فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

عَدَمُ قَبُولِ الْمَجْهُولِ

ج 2
ص 219

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 2 · ص 219

النص

إِذَا عُلِمَ هَذَا فَالْحُجَّةُ فِي عَدَمِ قَبُولِ الْمَجْهُولِ أُمُورٌ :
أَحَدُهَا : الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ قَبُولٍ غَيْرِ الْعَدْلِ ، وَالْمَجْهُولُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ فِي حُصُولِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ لِيُلْحَقَ بِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ مِنَ الْقَبُولِ ، كَمَا أَنَّ الصَّبا وَالْكُفْرَ مَانِعَانِ مِنْهُ ، فَيَكُونُ الشَّكُّ فِيهِ أَيْضًا مَانِعًا مِنَ الْقَبُولِ ، كَمَا أَنَّ الشَّكَّ فِيهِمَا مَانِعٌ مِنْهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ شَكَّ الْمُقَلِّدِ فِي بُلُوغِ الْمُفْتِي مَرْتَبَةَ الِاجْتِهَادِ ، أَوْ فِي عَدَالَتِهِ ، مَانِعٌ مِنْ تَقْلِيدِهِ ، فَكَذَلِكَ الشَّكُّ فِي عَدَالَةِ الرَّاوِي يَكُونُ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ خَبَرِهِ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ حِكَايَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ اجْتِهَادَهُ ، وَبَيْنَ حِكَايَتِهِ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِ .
وَالْحُجَّةُ لِمُقَابَلَه قَوْلِهِ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ، فَأَوْجَبَ التَّثَبُّتَ عِنْدَ وُجُودِ الْفِسْقِ ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْفِسْقِ لَا يَجِبُ التَّثَبُّتُ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ .
وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ سِوَى الْإِسْلَامِ ، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ قَالَ : ( أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ ) قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : ( أَتَشْهَدُ أَنَّ [2/220]مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ ) قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : ( يَا بِلَالُ ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا ) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ . فَرَتَّبَ الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ جَازَ فِي الرِّوَايَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .
وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّا إِذَا عَلِمْنَا زَوَالَ الْفِسْقِ ثَبَتَتِ الْعَدَالَةُ ; لِأَنَّهُا لَا ثَالِثَ لَهُمَا ، فَمَتَى عُلِمَ نَفْيُ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ الْآخَرُ ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ مُحْتَمَلَةٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَيْضًا فَقَضَايَا الْأَعْيَانِ تَتَنَزَّلُ عَلَى الْقَوَاعِدِ ، وَقَاعِدَةُ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةُ ، فَيَكُونُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ خَبَرَهُ لِأَنَّهُ عَلِمَ حَالَهُ ، إِمَّا بِوَحْيٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ .