جعفر بن درستويه
وبهذا الإسناد إلى محمد بن المرزبان قال : قال عبد الله بن جعفر - يعني : ابن درستويه الفارسي النحوي - من علماء بغداد المحدثين النحويين على مذهب الكوفيين ، ورواة اللغة ، والغريب عن البصريين ، والكوفيين ، والعلماء بالقراءات ، ومن جمع صنوفا من العلم ، وصنف الكتب في كل فن من العلوم ، والآداب فأكثر ، وشهر أبو عبيد القاسم بن سلام ، وكان مؤدبا لأهل هرثمة ، وصار في ناحية عبد الله بن طاهر ، وكان ذا فضل ، ودين ، وستر ، ومذهب حسن . روى عن أبي زيد الأنصاري ، وأبي عبيدة ، والأصمعي ، واليزيدي ، وغيرهم من البصريين ، وروى عن ابن الأعرابي ، وأبي زياد الكلابي ، وعن الأموي ، وأبي عمرو الشيباني ، والكسائي ، والأحمر ، والفراء ، وروى الناس من كتبه المصنفة بضعة وعشرين كتابا في القرآن ، والفقه ، وغريب الحديث ، والغريب المصنف ، والأمثال ، ومعاني القرآن ، ومعاني الشعر ، وغير ذلك ، وله كتب لم يروها قد رأيتها في ميراث بعض الطاهريين تباع كثيرة في أصناف الفقه كله ، وبلغنا أنه كان إذا صنف كتابا أهداه إلى عبد الله بن طاهر فيحمل إليه مالا خطيرا استحسانا لذلك ، وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد ، والرواة عنه مشهورون ثقات ذوو ذكر ونبل . قال : وقد سبق إلى جميع مصنفاته فمن ذلك " الغريب المصنف " ، وهو من أجل كتبه في اللغة فأنه احتذى فيه كتاب النضر بن شميل المازني الذي يسميه كتاب " الصفات " . وبدأ فيه بخلق الإنسان ثم بخلق الفرس ثم بالإبل فذكر صنفا بعد صنف حتى أتى على جميع ذلك ، وهو أكبر من كتاب أبي عبيد وأجود ، ومنها كتاب " الأمثال " ، وقد سبقه إلى ذلك جميع البصريين ، والكوفيين ، والأصمعي ، وأبو زيد ، وأبو عبيدة ، والنضر بن شميل ، والمفضل الضبي ، وابن الأعرابي إلا أنه جمع روايتهم في كتابه فبوبه أبوابا ، وأحسن تأليفه . وكتاب " غريب الحديث " أول من عمله أبو عبيدة معمر بن المثنى ، وقطرب ، والأخفش ، والنضر بن شميل ، ولم يأتوا بالأسانيد ، وعمل أبو عدنان النحوي البصري كتابا في " غريب الحديث " ، وذكر فيه الأسانيد ، وصنفه على أبواب السنن ، والفقه إلا أنه ليس بالكبير فجمع أبو عبيد عامة ما في كتبهم وفسره وذكر الأسانيد وصنف المسند على حدته وأحاديث كل رجل من الصحابة ، والتابعين على حدته ، وأجاد تصنيفه فرغب فيه أهل الحديث ، والفقه ، واللغة لاجتماع ما يحتاجون إليه فيه . وكذلك كتابه في " معاني القرآن " ، وذلك أن أول من صنف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى ثم قطرب بن المستنير ثم الأخفش ، وصنف من الكوفيين الكسائي ثم الفراء . فجمع أبو عبيد من كتبهم ، وجاء فيه بالآثار ، وأسانيدها ، وتفاسير الصحابة ، والتابعين ، والفقهاء ، وروى النصف منه ومات قبل أن يسمع منه باقيه ، وأكثره غير مروي عنه . وأما كتبه في الفقه فأنه عمد إلى مذهب مالك ، والشافعي فتقلد أكثر ذلك ، وأتى بشواهده ، وجمعه من حديثه ، ورواياته ، واحتج فيها باللغة ، والنحو فحسنها بذلك ، وله في القراءات كتاب جيد ليس لأحد من الكوفيين قبله مثله . وكتابه في " الأموال " من أحسن ما صنف في الفقه ، وأجوده .
وقال عبد الله بن جعفر بن درستويه : كان أبو عبيد ذا دين وفضل وستر ومذهب حسن ، روى الناس من كتبه المصنفة في القرآن والفقه والغريب والأمثال وغير ذلك بضعا وعشرين كتابا ، وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد ، وقد سبق إلى جميع مصنفاته ، ثم ذكر من سبقه إلى مصنفاته ، وأن أبا عبيد أخذ كتبهم فهذبنا ورتبها وزاد فيها .