَا اشْتَبَهَ عَلَى الْعَلَاءِ مُغْلِطَايِّ الْحَنَفِيِّ حَيْثُ تَوَهَّمَهُ فَتْحَةً لِذَاكَ الْحَرْفِ ؛ إِذْ قَرَأَ : " رَضْوَانُ " بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَلَيْسَتِ الْفَتْحَةُ إِلَّا عَلَامَةَ الْإِهْمَالِ ، وَكَذَا وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْعَلَامَةِ لِلْمُهْمَلِ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ الْمُصَنَّفِ .
( وَبَعْضُهُمْ ) وَهُوَ طَرِيقٌ خَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ ( كَالْهَمْزِ تَحْتُ ) ؛ أَيْ : تَحْتَ الْمُهْمَلِ ( يَجْعَلُ ) حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عِيَاضٌ بِقَوْلِهِ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ تَحْتَ الْمُهْمَلِ عَلَى مِثَالِ النَّبْرَةِ ؛ وَهِيَ - كَمَا ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ سِيدَهْ - الْهَمْزَةُ .
بَلْ حَكَى عِيَاضٌ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْمَشَارِقَةِ أَنَّهُ يَجْعَلُ فَوْقَ الْمُهْمَلِ خَطًّا صَغِيرًا يُشْبِهُ النَّبْرَةَ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَادِسًا أَوْ سَابِعًا ، وَإِنْ تَرَدَّدَ الْمُصَنِّفُ أَهُوَ غَيْرُ الْخَطِّ أَوْ عَيْنُهُ ؟
وَوَجَدْتُ أَيْضًا سَابِعًا أَوْ ثَامِنًا .
فَرَوَى الْخَطِيبُ فِي " جَامِعِهِ " مِنْ طِرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ يَقُولُ : كَتَبْتُ - يَعْنِي عَنْ شُعْبَةَ - حَدِيثَ أَبِي الْحَوْرَاءِ - ؛ يَعْنِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَخِفْتُ أَنْ أُصَحِّفَ فِيهِ فَأَقُولَ : أَبُو الْجَوْزَاءِ بِالْجِيمِ وَالزَّاي ، فَكَتَبْتُ تَحْتَهُ : حُورُ عِينٍ .
وَكَذَا [3/36]ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِقَوْلِهِ : وَرُبَّمَا كَتَبُوا مَا يَدُلُّ عَلَى الضَّبْطِ بِأَلْفَاظٍ كَامِلَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِ .
وَنَحْوُهُ رَدُّ الدَّارَقُطْنِيِّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ : نسَيْرُ بْنُ ذُعْلُوقٍ - بِالْيَاءِ - بِقَوْلِهِ : ن وَالْقَلَمِ .
وَوَرَاءَ هَذَا مَنْ يَقْتَصِرُ فِي الْبَيَانِ عَلَى مَا هُوَ الْأُسْلُوبُ الْأَصْلِيُّ لَهَا ، وَهُوَ إِخْلَاؤُهَا عَنِ الْعَلَامَةِ الْوُجُودِيَّةِ لِغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا طَرِيقُ مَنْ لَمْ يَسْلُكْ جَانِبَ الِاسْتِظْهَارِ ، وَهُوَ طَلَبُ الزِّيَادَةِ فِي الظُّهُورِ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ .
وَنَحْوُهُ مَنِ اصْطَلَحَ فِي الْبَيَانِ مَعَ نَفْسِهِ شَيْئًا انْفَرَدَ بِهِ عَنِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ يُوقِعُ غَيْرَهُ بِهِ فِي الْحَيْرَةِ وَاللَّبْسِ لِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى مُرَادِهِ فِيهِ ، كَمَا اتَّفَقَ فِي " رِضْوَانَ " .
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَلَقَدْ قَرَأْتُ جُزْءًا عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ ؛ فَكَانَ كَاتِبُهُ يَعْمَلُ عَلَى الْكَافِ عَلَامَةً شَبِيهَةً بِالْخَاءِ الَّتِي تُكْتَبُ عَلَى الْكَلِمَاتِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا نُسْخَةٌ أُخْرَى ، وَكَانَ الْكَلَامُ يُسَاعِدُ عَلَى إِسْقَاطِ الْكَلِمَةِ وَإِثْبَاتِهَا فِي مَوَاضِعَ ، فَقَرَأْتُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا نُسْخَةٌ ، وَبَعْدَ فَرَاغِ الْجُزْءِ تَبَيَّنَ لِي اصْطِلَاحُهُ ؛ فَاحْتَجْتُ إِلَى إِعَادَةِ قِرَاءَةِ الْجُزْءِ . انْتَهَى .
وَرُبَّ عَلَامَةٍ أَحْوَجَتْ إِلَى عَلَامَةٍ حَتَّى لِفَاعِلِهَا ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَنْبَغِي - كَمَا [3/37]قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : - أَنْ يَأْتِيَ بِاصْطِلَاحٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ .