تسلسل الأحكام العلمية على البيهقي
أقوال المحدثين مرتبةً تصاعدياً بحسب وفياتهم — يكشف كيف تطور موقف العلماء من هذا الراوي عبر القرون
توزيع أحكام العلماء
قلت : هذه رؤيا حق ، فتصانيف البيهقي عظيمة القدر ، غزيرة الفوائد ، قل من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر ، فينبغي للعالم أن يعتني بهؤلاء سيما " سننه الكبير " وقد قدم قبل موته بسنة أو أكثر إلى نيسابور ، وتكاثر عليه الطلبة ، وسمعوا منه كتبه ، وجلبت إلى العراق والشام والنواحي ، واعتنى بها الحافظ أبو القاسم الدمشقي ، وسمعها من أصحاب البيهقي ، ونقلها إلى دمشق هو وأبو الحسن المرادي . وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني قال : ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي ، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه . قلت : أصاب أبو المعالي ، هكذا هو ، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه ، لكان قادرا على ذلك ، لسعة علومه ، ومعرفته بالاختلاف ، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث . ولما سمعوا منه ما أحبوا في قدمته الأخيرة ، مرض وحضرت المنية ، فتوفي في عاشر شهر جمادى الأولى ، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة فغسل وكفن ، وعمل له تابوت ، فنقل ودفن ببيهق ، وهي ناحية قصبتها خسروجرد ، هي محتده ، وهي على يومين من نيسابور ، وعاش أربعا وسبعين سنة .
قال عبد الغافر : كان على سيرة العلماء ، قانعا من الدنيا باليسير ، متجملا في زهده وورعه
قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في " تاريخه " : كان البيهقي على سيرة العلماء ، قانعا باليسير ، متجملا في زهده وورعه . وقال أيضا : هو أبو بكر الفقيه ، الحافظ الأصولي ، الدين الورع ، واحد زمانه في الحفظ ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط ، من كبار أصحاب الحاكم ، ويزيد على الحاكم بأنواع من العلوم ، كتب الحديث ، وحفظه من صباه ، وتفقه وبرع ، وأخذ فن الأصول ، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز ، ثم صنف ، وتواليفه تقارب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد ، جمع بين علم الحديث والفقه ، وبيان علل الحديث ، ووجه الجمع بين الأحاديث ، طلب منه الأئمة الانتقال من بيهق إلى نيسابور ، لسماع الكتب ، فأتى في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، وعقدوا له المجلس لسماع كتاب " المعرفة " وحضره الأئمة .