محمد بن جرير بن بن يزيد بن كثير بن غالب
الاسم المختصر: الطبرى
ترجمة الراوي(4 مصدر)
لسان الميزان▼
محمد بن جرير بن الطبري
الجزء 7 · الصفحة 25
6579 – صح - محمد بن جرير بن الطبري الإمام ، أبو جعفر ، صاحب التصانيف الباهرة ، مات سنة عشر وثلاثمائة ، ثقة صادق ، فيه تشيع يسير ، وموالاة لا تضر . أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ ، فقال : كان يضع للروافض ، كذا قال السليماني ، وهذا رجم بالظن الكاذب . بل ابن جرير من كبار أئمة المسلمين المعتمدين ، وما ندعي عصمته من الخطأ ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى ، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أن يتأنى فيه ، ولا سيما في مثل إمام كبير . فلعل السليماني أراد الآتي [ 6580 ] ، انتهى . ولو حلفت أن السليماني ما أراد إلا الآتي لبررت . والسليماني حافظ متقن ، كان يدري ما يخرج من رأسه ، فلا أعتقد أنه يطعن في مثل هذا الإمام بهذا الباطل ، والله أعلم . وإنما نبز بالتشيع لأنه صحح حديث غدير خم . وقد اغتر شيخ شيوخنا أبو حيان بكلام السليماني ، فقال في الكلام على ( الصراط ) في أوائل " تفسيره " : " وقال أبو جعفر الطبري ، وهو إمام من أئمة الإمامية : الصراط بالصاد : لغة قريش " إلى آخر المسألة . ونبهت عليه لئلا يغتر به ، فقد ترجمه أئمة النقل في عصره وبعده ، فلم يصفوه بذلك . وإنما ضره الاشتراك في اسمه واسم أبيه ، ونسبته ، وكنيته ، ومعاصرته ، وكثرة تصانيفه ، والعلم عند الله - تعالى - ، قاله الخطيب . وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن علي بن محمد بن سهل بن الإمام ، قال : سمعت أبا جعفر الطبري وجرى ذكر علي فقال أبو جعفر : من قال : إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى أيش هو؟ فقال له ابن الأعلم : مبتدع ، فقال له الطبري - منكرا عليه - مبتدع مبتدع ، هذا يقتل ، من قال : إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى ، يقتل يقتل . وقد سمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، والفلاس ، وبنداراً ، وأبا موسى ، ومحمد بن حميد الرازي ، وخلقا كثيرا . روى عنه أحمد بن كامل ، ومخلد بن جعفر ، وأحمد بن أبي طالب الكاتب ، وأبو بكر الشافعي ، وخلق . قال الخطيب : أخبرنا أبو طالب بن بكير ، أخبرنا مخلد بن جعفر ، حدثنا محمد بن جرير ، حدثنا أبو زرعة الرازي ، حدثنا ثابت بن محمد ، حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن طاوس ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما- رفعه : " الفخذ عورة " . قال أبو طالب : فذكر أبي أن هذا غريب ، وقد حدثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين ، عن ابن نومرد ، عن أبي زرعة ، عن ثابت بن محمد ، عن الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن طاوس ، عن ابن عباس : في كسوف الشمس . وإلى جنبه : عن أبي زرعة ، عن ثابت ، عن إسرائيل ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس حديث الفخذ . قال : فيشبه أن يكون أبو زرعة حدث به مرة من حفظه ، يعني فوهم فيه ، إن لم يكن الطبري أخطأ فيه . قلت : حدث به عن أبي زرعة على الصواب ابن نومرد المذكور بالإسنادين جميعاً ، فنسبة الخطأ فيه إلى الطبري أسهل من نسبته إلى أبي زرعة . قال الخطيب : كان ابن جرير أحد أئمة العلماء ، يحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظا لكتاب الله ، عارفاً بالقراءات ، بصيراً بالمعاني ، فقيهاً في الأحكام ، عالماً بالسنن وطرقها ، عارفاً بأقاويل الصحابة والتابعين ، ومسائل الحلال والحرام ، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم . وله تصانيف كثيرة ، وتفرد بمسائل حفظت عنه ، بلغني عن أبي حامد الفقيه أنه قال : لو سافر رجل إلى أقصى الصين حتى يحصل " تفسير " ابن جرير لم يكن كثيرا . وقال ابن بالويه الحافظ : قال لي ابن خزيمة : بلغني أنك كتبت " تفسير ابن جرير " ، قلت : بلى كتبته عنه إملاء ، قال : كله ؟ قلت : نعم ، من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين . قال : فاستعاره مني ابن خزيمة ، فرده بعد سنتين ، ثم قال : نظرت فيه من أوله إلى آخره ، فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير ، ولقد ظلمته الحنابلة . وقال أبو أحمد حسينك التميمي : قال لي ابن خزيمة لما رجعت من الرحلة : سمعت من ابن جرير؟ فقلت : لا ، وكانت الحنابلة منعت الناس من الدخول إليه ، فقال : لو سمعت منه لكان خيراً لك من جميع من سمعت منه سواه . وقال أبو علي الطوماري : كنت مع أبي بكر بن مجاهد في رمضان ، فسمع قراءة ابن جرير فقال : ما ظننت أن الله - تعالى - خلق بشراً يحسن يقرأ هذه القراءة . قال أحمد بن كامل : توفي ابن جرير في شوال سنة عشر وثلاثمائة ، وأخبرني أن مولده كان في أول سنة خمس أو آخر سنة أربع وعشرين ومائتين . ولما مات لم يؤذن به أحد ، فاجتمع عليه من لا يحصيهم عددا إلا الله ، وصلي على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً . وقال مسلمة بن قاسم : كان حصوراً لا يقرب النساء ، ورحل من بلده في طلب العلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، سنة ست وثلاثين ، فلم يزل طالباً للعلم ، مولعاً به إلى أن مات . وأخرج ابن عساكر من طريق أبي سعيد عثمان بن أحمد الدينوري قال : حضرت مجلس محمد بن جرير ، وحضر الفضل بن جعفر بن الفرات بن الوزير ، وقد سبقه رجل ، فقال الطبري للرجل : ألا تقرأ ؟ فأشار إلى الوزير ، فقال له الطبري : إذا كانت النوبة لك فلا تكترث بدجلة ولا الفرات . قلت : وهذه من لطائفه وبلاغته ، وعدم التفاته لأبناء الدنيا .
تاريخ الإسلام▼
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب ، أبو جعفر الطبري . الإمام صاحب التصانيف . من أهل آمل طبرستان
الجزء 7 · الصفحة 160
483 - محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب ، أبو جعفر الطبري . الإمام صاحب التصانيف . من أهل آمل طبرستان . طوف الأقاليم ، وسمع : محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإسماعيل بن موسى الفزاري ، وأبا كريب ، وهناد بن السري ، والوليد بن شجاع ، وأحمد بن منيع ، ومحمد بن حميد الرازي ، ويونس بن عبد الأعلى ، وخلقاً سواهم . وقرأ القرآن على : سليمان بن عبد الرحمن الطلحي صاحب خلاد . وسمع الحروف من : يونس بن عبد الأعلى ، وأبي كريب ، وجماعة . وصنف كتاباً حسناً في القراءات ، فأخذ عنه : ابن مجاهد ، ومحمد بن أحمد الداجواني ، وعبد الواحد بن أبي هاشم . وروى عنه : أبو شعيب الحراني - وهو أكبر منه سناً وسنداً - ومخلد الباقرحي ، والطبراني ، وعبد الغفار الحضيني ، وأبو عمرو بن حمدان ، وأحمد بن كامل ، وطائفة سواهم . قال أبو بكر الخطيب : كان ابن جرير أحد الأئمة ، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله . جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظاً لكتاب الله ؛ بصيراً بالمعاني ، فقيهاً في أحكام القرآن ، عالماً بالسنن وطرقها ، صحيحها وسقيمها ، ناسخها ومنسوخها ، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ، بصيراً بأيام الناس وأخبارهم ، له الكتاب المشهور في " تاريخ الأمم " ، وكتاب " التفسير " الذي لم يصنف مثله ، وكتاب " تهذيب الآثار " ، لم أر مثله في معناه ، لكن لم يتمه . وله في الأصول والفروع كتب كثيرة ، واختيار من أقاويل الفقهاء . وتفرد بمسائل حفظت عنه . وقال غيره : مولده بآمل سنة أربع وعشرين ومائتين . قال أبو محمد الفرغاني : كتب إلي المراغي يذكر أن المكتفي قال للحسن بن العباس : إني أريد أن أوقف وقفاً تجتمع أقاويل العلماء على صحته ويسلم من الخلاف . قال : فأحضر ابن جرير ، فأملى عليهم كتاباً بذلك . فأخرجت له جائزة سنية ، فأبى أن يقبلها ، فقيل له : لا بد من جائزة أو قضاء حاجة . فقال : نعم . الحاجة أسال أمير المؤمنين أن يتقدم إلى الشرط أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة . فتقدم بذلك وعظم في نفوسهم . قال أبو محمد الفرغاني صاحب ابن جرير : وأرسل إليه العباس بن الحسن الوزير : قد أحببت أن أنظر في الفقه . وسأله أن يعمل له مختصراً . فعمل له كتاب " الخفيف " وأنفذه إليه . فوجه إليه بألف دينار فلم يقبلها ، فقيل له : تصدق بها . فلم يفعل . وقال الخطيب : سمعت علي بن عبيد الله اللغوي يقول : مكث ابن جرير أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة . وأما أبو محمد الفرغاني فقال في " صلة التاريخ " له : إن قوماً من تلامذة أبي جعفر الطبري حسبوا لأبي جعفر منذ بلغ الحلم ، إلى أن مات ، ثم قسموا على تلك المدة أوراق مصنفاته ، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة . وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني شيخ الشافعية : لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل " تفسير " محمد بن جرير لم يكن كثيراً . وقال حسينك بن علي النيسابوري : أول ما سألني ابن خزيمة قال : كتبت عن محمد بن جرير ؟ قلت : لا . قال : ولم ؟ قلت : لأنه كان لا يظهر . وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه . فقال : بئس ما فعلت ، ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم ، وسمعت منه . وقال أبو بكر بن بالويه : سمعت إمام الأئمة ابن خزيمة يقول : ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير . ولقد ظلمته الحنابلة . وقال أبو محمد الفرغاني : كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه في الله لومة لائم ، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد . فأما أهل الدين والعلم فغير منكرين علمه وزهده في الدنيا ورفضه لها ، وقناعته بما كان يرد عليه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة . وذكر عبيد الله بن أحمد السمسار وغيره أن أبا جعفر بن جرير قال لأصحابه : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا ؟ قالوا : كم قدره ؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة . قالوا : هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه . فقال : إنا لله ، ماتت الهمم . فأملاه في نحو ثلاثة الآف ورقة . ولما أراد أن يملي " التفسير " قال لهم كذلك ، ثم أملاه بنحو من التاريخ . قال الفرغاني : وحدثني هارون بن عبد العزيز قال : قال لي أبو جعفر الطبري : أظهرت مذهب الشافعي واقتديت به ببغداد عشر سنين ، وتلقاه مني ابن بشار الأحول شيخ ابن سريج . قال الفرغاني : فلما اتسع علمه أداه بحثه واجتهاده إلى ما اختاره في كتبه . وكتب إلي المراغي أن الخاقاني لما تقلد الوزارة وجه إلى الطبري بمال كثير ، فأبى أن يقبله ، فعرض عليه القضاء فامتنع ، فعاتبه أصحابه وقالوا : لك في هذا ثواب ، وتحيي سنة قد درست .وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم ، فانتهرهم وقال : قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه . وقال محمد بن علي بن سهل الإمام : سمعت محمد بن جرير وهو يكلم ابن صالح الأعلم ، فقال : من قال إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى ، أيش هو ؟ قال ابن صالح : مبتدع ! فقال ابن جرير : مبتدع مبتدع ، هذا يقتل . قال أبو محمد الفرغاني : تم من كتبه كتاب " التفسير " ، وتم كتاب " القراءات والعدد و التنزيل " ؛ وتم له كتاب " اختلاف العلماء " ، وتم كتاب " التاريخ " إلى عصره ، وتم كتاب " تاريخ الرجال " من الصحابة والتابعين إلى شيوخه ؛ وتم كتاب " لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام " ، وهو مذهبه الذي اختاره وجوده واحتج له ، وهو ثلاثة وثمانون كتاباً . وتم كتاب " الخفيف " وهو مختصر ، وتم كتاب " التبصير في أصول الدين " ، وابتدأ بتصنيف كتاب " تهذيب الآثار " ، وهو من عجائب كتبه ، كتبه ابتداء بما رواه أبو بكر الصديق مما صح عنده بسنده ، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه وما فيه من الفقه والسنن واختلاف العلماء وحججهم ، وما فيه من المعاني والغريب ، فتم منه " مسند العشرة وأهل البيت والموالي " ، ومن " مسند ابن عباس " قطعة كبيرة ، فمات قبل تمامه ، وابتدأ بكتاب " البسيط " فخرج منه كتاب الطهارة في نحو ألف وخمس مائة ورقة ، وخرج منه أكثر كتاب الصلاة ، وخرج منه آداب الحكام ، وكتاب " المحاضر والسجلات " ، وغير ذلك ، ولما بلغه أن أبا بكر بن أبي داود تكلم في حديث غدير خم . عمل كتاب الفضائل فبدأ بفضل الخلفاء الراشدين ، وتكلم على تصحيح حديث غدير خم ، واحتج لتصحيحه . حكى التنوخي ، عن عثمان بن محمد السلمي قال : حدثني ابن منجو القائد قال : حدثني غلام لابن المزوق قال : اشترى مولاي لي جارية وزوجنيها ، فأحببتها وأبغضتني ، وكانت تنافرني دائماً إلى أن أضجرتني ، فقلت لها : أنت طالق ثلاثاً ، لا خاطبتني بشيء إلا قلت لك مثله ، فكم أحتملك . فقالت في الحال : أنت طالق ثلاثاً . قال : فأبلست وحرت . فدللت على محمد بن جرير فقال : أقم معها بعد أن تقول لها : أنت طالق ثلاثاً إن طلقتك . قال ابن عقيل : وله جواب آخر أن يقول كقولها : أنت طالق ثلاثاً ، بفتح التاء ، فلا يحنث . وقال ابن الجوزي : وأيضاً فما كان يلزمه أن يقول لها ذلك على الفور ، فكان له أن يتمادى إلى قبل الموت . قلت : ولو قال لها أنت طالق ثلاثاً ، وعنى الاستفهام ، لم تطلق . ولو قال : طالق ثلاثاً ، ونوى به الطلق لا الطلاق لم تطلق أيضاً في الباطن . وجواب آخر على قاعدة من يراعي سبب اليمين ونية الحالف أنه ليس عليه أن يقول لها كقولها ، فإن نيته كانت أنها إذا آذته بكلام أن يقول لها ما يؤذيها ، وهذه ما كانت تتأذى بالطلاق لأنها ناشزة مضاجرة ، ولأن الحالف عنده هذه الكلمة مستثناة بقرينة الحال من عموم إطلاقه ، كقوله تعالى : " وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ " " و تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ " فخرج من هذا العموم أشياء بالضرورة ، وهذا فصيح في كلام العرب سائغ ، لأن الحالف لم يرده ، ولا قصد إدخاله في العموم أصلاً ، كما لم يقصد إدخال كلمة الكفر لو كفرت فقالت له : أنت ولد الله - تعالى الله - أو سبت الأنبياء . فما كان يحنث بسكوته عن مثل قولها . وجواب آخر على مذهب الظاهرية كداود ، وابن حزم ، ومذهب سائر الشيعة : أن من حلف على شيء بالطلاق لا يلزمه طلاق ولا كفارة عليه في حلفه ، وهو قول لطاوس . وذهب شيخنا ابن تيمية ، وهو من أهل الاجتهاد لاجتماع الشرائط فيه : أن الحالف على شيء بالطلاق لم تطلق منه امرأته بهذه اليمين ، سواء حنث أو بر . ولكن إذا حنث في يمينه بالطلاق مرة قال : يكفر كفارة يمين . وقال : إن كان قصد الحالف حضاً أو منعاً ولم يرد الطلاق فهي يمين . وإن قصد بقوله : إن دخلت الدار فأنت طالق ، شرطاً وجزاءاً فإنها تطلق ولا بد . وكما إذا قال لها : إن أبريتني من الصداق فأنت طالق ، وإن زنيت فأنت طالق . وإذا فرغ الشهر فأنت طالق ؛ فإنها تطلق منه بالإبراء ، والزنا ، وفراغ الشهر ، ونحو ذلك . لكن ما علمنا أحداً سبقه إلى هذا التقسيم ولا إلى القول بالكفارة ؛ مع أن ابن حزم نقل في كتاب " الإجماع " له خلافاً في الحالف بالعتاق والطلاق ، هل يكفر كفارة يمين أم لا ؟ ولكنه لم يسم من قال بالكفارة . والله أعلم . والذي عرفنا من مذهب غير واحد من السلف القول بالكفارة في الحلف بالعتق وبالحج ، وبصدقة ما يملك . ولم يأتنا نص عن أحد من البشر بكفارة لمن يحلف بالطلاق . وقد أفتى بالكفارة شيخنا ابن تيمية مدة أشهر ، ثم حرم الفتوى بها على نفسه من أجل تكلم الفقهاء في عرضه . ثم منع من الفتوى بها مطلقاً . وقال الفرغاني : رحل ابن جرير لما ترعرع من آمل ، وسمح له أبوه في السفر . وكان طول حياته ينفذ إليه بالشيء بعد الشيء إلى البلدان ، فسمعته يقول : أبطأت عني نفقة والدي ، واضطررت إلى أن فتقت كمي القميص فبعتهما . وقال ابن كامل : توفي عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر ، ودفن في داره برحبة يعقوب ، ولم يغير شيبه . وكان السواد في رأسه ولحيته كثيراً . وكان أسمر إلى الأدمة ، أعين ، نحيف الجسم ، مديد القامة ، فصيحاً . واجتمع عليه من لا يحصيهم إلا الله ، وصلي على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً . ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب ؛ من ذلك قول أبي سعيد ابن الأعرابي : حدث مفظع وخطب جليل دق عن مثله اصطبار الصبور قام ناعي العلوم أجمع لما قام ناعي محمد بن جرير وقد رثاه ابن دريد بقصيدة بديعة طويلة ، يقول فيها : إن المنية لم تتلف به رجلاً بل أتلفت علماً للدين منصوبا كان الزمان به تصفو مشاربه . . . والآن أصبح بالتكدير مقطوبا كلا وأيامه الغر التي جعلت للعلم نوراً وللتقوى محاريبا
سير أعلام النبلاء▼
مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ ابْنِ يَزِيدَ بْنِ كَثِيرٍ ، الْإِمَامُ الْعَلَمُ الْمُجْتَهِدُ ، عَالِمُ الْعَصْرِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْبَدِيعَةِ ، مِنْ أَهْلِ آمُلِ طَبَرِسْتَانَ
الجزء 14 · الصفحة 267
175 - مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ ابْنِ يَزِيدَ بْنِ كَثِيرٍ ، الْإِمَامُ الْعَلَمُ الْمُجْتَهِدُ ، عَالِمُ الْعَصْرِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْبَدِيعَةِ ، مِنْ أَهْلِ آمُلِ طَبَرِسْتَانَ . مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَطَلَبَ الْعِلْمَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَأَكْثَرَ التِّرْحَالَ ، وَلَقِيَ نُبَلَاءَ الرِّجَالِ ، وَكَانَ مِنْ أَفْرَادِ الدَّهْرِ عِلْمًا ، وَذَكَاءً ، وَكَثْرَةَ تَصَانِيفَ . قَلَّ أَنْ تَرَى الْعُيُونُ مِثْلَهُ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي رَوْحٍ الْهَرَوِيِّ : أَخْبَرَنَا زَاهِرٌ الْمُسْتَمْلِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الْفَقِيهُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِضُبَاعَةَ : حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ أَعْلَى مَا عِنْدِي عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ . سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ مُوسَى السُّدِّيَّ ، وَإِسْحَاقَ بْنَ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ أَبِي مَعْشَرٍ ، حَدَّثَهُ بِالْمَغَازِي عَنْ أَبِيهِ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ الرَّازِيَّ ، وَأَحْمَدَ بْنَ مَنِيعٍ ، وَأَبَا كُرَيْبٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَلَاءِ ، وَهَنَّادَ بْنَ السَّرِيِّ ، وَأَبَا هَمَّامٍ السَّكُونِيَّ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيَّ ، وَبُنْدَارًا ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى ، وَسُفْيَانَ بْنَ وَكِيعٍ ، وَالْفَضْلَ بْنَ الصَّبَّاحِ ، وَعَبْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارَ ، وَسَلْمَ بْنَ جُنَادَةَ ، وَيُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَيَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيَّ . وَأَحْمَدَ بْنَ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيَّ ، وَبِشْرَ بْنَ مُعَاذٍ الْعَقَدِيَّ ، وَسَوَّارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيَّ ، وَعَمْرَو بْنَ عَلِيٍّ الْفَلَّاسَ ، وَمُجَاهِدَ بْنَ مُوسَى ، وَتَمِيمَ بْنَ الْمُنْتَصِرِ ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَرَفَةَ ، وَمُهَنَّا بْنَ يَحْيَى ، وَعَلِيَّ بْنَ سَهْلٍ الرَّمْلِيَّ ، وَهَارُونَ بْنَ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ الْعُذْرِيَّ ، وَسَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو السَّكُونِيَّ ، وَأَحْمَدَ بْنَ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ مَعْمَرٍ الْقَيْسِيَّ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيَّ ، وَنَصْرَ بْنَ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيَّ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، وَصَالِحَ بْنَ مِسْمَارٍ الْمَرْوَزِيَّ ، وَسَعِيدَ بْنَ يَحْيَى الْأُمَوِيَّ ، وَنَصْرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيَّ ، وَعَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ بَيَانٍ السُّكَّرِيَّ ، وَأَحْمَدَ بْنَ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيَّ ، وَالْحَسَنَ بْنَ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارَ ، وَأَبَا عَمَّارٍ الْحُسَيْنَ بْنَ حُرَيْثٍ ، وَأُمَمًا سِوَاهُمْ . وَاسْتَقَرَّ فِي أَوَاخِرَ أَمْرِهِ بِبَغْدَادَ . وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الِاجْتِهَادِ . حَدَّثَ عَنْهُ : أَبُو شُعَيْبٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ - وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ - وَأَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي ، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ ، وَمَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَاقَرْحِيُّ ، وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ زَبْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْخَشَّابُ ، وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَاتِبُ ، وَعَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحُضَيْنِيُّ ، وَأَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ ، وَالْمُعَلَّى بْنُ سَعِيدٍ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ . قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ : مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ مِنْ أَهْلِ آمُلَ ، كَتَبَ بِمِصْرَ ، وَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ ، وَصَنَّفَ تَصَانِيفَ حَسَنَةً تَدُلُّ عَلَى سِعَةِ عِلْمِهِ . وَقَالَ الْخَطِيبُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ غَالِبٍ : كَانَ أَحَدَ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ ، يُحْكَمُ بِقَوْلِهِ ، وَيُرْجَعُ إِلَى رَأْيِهِ لِمَعْرِفَتِهِ وَفَضْلِهِ ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ مِنَ الْعُلُومِ مَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ ، فَكَانَ حَافِظًا لِكِتَابِ اللَّهِ ، عَارِفًا بِالْقِرَاءَاتِ ، بَصِيرًا بِالْمَعَانِي ، فَقِيهًا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، عَالِمًا بِالسُّنَنِ وَطُرُقِهَا ، صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا ، وَنَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا ، عَارِفًا بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، عَارِفًا بِأَيَّامِ النَّاسِ وَأَخْبَارِهِمْ ، وَلَهُ الْكِتَابُ الْمَشْهُورُ فِي " أَخْبَارِ الْأُمَمِ وَتَارِيخِهِمْ " ، وَلَهُ كِتَابُ : " التَّفْسِيرِ " لَمْ يُصَنَّفْ مِثْلُهُ ، وَكِتَابٌ سَمَّاهُ : " تَهْذِيبُ الْآثَارِ " لَمْ أَرَ سِوَاهُ فِي مَعْنَاهُ ، لَكِنْ لَمْ يُتِمَّهُ ، وَلَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ وَاخْتِيَارٌ مِنْ أَقَاوِيلِ الْفُقَهَاءِ ، وَتَفَرَّدَ بِمَسَائِلَ حُفِظَتْ عَنْهُ . قُلْتُ : كَانَ ثِقَةً ، صَادِقًا ، حَافِظًا ، رَأْسًا فِي التَّفْسِيرِ ، إِمَامًا فِي الْفِقْهِ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ ، عَلَّامَةً فِي التَّارِيخِ وَأَيَّامِ النَّاسِ ، عَارِفًا بِالْقِرَاءَاتِ وَبِاللُّغَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَرَأَ الْقُرْآنَ بِبَيْرُوتَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ . ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْفَرْغَانِيُّ : أَنَّ مَوْلِدَهُ بِآمُلَ . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُكْتَفِي أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ وَقْفًا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَقَاوِيلُ الْعُلَمَاءِ ، فَأُحْضِرَ لَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ كِتَابًا لِذَلِكَ ، فَأُخْرِجَتْ لَهُ جَائِزَةٌ ، فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا ، فَقِيلَ لَهُ : لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةٍ . قَالَ : أَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْنَعَ السُّؤَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ . وَكَذَا الْتَمَسَ مِنْهُ الْوَزِيرُ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ كِتَابًا فِي الْفِقْهِ ، فَأَلَّفَ لَهُ كِتَابَ : " الْخَفِيفِ " ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ ، فَرَدَّهَا . الْخَطِيبُ : حَدَّثَنِي أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ الْخَرْجُوشِيُّ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مَنْصُورٍ الشِّيرَازِيَّ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الصَّحَّافَ السِّجِسْتَانِيَّ ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْبَكْرِيَّ يَقُولُ : جَمَعَتِ الرِّحْلَةُ بَيْنَ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرُّويَانِيِّ بِمِصْرَ ، فَأَرْمَلُوا وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مَا يَقُوتُهُمْ ، وَأَضَرَّ بِهِمُ الْجُوعَ ، فَاجْتَمَعُوا لَيْلَةً فِي مَنْزِلٍ كَانُوا يَأْوُونَ إِلَيْهِ ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمُوا وَيَضْرِبُوا الْقُرْعَةَ ، فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ سَأَلَ لِأَصْحَابِهِ الطَّعَامَ ، فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَمْهِلُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخِيَرَةِ . قَالَ : فَانْدَفَعَ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِذَا هُمْ بِالشُّمُوعِ وَخَصِيٍّ مِنْ قِبَلِ وَالِي مِصْرَ يَدُقُّ الْبَابَ ، فَفَتَحُوا ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ؟ فَقِيلَ : هُوَ ذَا . فَأَخْرَجَ صُرَّةً فِيهَا خَمْسُونَ دِينَارًا ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَيُّكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ؟ فَأَعْطَاهُ خَمْسِينَ دِينَارًا ، وَكَذَلِكَ لِلرُّويَانِيِّ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْأَمِيرَ كَانَ قَائِلًا بِالْأَمْسِ ، فَرَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ الْمَحَامِدَ جِيَاعٌ قَدْ طَوَوْا كَشْحَهُمْ ، فَأَنْفَذَ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الصُّرَرَ ، وَأَقْسَمَ عَلَيْكُمْ : إِذَا نَفِدَتْ ، فَابْعَثُوا إِلَيَّ أَحَدَكُمْ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَرْغَانِيُّ فِي " ذَيْلِ تَارِيخِهِ " عَلَى تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ; أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ ، وَكَانَتْ مَعَهُ بِضَاعَةٌ يَتَقَوَّتُ مِنْهَا ، فَسُرِقَتْ فَأَفْضَى بِهِ الْحَالُ إِلَى بَيْعِ ثِيَابِهِ وَكُمَّيْ قَمِيصِهِ ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ : تَنْشَطُ لِتَأْدِيبِ بَعْضِ وَلَدِ الْوَزِيرِ أَبِي الْحَسَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَمَضَى الرَّجُلُ ، فَأَحْكَمَ لَهُ أَمْرَهُ ، وَعَادَ فَأَوْصَلَهُ إِلَى الْوَزِيرِ بَعْدَ أَنْ أَعَارَهُ مَا يَلْبَسُهُ ، فَقَرَّبَهُ الْوَزِيرُ وَرَفَعَ مَجْلِسَهُ ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فِي الشَّهْرِ ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ وَالصَّلَوَاتِ وَالرَّاحَةِ ، وَسَأَلَ إِسْلَافَهُ رِزْقَ شَهْرٍ ، فَفَعَلَ ، وَأُدْخَلِ فِي حُجْرَةِ التَّأْدِيبِ ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ - وَهُوَ أَبُو يَحْيَى - ، فَلَمَّا كَتَّبَهُ أَخَذَ الْخَادِمُ اللَّوْحَ ، وَدَخَلُوا مُسْتَبْشِرِينَ ، فَلَمْ تَبْقَ جَارِيَةٌ إِلَّا أَهْدَتْ إِلَيْهِ صِينِيَّةً فِيهَا دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ ، فَرَدَّ الْجَمِيعُ وَقَالَ : قَدْ شُورِطْتُ عَلَى شَيْءٍ ، فَلَا آخُذُ سِوَاهُ . فَدَرَى الْوَزِيرُ ذَلِكَ ، فَأَدْخَلْتُهُ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : هَؤُلَاءِ عَبِيدٌ وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ . فَعَظُمَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ . وَكَانَ رُبَّمَا أَهْدَى إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ الشَّيْءَ فَيَقْبَلُهُ ، وَيُكَافِئُهُ أَضْعَافًا لِعِظَمِ مُرُوءَتِهِ . قَالَ الْفَرْغَانِيُّ : وَكَتَبَ إِلَيَّ الْمَرَاغِيِّ يَذْكُرُ أَنَّ الْمُكْتَفِي قَالَ لِلْوَزِيرِ : أُرِيدُ أَنْ أَقِفَ وَقْفًا . فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَزَادَ : فَرَدَّ الْأَلْفَ عَلَى الْوَزِيرِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا ، فَقِيلَ لَهُ : تَصَدَّقْ بِهَا . فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَقَالَ : أَنْتُمْ أَوْلَى بِأَمْوَالِكُمْ وَأَعْرَفُ بِمَنْ تَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ . قَالَ الْخَطِيبُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ اللُّغَوِيَّ يَحْكِي : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَكْتُبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا أَرْبَعِينَ وَرَقَةً . قَالَ الْخَطِيبُ : وَبَلَغَنِي عَنْ أَبِي حَامِدٍ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ الْفَقِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ سَافَرَ رَجُلٌ إِلَى الصِّينِ حَتَّى يُحَصِّلَ تَفْسِيرَ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا . قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ حُسَيْنَكَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ : أَوَّلُ مَا سَأَلَنِي ابْنُ خُزَيْمَةَ فَقَالَ لِي : كَتَبْتَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : وَلِمَ ؟ قُلْتُ : لَأَنَّهُ كَانَ لَا يَظْهَرُ ، وَكَانَتِ الْحَنَابِلَةُ تَمْنَعُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ ، قَالَ : بِئْسَ مَا فَعَلْتَ ، لَيْتَكَ لَمْ تَكْتُبْ عَنْ كُلِّ مَنْ كَتَبْتَ عَنْهُمْ ، وَسَمِعْتَ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ . قَالَ الْحَاكِمُ : وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ بالُوَيْهِ يَقُولُ : قَالَ لِي أَبُو بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ : بَلَغَنِي أَنَّكَ كَتَبْتَ التَّفْسِيرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ ؟ قُلْتُ : بَلَى ، كَتَبْتُهُ عَنْهُ إِمْلَاءً ، قَالَ : كُلُّهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فِي أَيِّ سَنَةٍ ؟ قُلْتُ : مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ إِلَى سَنَةِ تِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ . قَالَ : فَاسْتَعَارَهُ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ سِنِينَ ، ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ نَظَرْتُ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، وَمَا أَعْلَمُ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ ، وَلَقَدْ ظَلَمَتْهُ الْحَنَابِلَةُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَرْغَانِيُّ : تَمَّ مِنْ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ كِتَابُ : " التَّفْسِيرِ " الَّذِي لَوِ ادَّعَى عَالَمٌ أَنْ يُصَنِّفَ مِنْهُ عَشَرَةَ كُتُبٍ ، كُلُّ كِتَابٍ مِنْهَا يَحْتَوِي عَلَى عِلْمٍ مُفْرَدٍ مُسْتَقْصًى لَفَعَلَ . وَتَمَّ مِنْ كُتُبِهُ كِتَابُ : " التَّارِيخِ " إِلَى عَصْرِهِ ، وَتَمَّ أَيْضًا كِتَابُ : " تَارِيخِ الرِّجَالِ " مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَإِلَى شُيُوخِهِ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ ، وَتَمَّ لَهُ كِتَابُ : " لَطِيفِ الْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ " ، وَهُوَ مَذْهَبُهُ الَّذِي اخْتَارَهُ ، وَجَوَّدَهُ ، وَاحْتَجَّ لَهُ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ كِتَابًا ، وَتَمَّ لَهُ كِتَابُ " الْقِرَاءَاتِ وَالتَّنْزِيلِ وَالْعَدَدِ " وَتَمَّ لَهُ كِتَابُ : " اخْتِلَافِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ " ، وَتَمَّ لَهُ كِتَابُ : " الْخَفِيفِ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ " ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ لَطِيفٌ ، وَتَمَّ لَهُ كِتَابُ : " التَّبْصِيرِ " ، وَهُوَ رِسَالَةٌ إِلَى أَهْلِ طَبَرِسْتَانَ ، يَشْرَحُ فِيهَا مَا تَقَلَّدَهُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ، وَابْتَدَأَ بِتَصْنِيفِ كِتَابِ : " تَهْذِيبِ الْآثَارِ " وَهُوَ مِنْ عَجَائِبِ كُتُبِهِ ، ابْتِدَاءً بِمَا أَسْنَدَهُ الصِّدِّيقُ مِمَّا صَحَّ عِنْدَهُ سَنَدُهُ ، وَتَكَلَّمَ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهُ بِعِلَلِهِ وَطُرُقِهِ ، ثُمَّ فِقْهِهِ ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَحُجَجِهِمْ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْغَرِيبِ ، وَالرَّدِّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ ، فَتَمَّ مِنْهُ مُسْنَدُ الْعَشْرَةِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمَوَالِي ، وَبَعْضُ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهِ . قُلْتُ : هَذَا لَوْ تَمَّ لَكَانَ يَجِيءُ فِي مِائَةِ مُجَلَّدٍ . قَالَ : وَابْتَدَأَ بِكِتَابِهِ " الْبَسِيطِ " فَخَرَّجَ مِنْهُ كِتَابَ الطَّهَارَةِ ، فَجَاءَ فِي نَحْوٍ مِنْ أَلَّفٍ وَخَمْسِمِائَةِ وَرَقَةٍ ; لَأَنَّهُ ذَكَرَ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْهُ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَحُجَّةَ كُلِّ قَوْلٍ ، وَخَرَّجَ مِنْهُ أَيْضًا أَكْثَرَ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَخَرَّجَ مِنْهُ آدَابَ الْحُكَّامِ . وَكِتَابَ : " الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ " وَكِتَابَ : " تَرْتِيبِ الْعُلَمَاءِ " وَهُوَ مِنْ كُتُبِهِ النَّفِيسَةِ ، ابْتَدَأَهُ بِآدَابِ النُّفُوسِ وَأَقْوَالِ الصُّوفِيَّةِ ، وَلَمْ يُتِمَّهُ ، وَكِتَابَ " الْمَنَاسِكِ " وَكِتَابَ : " شَرْحِ السُّنَّةِ " وَهُوَ لَطِيفٌ ، بَيَّنَ فِيهِ مَذْهَبَهُ وَاعْتِقَادَهُ ، وَكِتَابَهُ : " الْمُسْنَدِ " الْمُخَرِّجِ ، يَأْتِي فِيهِ عَلَى جَمِيعِ مَا رَوَاهُ الصَّحَابِيُّ مِنْ صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ ، وَلَمْ يُتِمَّهُ ، وَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُدَ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ غَدِيرِ خُمٍّ عَمِلَ كِتَابَ : " الْفَضَائِلِ " فَبَدَأَ بِفَضْلِ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرَ ، وَتَكَلَّمَ عَلَى تَصْحِيحِ حَدِيثِ غَدِيرِ خُمٍّ ، وَاحْتَجَّ لِتَصْحِيحِهِ ، وَلَمْ يُتِمَّ الْكِتَابَ . وَكَانَ مِمَّنْ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ مَعَ عَظِيمِ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْأَذَى وَالشَّنَاعَاتِ ، مِنْ جَاهِلٍ ، وَحَاسِدٍ ، وَمُلْحِدٍ ، فَأَمَّا أَهْلُ الدِّينِ وَالْعِلْمِ فَغَيْرُ مُنْكِرِينَ عِلْمَهُ ، وَزُهْدَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَرَفْضَهُ لَهَا ، وَقَنَاعَتَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَا كَانَ يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ حِصَّةٍ مِنْ ضَيْعَةٍ خَلَّفَهَا لَهُ أَبُوهُ بِطَبَرِسْتَانَ يَسِيرَةٍ . وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اسْتَخَرْتُ اللَّهَ وَسَأَلْتُهُ الْعَوْنَ عَلَى مَا نَوَيْتُهُ مِنْ تَصْنِيفِ التَّفْسِيرِ قَبْلَ أَنْ أَعْمَلَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَأَعَانَنِي . الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُضَاعِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْسَارُ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عُقَيْلٍ الْوَرَّاقُ : أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الطَّبَرِيَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَلْ تَنْشَطُونَ لِتَارِيخِ الْعَالَمِ مِنْ آدَمَ إِلَى وَقْتِنَا ؟ قَالُوا : كَمْ قَدْرُهُ ؟ فَذَكَرَ نَحْوَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ وَرَقَةٍ ، فَقَالُوا : هَذَا مِمَّا تَفْنَى الْأَعْمَارُ قَبْلَ تَمَامِهِ ! فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ ! مَاتَتِ الْهِمَمُ . فَاخْتَصَرَ ذَلِكَ فِي نَحْوِ ثَلَاثَةِ آلَافِ وَرَقَةٍ ، وَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يُمْلِيَ التَّفْسِيرَ قَالَ لَهُمْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَمْلَاهُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ قَدْرِ التَّارِيخِ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي : أَرْبَعَةٌ كُنْتُ أُحِبُّ بَقَاءَهُمْ : أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، وَالْبَرْبَرِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، وَالْمَعْمَرِيُّ ، فَمَا رَأَيْتُ أَفْهَمَ مِنْهُمْ وَلَا أَحْفَظَ . قَالَ الْفَرْغَانِيُّ : وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : أَظْهَرْتُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ، وَاقْتَدَيْتُ بِهِ بِبَغْدَادَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَتَلَقَّاهُ مِنِّي ابْنُ بَشَّارٍ الْأَحْوَلُ أُسْتَاذُ ابْنِ سُرَيْجٍ . قَالَ هَارُونُ : فَلَمَّا اتَّسَعَ عِلْمُهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ وَبَحْثُهُ إِلَى مَا اخْتَارَهُ فِي كُتُبِهِ . قَالَ الْفَرْغَانِيُّ : وَكَتَبَ إِلَيَّ الْمَرَاغِيِّ قَالَ : لَمَّا تَقَلَّدَ الْخَاقَانِيُّ الْوِزَارَةَ وَجَّهَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ بِمَالٍ كَثِيرٍ ، فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهِ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فَامْتَنَعَ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَظَالِمَ فَأَبَى ، فَعَاتَبَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا : لَكَ فِي هَذَا ثَوَابٌ ، وَتُحْيِي سُنَّةً قَدْ دَرَسَتْ . وَطَمِعُوا فِي قَبُولِهِ الْمَظَالِمَ ، فَبَاكَرُوهُ لِيَرْكَبَ مَعَهُمْ لِقَبُولِ ذَلِكَ ، فَانْتَهَرَهُمْ وَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي لَوْ رَغِبْتُ فِي ذَلِكَ لَنَهَيْتُمُونِي عَنْهُ . قَالَ : فَانْصَرَفْنَا خَجِلِينَ . أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلِ بْنِ الْإِمَامِ - صَاحِبُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ - : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ وَهُوَ يُكَلِّمُ ابْنَ صَالِحٍ الْأَعْلَمَ ، وَجَرَى ذِكْرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : مَنْ قَالَ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَيْسَا بِإِمَامَيْ هُدًى ، أَيْشِ هُوَ ؟ قَالَ : مُبْتَدِعٌ . فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ إِنْكَارًا عَلَيْهِ : مُبْتَدِعٌ مُبْتَدِعٌ ! هَذَا يُقْتَلُ . وَقَالَ مَخْلَدٌ الْبَاقَرْحِيُّ : أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ لِنَفْسِهِ : إِذَا أَعْسَرْتُ لَمْ يَعْلَمْ رَفِيقِي وَأَسْتَغْنِي فَيَسْتَغْنِي صَدِيقِي حَيَائِي حَافِظٌ لِي مَاءَ وَجْهِي وَرِفْقِي فِي مُطَالَبَتِي رَفِيقِي وَلَو أَنِّي سَمَحْتُ بِمَاءِ وَجْهِي لَكُنْتُ إِلَى الْعُلَا سَهْلَ الطَّرِيقِ وَلَهُ : خُلُقَانِ لَا أَرْضَى فَعَالَهُمَا بَطَرُ الْغِنَى وَمَذَلَّةُ الْفَقْرِ فَإِذَا غَنِيتَ فَلَا تَكُنْ بَطِرًا وَإِذَا افْتَقَرْتَ فَتِهْ عَلَى الدَّهْرِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَرْغَانِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ قَالَ : لَمَّا كَانَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ - فِي آخِرِهِ - ابْنُ جَرِيرٍ طَلَبَ مَاءً لِيُجَدِّدَ وُضُوْءَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : تُؤَخِّرُ الظُّهْرَ تَجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ . فَأَبَى وَصَلَّى الظُّهْرَ مُفْرَدَةً ، وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا أَتَمَّ صَلَاةٍ وَأَحْسَنَهَا . وَحَضَرَ وَقْتُ مَوْتِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : أَبُو بَكْرِ بْنُ كَامِلٍ ، فَقِيلَ لَهُ قَبْلَ خُرُوجِ رُوحِهِ : يَا أَبَا جَعْفَرٍ ، أَنْتَ الْحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ فِيمَا نَدِينُ بِهِ ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ تُوصِينَا بِهِ مِنْ أَمْرِ دِينِنَا ، وَبَيِّنَةٍ لَنَا نَرْجُو بِهَا السَّلَامَةَ فِي مَعَادِنَا ؟ فَقَالَ : الَّذِي أَدِينُ اللَّهَ بِهِ وَأُوصِيكُمْ هُوَ مَا ثَبَّتُّ فِي كُتُبِي ، فَاعْمَلُوا بِهِ وَعَلَيْهِ . وَكَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ ، وَأَكْثَرَ مِنَ التَّشَهُّدِ وَذِكْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، وَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَغَمَّضَ بَصَرَهُ بِيَدِهِ ، وَبَسَطَهَا وَقَدْ فَارَقَتْ رُوحُهُ الدُّنْيَا . وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَرَحَلَ مِنْ آمُلَ لَمَّا تَرَعْرَعَ وَحَفِظَ الْقُرْآنَ ، وَسَمَحَ لَهُ أَبُوهُ فِي أَسْفَارِهِ ، وَكَانَ طُولَ حَيَاتِهِ يَمُدُّهُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ إِلَى الْبُلْدَانِ ، فَيَقْتَاتُ بِهِ ، وَيَقُولُ فِيمَا سَمِعْتُهُ : أَبْطَأَتْ عَنِّي نَفَقَةُ وَالِدِي ، وَاضْطَرَرْتُ إِلَى أَنْ فَتَقْتُ كُمَّيْ قَمِيصِي فَبِعْتُهُمَا . قُلْتُ : جَمَعَ طُرُقَ حَدِيثِ : غَدِيرِ خُمٍّ ، فِي أَرْبَعَةِ أَجْزَاءَ ، رَأَيْتُ شَطْرَهُ ، فَبَهَرَنِي سِعَةُ رِوَايَاتِهِ ، وَجَزَمْتُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ . قِيلَ لِابْنِ جَرِيرٍ : إِنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُدَ يُمْلِي فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ . فَقَالَ : تَكْبِيرَةٌ مِنْ حَارِسٍ . وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَ ابْنِ جَرِيرٍ وَبَيْنَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُنْصِفُ الْآخَرَ ، وَكَانَتِ الْحَنَابِلَةُ حِزْبَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ ، فَكَثُرُوا وَشَغَّبُوا عَلَى ابْنِ جَرِيرٍ ، وَنَالَهُ أَذًى ، وَلَزِمَ بَيْتَهُ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى . وَكَانَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ رِجَالِ الْكَمَالِ ، وَشُنِّعَ عَلَيْهِ بِيَسِيرِ تَشَيُّعٍ ، وَمَا رَأَيْنَا إِلَّا الْخَيْرَ ، وَبَعْضُهُمْ يَنْقِلُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ مَسْحَ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، وَلَمْ نَرَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ . وَلِأَبِي جَعْفَرٍ فِي تَآلِيفِهِ عِبَارَةٌ وَبَلَاغَةٌ ، فَمِمَّا قَالَهُ فِي كِتَابِ : " الْآدَابِ النَّفِيسَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ " : الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَنِ الْحَالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مُرَاعَاةُ حَالِهِ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْ عَمَلِهِ لِلَّهِ عَنْ نَفْسِهِ ، قَالَ : ( إِنَّهُ لَا حَالَةَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِ يَغْفُلُ عَدُوُّهُ الْمُوكَلُ بِهِ عَنْ دُعَائِهِ إِلَى سَبِيلِهِ ، وَالْقُعُودِ لَهُ رَصْدًا بِطُرُقِ رَبِّهِ الْمُسْتَقِيمَةِ ، صَادًّا لَهُ عَنْهَا ، كَمَا قَالَ لِرَبِّهِ - عَزَّ ذِكْرُهُ - إِذْ جَعَلَهُ مِنَ الْمُنْظَرِينَ : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ طَمَعًا مِنْهُ فِي تَصْدِيقِ ظَنِّهِ عَلَيْهِ إِذْ قَالَ لِرَبِّهِ : لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ ذِي حِجًى أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي تَكْذِيبِ ظَنِّهِ ، وَتَخْيِيبِهِ مِنْهُ أَمَلَهُ وَسَعْيَهُ فِيمَا أَرْغَمَهُ ، وَلَا شَيْءَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ أَبْلَغُ فِي مَكْرُوهِهِ مِنْ طَاعَتِهِ رَبِّهِ ، وَعِصْيَانِهِ أَمْرَهُ ، وَلَا شَيْءَ أَسَرُّ إِلَيْهِ مِنْ عِصْيَانِهِ رَبَّهُ ، وَاتِّبَاعِهِ أَمْرَهُ . فَكَلَامُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ هَذَا النَّمَطِ ، وَهُوَ كَثِيرٌ مُفِيدٌ . وَقَدْ حَكَى أَبُو عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ فِي " النِّشْوَارِ " لَهُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ مَنْجُو الْقَائِدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي غُلَامٌ لِابْنِ الْمُزَوِّقِ ، قَالَ : اشْتَرَى مَوْلَايَ جَارِيَةً ، فَزَوَّجَنِيهَا ، فَأَحْبَبْتُهَا وَأَبْغَضَتْنِي حَتَّى ضَجِرْتُ ، فَقُلْتُ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، لَا تُخَاطِبِينِي بِشَيْءٍ إِلَّا قُلْتُ لَكِ مِثْلَهُ ، فَكَمْ أَحْتَمِلُكِ ؟ فَقَالَتْ فِي الْحَالِ : أَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا . فَأُبْلِسْتُ ، فَدُلِلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ ، فَقَالَ لِي : أَقِمْ مَعَهَا بَعْدَ أَنْ تَقُولَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ طَلَّقْتُكِ . فَاسْتَحْسَنَ هَذَا الْجَوَابَ . وَذَكَرَهُ شَيْخُ الْحَنَابِلَةِ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَقَالَ : وَلَهُ جَوَابٌ آخَرُ : أَنْ يَقُولَ كَقَوْلِهَا سَوَاءً : أَنْتَ طَالِقٌ . ثَلَاثًا - بِفَتْحِ التَّاءِ - فَلَا يَحْنَثُ . وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ : وَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا ذَاكَ عَلَى الْفَوْرِ ، فَلَهُ التَّمَادِي إِلَى قَبْلِ الْمَوْتِ . قُلْتُ : وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، وَقَصَدَ الِاسْتِفْهَامَ أَوْ عَنَى أَنَّهَا طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ ، أَوْ عَنَى الطَّلْقَ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ . وَلَهُ جَوَابٌ آخَرُ عَلَى قَاعِدَةِ مُرَاعَاةِ سَبَبِ الْيَمِينِ وَنِيَّةِ الْحَالِفِ ، فَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهَا مَا قَالَتْهُ ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ اسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ قَطْعًا ; لَأَنَّهُ مَا قَصَدَ إِلَّا أَنَّهَا إِذَا قَالَتْ لَهُ مَا يُؤْذِيهِ أَنْ يُؤْذِيَهَا بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ جَاوَبَهَا بِالطَّلَاقِ لَسُرَّتْ هِيَ ، وَلَتَأَذَّى هُوَ ، كَمَا اسْتُثْنِيَ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّهَا لَمْ تُؤْتَ لِحْيَةً وَلَا إِحْلِيلًا . وَمِنَ الْمَعْلُومِ اسْتِثْنَاؤُهُ بِالضَّرُورَةِ الَّتِي لَمْ يَقْصِدْهَا الْحَالِفُ قَطُّ لَوْ حَلَفَ : لَا تَقُولِي لِي شَيْئًا إِلَّا قُلْتُ لَكِ مِثْلَهُ ، أَنَّهَا لَوْ كَفَرَتْ وَسَبَّتِ الْأَنْبِيَاءَ فَلَمْ يُجَاوِبْهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ لَأَحْسَنَ . ثُمَّ يَقُولُ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ : إِنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - قَصَدَ دُخُولَ ذَلِكَ فِي يَمِينِهِ . وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ حَزْمٍ ، وَالشِّيعَةِ ، وَغَيْرِهِمْ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَرَأَوُا الْحَلِفَ وَالْأَيْمَانَ بِالطَّلَاقِ مِنْ أَيْمَانِ اللَّغْوِ ، وَأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِاللَّهِ . وَذَهَبَ إِمَامٌ فِي زَمَانِنَا إِلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى حَضٍّ أَوْ مَنْعٍ بِالطَّلَاقِ ، أَوِ الْعِتَاقِ ، أَوِ الْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِ " التَّبْصِيرِ فِي مَعَالِمِ الدِّينِ " : الْقَوْلُ فِيمَا أُدْرِكَ عِلْمُهُ مِنَ الصِّفَاتِ خَبَرًا ، وَذَلِكَ نَحْوُ إِخْبَارِهِ تَعَالَى أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ بِقَوْلِهِ : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا بِقَوْلِهِ : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ وَأَنَّهُ يَضْحَكُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ يُضْحَكُ إِلَيْهِ و أَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لِخَبَرِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ . إِلَى أَنْ قَالَ : فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الَّتِي وُصِفَتْ وَنَظَائِرَهَا مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ وَرَسُولُهُ مَا لَا يَثْبُتُ حَقِيقَةُ عِلْمِهِ بِالْفِكْرِ وَالرَّوِيَّةِ ، لَا نُكَفِّرُ بِالْجَهْلِ بِهَا أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ انْتِهَائِهَا إِلَيْهِ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ : أَخْبَرَنَا زَيْنُ الْأُمَنَاءِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَسَدِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي الْعَلَاءِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الدِّينَوَرِيُّ مُسْتَمْلِي ابْنِ جَرِيرٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ بِعَقِيدَتِهِ ، فَمِنْ ذَلِكَ : وَحَسْبُ امْرِئٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ الَّذِي عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، فَمَنْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ . وَهَذَا " تَفْسِيرُ " هَذَا الْإِمَامِ مَشْحُونٌ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ عَلَى الْإِثْبَاتِ لَهَا ، لَا عَلَى النَّفْيِ وَالتَّأْوِيلِ ، وَأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ أَبَدًا . أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا الْمُسْلِمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَازِنِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ بِبَعْلَبَكَّ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُسَيْنِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ ، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَدِيبِ لِابْنِ دُرَيْدٍ . قُلْتُ : يَرْثِي ابْنَ جَرِيرٍ : لَنْ تَسْتَطِيعَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعْقِيبَا فَاسْتَنْجِدِ الصَّبْرَ أَوْ فَاسْتَشْعِرِ الْحُوْبَا وَافْزَعْ إِلَى كَنَفِ التَّسْلِيمِ وَارْضَ بِمَا قَضَى الْمُهَيْمِنُ مَكْرُوهًا وَمَحْبُوبَا إِنَّ الرَّزِيَّةَ لَا وَفْرٌ تُزَعْزِعُهُ أَيْدِي الْحَوَادِثِ تَشْتِيتًا وَتَشْذِيبَا وَلَا تَفَرُّقُ أُلَّافٍ يَفُوتُ بِهِمْ بَيْنٌ يُغَادِرُ حَبْلَ الْوَصْلِ مَقْضُوبَا لَكِنَّ فُقْدَانَ مَنْ أَضْحَى بِمَصْرَعِهِ نُورُ الْهُدَى وَبَهَاءُ الْعِلْمِ مَسْلُوبَا إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَمْ تُتْلِفْ بِهِ رَجُلًا بَلْ أَتْلَفَتْ عَلَمًا لِلدِّينِ مَنْصُوبَا أَهْدَى الرَّدَى لِلثَّرَى إِذْ نَالَ مُهْجَتَهُ نَجْمًا عَلَى مَنْ يُعَادِي الْحَقَّ مَصْبُوبَا كَانَ الزَّمَانُ بِهِ تَصْفُو مَشَارِبُهُ فَالْآنَ أَصْبَحَ بِالتَّكْدِيرِ مَقْطُوبَا كَلَّا وَأَيَّامِهِ الْغُرِّ التِّي جَعَلَتْ لِلْعِلْمِ نُورًا وَلِلتَّقْوَى مَحَارِيبَا لَا يَنْسَرِي الدَّهْرُ عَنْ شِبْهٍ لَهُ أَبَدًا مَا اسْتَوْقَفَ الْحَجُّ بِالْأَنْصَابِ أُرْكُوبَا إِذَا انْتَضَى الرَّأْيَ فِي إِيضَاحِ مُشْكِلَةٍ أَعَادَ مَنْهَجَهَا الْمَطْمُوسَ مَلْحُوبَا لَا يُولِجُ اللَّغْوُ وَالْعَوْرَاءُ مَسْمَعَهُ وَلَا يُقَارِفُ مَا يُغْشِيهِ تَأْنِيبَا تَجْلُو مَوَاعِظُهُ رَيْنَ الْقُلُوبِ كَمَا يَجْلُو ضَيَاءُ سَنَا الصُّبْحِ الْغَيَاهِيبَا لَا يَأْمَنُ الْعَجْزَ وَالتَّقْصِيرَ مَادِحُهُ وَلَا يَخَافُ عَلَى الْإِطْنَابِ تَكْذِيبَا وَدَّتْ بِقَاعُ بِلَادِ اللَّهِ لَوْ جُعِلَتْ قَبْرًا لَهُ لَحَبَاهَا جِسْمُهُ طِيبَا كَانَتْ حَيَاتُكَ لِلدُّنْيَا وَسَاكِنِهَا نُورًا فَأَصْبَحَ عَنْهَا النُّورُ مَحْجُوبَا لَوْ تَعْلَمُ الْأَرْضُ مَنْ وَارَتْ لَقَدْ خَشَعَتْ أَقْطَارُهَا لَكَ إِجْلَالًا وَتَرْحِيبَا إِنْ يَنْدُبُوكَ فَقَدْ ثُلَّتْ عُرُوشُهُمُ وَأَصْبَحَ الْعِلْمُ مَرْثِيٍّا وَمَنْدُوبَا وَمِنْ أَعَاجِيبِ مَا جَاءَ الزَّمَانُ بِهِ وَقَدْ يُبِينُ لَنَا الدَّهْرُ الْأَعَاجِيبَا أَنْ قَدْ طَوَتْكَ غُمُوضُ الْأَرْضِ فِي لَحَفٍ وَكُنْتَ تَمْلَأُ مِنْهَا السَّهْلَ وَاللُّوبَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ : تُوُفِّيَ ابْنُ جَرِيرٍ عَشِيَّةَ الْأَحَدِ لِيَوْمَيْنِ بَقِيَا مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِرَحْبَةِ يَعْقُوبَ - يَعْنِي بِبَغْدَادَ . قَالَ : وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْبَهُ ، وَكَانَ السَّوَادُ فِيهِ كَثِيرًا ، وَكَانَ أَسْمَرَ إِلَى الْأُدْمَةِ ، أَعْيَنَ ، نَحِيفَ الْجِسْمِ ، طَوِيلًا ، فَصِحِيًا . وَشَيَّعَهُ مَنْ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، وَصُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ عِدَّةَ شُهُورٍ لَيْلًا وَنَهَارًا . إِلَى أَنْ قَالَ : وَرَثَاهُ خَلْقٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ : حَدَثٌ مُفْظِعٌ وَخَطْبٌ جَلِيلٌ دَقَّ عَنْ مِثْلِهِ اصْطِبَارُ الصَّبُورِ قَامَ نَاعِي الْعُلُومِ أَجْمَعَ لَمَّا قَامَ نَاعِي مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرِ
تاريخ بغداد▼
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب أبو جعفر الطبري
الجزء 2 · الصفحة 548
539 - محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب أبو جعفر الطبري . سمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وأحمد بن منيع البغوي ، ومحمد بن حميد الرازي ، وأبا همام الوليد بن شجاع ، وأبا كريب محمد بن العلاء ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وأبا سعيد الأشج ، وعمرو بن علي ، ومحمد بن بشار ، ومحمد بن المثنى ، وخلقا كثيرا نحوهم من أهل العراق والشام ومصر . حدث عنه أحمد بن كامل القاضي ، ومحمد بن عبد الله الشافعي ، ومخلد بن جعفر ، في آخرين . أخبرني أبو طالب محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير ، قال : أخبرنا مخلد بن جعفر . وأخبرني أبو القاسم الأزهري ، قال : حدثني أبو جعفر أحمد بن أبي طالب الكاتب ، قالا : حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ، قال : حدثني عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي ، قال : حدثنا ثابت بن محمد ، قال : حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل مكشوفة فخذه ، فقال له : " غط فخذك فإن فخذ الرجل من العورة " . وقال أيضا : حدثنا أبو زرعة الرازي ، قال : حدثنا ثابت بن محمد ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل مكشوفة فخذه ، فقال له : " غط فخذك فإن فخذ الرجل من العورة " . قال أبو طالب : ذكر أبي أن حديث الثوري غريب ، حدث به مخلد ، وأبو جعفر بن أبي طالب ، عن الطبري . هكذا قال ، وقد حدثنا أبو زرعة الرازي ، يعني أحمد بن الحسين ، عن ابن نومرد ، عن أبي زرعة ، عن ثابت ، عن الثوري ، عن حبيب ، عن طاوس ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس . وإلى جنبه حديث أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل مكشوفة فخذه . قال أبي : فيشبه أن يكون أبو زرعة الرازي حدث به مرة من حفظه إن لم يكن الطبري أخطأ عليه فإن القول قول ابن نومرد . وقد روي عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل مكشوفة فخذه ، من وجه غير مرضي ، فالله أعلم . قلت : استوطن الطبري بغداد ، وأقام بها إلى حين وفاته ، وكان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، وكان حافظا لكتاب الله ، عارفا بالقراءات ، بصيرا بالمعاني ، فقيها في أحكام القرآن ، عالما بالسنن وطرقها ، وصحيحها وسقيمها ، وناسخها ومنسوخها ، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام ، ومسائل الحلال والحرام ، عارفا بأيام الناس وأخبارهم ، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك ، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله ، وكتاب سماه تهذيب الآثار ، لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمه ، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة ، واختيار من أقاويل الفقهاء ، وتفرد بمسائل حفظت عنه . وسمعت علي بن عبيد الله بن عبد الغفار اللغوي المعروف بالسمسماني يحكي : أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة . وبلغني عن أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه الإسفراييني أنه قال : لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا ، أو كلاما هذا معناه . أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي المصري إجازة ، قال : حدثنا علي بن نصر بن الصباح التغلبي ، قال : حدثنا القاضي أبو عمر عبيد الله بن أحمد السمسار ، وأبو القاسم بن عقيل الوراق ، أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ فقال : ثلاثون ألف ورقة . فقالوا : هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه ، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة ، ثم قال : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ قالوا : كم قدره ؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير ، فأجابوه بمثل ذلك ، فقال : إنا لله ، ماتت الهمم ! حدثني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ ، قال : سمعت أبا بكر بن بالويه يقول : قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق ، يعني ابن خزيمة : بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير ، قلت : بلى ، كتبت التفسير عنه إملاء ، قال : كله ؟ قلت : نعم ، قال : في أي سنة ؟ قلت : من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ، قال : فاستعاره مني أبو بكر فرده بعد سنين ، ثم قال : قد نظرت فيه من أوله إلى آخره ، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ، ولقد ظلمته الحنابلة . سمعت أبا حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدويي بنيسابور يقول : سمعت حسينك ، واسمه الحسين بن علي التميمي يقول : لما رجعت من بغداد إلى نيسابور سألني محمد بن إسحاق بن خزيمة ، فقال لي : ممن سمعت ببغداد ؟ فذكرت له جماعة ممن سمعت منهم ، فقال : هل سمعت من محمد بن جرير شيئا ؟ فقلت له : لا ، إنه ببغداد لا يدخل عليه لأجل الحنابلة ، وكانت تمنع منه . فقال : لو سمعت منه لكان خيرا لك من جميع من سمعت منه سواه . حدثني أبو القاسم الأزهري ، قال : حكى لنا أبو الحسن بن رزقويه عن أبي علي الطوماري ، قال : كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح ، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه ، وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش ، فوقف بباب مسجد محمد بن جرير ومحمد يقرأ سورة الرحمن ، فاستمع قراءته طويلا ثم انصرف ، فقلت له : يا أستاذ ، تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا ؟ فقال : يا أبا علي دع هذا عنك ، ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يحسن يقرأ هذه القراءة ، أو كما قال . حدثني أبو الفرج محمد بن عبيد الله بن محمد الخرجوشي الشيرازي لفظا ، قال : سمعت أحمد بن منصور بن محمد الشيرازي يقول : سمعت محمد بن أحمد الصحاف السجستاني يقول : سمعت أبا العباس البكري من ولد أبي بكر الصديق يقول : جمعت الرحلة بين محمد بن جرير ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، ومحمد بن نصر المروزي ، ومحمد بن هارون الروياني بمصر ، فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم ، وأضر بهم الجوع فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه ، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة ، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام ، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة ، فقال لأصحابه : أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة ، قال : فاندفع في الصلاة فإذا هم بالشموع وخصي من قبل والي مصر يدق الباب ، ففتحوا الباب فنزل عن دابته ، فقال : أيكم محمد بن نصر ؟ فقيل : هو هذا . فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن جرير ؟ فقالوا : هو ذا فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن هارون ؟ فقالوا : هو ذا فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة ؟ فقالوا : هو ذا يصلي ، فلما فرغ دفع إليه الصرة وفيها خمسون دينارا ، ثم قال : إن الأمير كان قائلا بالأمس ، فرأى في المنام خيالا قال : إن المحامد طووا كشحهم جياعا ، فأنفذ إليكم هذه الصرار ، وأقسم عليكم إذا نفدت فابعثوا إلي أمدكم . أنشدنا علي بن عبد العزيز الطاهري ، ومحمد بن جعفر بن علان الشروطي ، قالا : أنشدنا مخلد بن جعفر الدقاق ، قال : أنشدنا محمد بن جرير الطبري [ الوافر ] : إذا أعسرت لم يعلم رفيقي وأستغني فيستغني صديقي حيائي حافظ لي ماء وجهي ورفقي في مطالبتي رفيقي ولو أني سمحت ببذل وجهي لكنت إلى الغنى سهل الطريق وأنشدنا الطاهري والشروطي ، قالا : أنشدنا مخلد بن جعفر ، قال : أنشدنا محمد بن جرير [ من الكامل ] : خلقان لا أرضى طريقهما بطر الغنى ومذلة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطرا وإذا افتقرت فته على الدهر أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي ، قال : حدثنا سهل بن أحمد الديباجي ، قال : قال لنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : كتب إلي أحمد بن عيسى العلوي من البلد [ من الطويل ] : ألا إن إخوان الثقات قليل وهل لي إلى ذاك القليل سبيل سل الناس تعرف غثهم من سمينهم فكل عليه شاهد ودليل قال أبو جعفر : فأجبته : يسيء أميري الظن في جهد جاهد فهل لي بحسن الظن منه سبيل تأمل أميري ما ظننت وقلته فإن جميل الظن منك جميل أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه ، قال : قال لنا عيسى بن حامد بن بشر القاضي : مات محمد بن جرير الطبري يوم السبت بالعشي ودفن يوم الأحد بالغداة في داره لأربع بقين من شوال سنة عشر وثلاثمائة . قرأت على الحسن بن أبي بكر ، عن أحمد بن كامل القاضي ، قال : توفي أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في وقت المغرب من عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة ، ودفن وقد أضحى النهار من يوم الإثنين غد ذلك اليوم في داره برحبة يعقوب ولم يغير شيبه ، وكان السواد في شعر رأسه ولحيته كثيرا . وأخبرني أن مولده في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين . وكان أسمر إلى الأدمة ، أعين ، نحيف الجسم ، مديد القامة ، فصيح اللسان ، ولم يؤذن به أحد ، واجتمع عليه من لا يحصيهم عددا إلا الله ، وصلي على قبره عدة شهور ليلا ونهارا ، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب ، فقال ابن الأعرابي في مرثية له طويلة [ من الخفيف ] : حدث مفظع وخطب جليل دق عن مثله اصطبار الصبور قام ناعي العلوم أجمع لما قام ناعي محمد بن جرير فهوت أنجم لها زاهرات مؤذنات رسومها بالدثور وتغشى ضياءها النير الإشـ ـراق ثوب الدجنة الديجور وغدا روضها الأنيق هشيما ثم عادت سهولها كالوعور يا أبا جعفر مضيت حميدا غير وان في الجد والتشمير بين أجر على اجتهادك موفو رٍ وسعي إلى التقى مشكور مستحقا به الخلود لدى جنـ ـة عدن في غبطة وسرور قرأت على أبي الحسين هبة الله بن الحسن الأديب لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد يرثي أبا جعفر الطبري [ من البسيط ] : لن تستطيع لأمر الله تعقيبا فاستنجد الصبر أو فاستشعر الحوبا وافزع إلى كنف التسليم وارض بما قضى المهيمن مكروها ومحبوبا إن العزاء إذا عزته جائحة ذلت عريكته فانقاد مجنوبا فإن قرنت إليه العزم أيده حتى يعود لديه الحزن مغلوبا فارم الأسى بالأسى يطفي مواقعها جمرا خلال ضلوع الصدر مشبوبا الأسى الحزن ، والأسى جمع أسوة ، كقوله تعالى : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " . من صاحب الدهر لم يعدم مجلجلة يظل منها طوال العيش منكوبا إن الرزية لا وفر تزعزعه أيدي الحوادث تشتيتا وتشذيبا ولا تفرق ألاف يفوت بهم بين يغادر حبل الوصل مقضوبا لكن فقدان من أضحى بمصرعه نور الهدى وبهاء العلم مسلوبا أودي أبو جعفر والعلم واصطحبا أعظم بذا صاحبا إذ ذاك مصحوبا إن المنية لم تتلف به رجلا بل أتلفت علما للدين منصوبا أهدى الردى للثرى إذ نال مهجته نجما على من يعادي الحق مصبوبا كان الزمان به تصفو مشاربه فالآن أصبح بالتكدير مقطوبا كلا وأيامه الغر التي جعلت للعلم نورا وللتقوى محاريبا لا ينسري الدهر عن شبه له أبدا ما استوقف الحج بالأنصاب أركوبا أوفى بعهد وأورى عند مظلمة زندا وآكد إبراما وتأديبا منه وارصن حلما عند مزعجة تغادر القلبي الذهن منخوبا إذا انتضى الرأي في إيضاح مشكلة أعاد منهجها المطموس ملحوبا لا يعزب الحلم في عتب وفي نزق ولا يجرع ذا الزلات تثريبا لا يولج اللغو والعوراء مسمعه ولا يقارف ما يغشيه تأنيبا إن قال قاد زمام الصدق منطقه أو آثر الصمت أولى النفس تهييبا لقلبه ناظرا تقوى سما بهما فأيقظ الفكر ترغيبا وترهيبا تجلو مواعظه رين القلوب كما يجلو ضياء سنا الصبح الغياهيبا سيان ظاهره البادي وباطنه فلا تراه على العلات مجدوبا لا يأمن العجز والتقصير مادحه ولا يخاف على الإطناب تكذيبا ودت بقاع بلاد الله لو جعلت قبرا له فحباها جسمه طيبا كانت حياتك للدنيا وساكنها نورا فأصبح عنها النور محجوبا لو تعلم الأرض ما وارت لقد خشعت أقطارها لك إجلالا وترحيبا كنت المقوم من زيغ ومن ظلع وفاك نصحا وتسديدا وتأديبا وكنت جامع أخلاق مطهرة مهذبا من قراف الجهل تهذيبا فإن تنلك من الأقدار طالبة لم يثنها العجز عما عز مطلوبا فإن للموت وردا ممقرا فظعا على كراهته لا بد مشروبا إن يندبوك فقد ثلت عروشهم وأصبح العلم مرثيا ومندوبا ومن أعاجيب ما جاء الزمان به وقد يبين لنا الدهر الأعاجيبا أن قد طوتك غموض الأرض في لحف وكنت تملأ منها السهل واللوبا
علل الإسناد
الإدراك
إثبات سماع الراوي
جرح وتعديل(7 عالم)
أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ ، فقال : كان يضع للروافض ، كذا قال السليماني ، وهذا رجم بالظن الكاذب .
وقال أبو علي الطوماري : كنت مع أبي بكر بن مجاهد في رمضان ، فسمع قراءة ابن جرير فقال : ما ظننت أن الله - تعالى - خلق بشرا يحسن يقرأ هذه القراءة .
وإنما نبز بالتشيع لأنه صحح حديث غدير خم
وقال ابن بالويه الحافظ : قال لي ابن خزيمة : بلغني أنك كتبت " تفسير ابن جرير " ، قلت : بلى كتبته عنه إملاء ، قال : كله ؟ قلت : نعم ، من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين . قال : فاستعاره مني ابن خزيمة ، فرده بعد سنتين ، ثم قال : نظرت فيه من أوله إلى آخره ، فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير ، ولقد ظلمته الحنابلة .
وقال أبو أحمد حسينك التميمي : قال لي ابن خزيمة لما رجعت من الرحلة : سمعت من ابن جرير؟ فقلت : لا ، وكانت الحنابلة منعت الناس من الدخول إليه ، فقال : لو سمعت منه لكان خيرا لك من جميع من سمعت منه سواه .
قال الخطيب : كان ابن جرير أحد أئمة العلماء ، يحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظا لكتاب الله ، عارفا بالقراءات ، بصيرا بالمعاني ، فقيها في الأحكام ، عالما بالسنن وطرقها ، عارفا بأقاويل الصحابة والتابعين ، ومسائل الحلال والحرام ، عارفا بأيام الناس وأخبارهم . وله تصانيف كثيرة ، وتفرد بمسائل حفظت عنه ، بلغني عن أبي حامد الفقيه أنه قال : لو سافر رجل إلى أقصى الصين حتى يحصل " تفسير " ابن جرير لم يكن كثيرا .
وإنما ضره الاشتراك في اسمه واسم أبيه ، ونسبته ، وكنيته ، ومعاصرته ، وكثرة تصانيفه ، والعلم عند الله - تعالى - ، قاله الخطيب
الإمام
صح
بل ابن جرير من كبار أئمة المسلمين المعتمدين ، وما ندعي عصمته من الخطأ ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى ، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أن يتأنى فيه ، ولا سيما في مثل إمام كبير . فلعل السليماني أراد الآتي
ثقة صادق
وقال مسلمة بن قاسم : كان حصورا لا يقرب النساء ، ورحل من بلده في طلب العلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، سنة ست وثلاثين ، فلم يزل طالبا للعلم ، مولعا به إلى أن مات .
روى عن(15)
- محمد بن العلاء بن كريب٣ رواية
- أحمد بن منيع بن عبد الرحمن١ رواية
- إسماعيل بن المتوكل١ رواية
- الحارث بن محمد بن أبي أسامة : داهر١ رواية
- سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية١ رواية
- سفيان بن عيينة بن أبي عمران : ميمون١ رواية
- عثمان بن يحيى بن سعيد١ رواية
- عمرو بن عبد الحميد الأيلي١ رواية
- محمد بن حميد بن حيان١ رواية
- محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي١ رواية
- محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم١ رواية
- محمد بن عمر بن واقد١ رواية
- مكرم بن محرز بن المهدي بن عبد الرحمن بن عمرو بن خويلد بن خليفة بن منقذ بن ربيعة بن حزام بن حبيش بن كعب١ رواية
- موسى بن عبد الرحمن بن سعيد بن مسروق بن معدان بن المرزبان١ رواية
- يحيى بن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود١ رواية
