مقدمة ابن الصلاح

النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ وَصِفَةِ ضَبْطِهِ

الْقِسْمُ السَّادِسُ الإعلام

ج 1
ص 175

المرجع

الناشر
دار الفكر- سوريا، دار الفكر المعاصر - بيروت
موضع الطبعة
ج 1 · ص 175

النص

[1/175]الْقِسْمُ السَّادِسُ مِنْ أَقْسَامِ الْأَخْذِ وَوُجُوهِ النَّقْلِ ‏‏ : إِعْلَامُ الرَّاوِي لِلطَّالِبِ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ، أَوْ هَذَا الْكِتَابَ سَمَاعُهُ مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ رِوَايَتُهُ‏ ، مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ : ( ‏ارْوِهِ عَنِّي ، أَوْ‏ أَذِنْتُ لَكَ فِي رِوَايَتِهِ‏ ) وَنَحْوَ ذَلِكَ‏ ، فَهَذَا عِنْدَ كَثِيرِينَ طَرِيقٌ مُجَوِّزٌ لِرِوَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُ وَنَقْلِهِ‏ . ‏ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَطَوَائِفَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَالْفُقَهَاءِ ، وَالْأَصْلِيِّينَ وَالظَّاهِرِيِّينَ ، وَبِهِ قَطَعَ ‏أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ‏ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ ، وَاخْتَارَهُ وَنَصَرَهُ ‏أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ الْغَمْرِيُّ الْمَالِكِيُّ‏ فِي كِتَابِ ( ‏الْوَجَازَةُ فِي تَجْوِيزِ الْإِجَازَةِ‏ ) ‏‏ . ‏
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ‏ صَاحِبُ كِتَابِ ( ‏الْفَاصِلُ بَيْنَ الرَّاوِي وَالْوَاعِي‏ ) عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ‏ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ لَهُ‏ ، وَزَادَ فَقَالَ‏ : " لَوْ قَالَ لَهُ : ‏هَذِهِ رِوَايَتِي ، لَكِنْ لَا تَرْوِهَا عَنِّي‏ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهَا عَنْهُ كَمَا لَوْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : ‏لَا تَرْوِهِ عَنِّي ، وَلَا أُجِيزُهُ لَكَ‏ ، لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ‏ " . ‏
وَوَجْهُ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ ، فَإِنَّهُ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ رِوَايَتُهُ عَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، جَازَ [1/176]لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ لَفْظِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ : " ارْوِهِ عَنِّي ، أَوْ‏ أَذِنْتُ لَكَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِّي‏ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏‏‏‏ . ‏
وَالْمُخْتَارُ مَا ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ‏ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ‏ ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الطُّوسِيُّ‏ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ‏ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَسْمُوعَهُ وَرِوَايَتَهُ ، ثُمَّ لَا يَأْذَنُ لَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يُجَوِّزُ رِوَايَتَهُ لِخَلَلٍ يَعْرِفُهُ فِيهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّلَفُّظُ بِهِ ، وَلَا مَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَلَفُّظِهِ بِهِ ، وَهُوَ تَلَفُّظُ الْقَارِئِ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ ، وَيُقِرُّ بِهِ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُ الرَّاوِي عَنْهُ السَّامِعِ ذَلِكَ ( ‏حَدَّثَنَا ، وَأَخْبَرَنَا ) صِدْقًا ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ‏ . وَإِنَّمَا هَذَا كَالشَّاهِدِ ، إِذَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ شَهَادَتُهُ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ ، إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ، وَلَمْ يُشْهِدْهُ عَلَى شَهَادَتِهِ‏ . وَذَلِكَ مِمَّا تَسَاوَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ ، وَالرِّوَايَةُ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ ، وَإِنِ افْتَرَقَا فِي غَيْرِهِ‏ . ‏
ثُمَّ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرَهُ لَهُ إِذَا صَحَّ إِسْنَادُهُ ، وَإِنْ لَمْ [1/177]تَجُزْ لَهُ رِوَايَتُهُ عَنْهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ صِحَّتُهُ فِي نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏‏‏‏ . ‏