تأويل مختلف الحديث

مُقَدِّمَةُ ابْنِ قُتَيْبَةَ

تَنَاقُضُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ

ج 1
ص 96

المرجع

الناشر
المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق
الطبعة
الطبعة الثانية- مزيده ومنقحة 1419هـ - 1999م
موضع الطبعة
ج 1 · ص 96

النص

تَنَاقُضُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ كَانَ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ فَنَهَجَ مِنْ قَبِيحِ مَذَاهِبِهِ ، وَشِدَّةِ تَنَاقُضِ قَوْلِهِ ، عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ تَنَاقُضًا مِمَّا أَنْكَرُوهُ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى الْاخْتِلَافِ ، فَالْقَوْلُ بِالْقَدَرِ صَحِيحٌ ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ ، وَالْقَوْلُ بِالْإِجْبَارِ صَحِيحٌ ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا فَهُوَ مُصِيبٌ ، ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ رُبَّمَا دَلَّتْ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَاحْتَمَلَتْ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ .
وَسُئِلَ يَوْمًا عَنْ أَهْلِ الْقَدَرِ وَأَهْلِ الْإِجْبَارِ ، فَقَالَ: كُلٌّ مُصِيبٌ ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عَظَّمُوا اللَّهَ ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ نَزَّهُوا اللَّهَ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَسْمَاءِ ، فَكُلُّ مَنْ سَمَّى الزَّانِيَ مُؤْمِنًا فَقَدْ [1/96]أَصَابَ ، وَمَنْ سَمَّاهُ كَافِرًا فَقَدْ أَصَابَ ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ فَقَدْ أَصَابَ ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ مُنَافِقٌ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ فَقَدْ أَصَابَ ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ وَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ فَقَدْ أَصَابَ ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ فَقَدْ أَصَابَ ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الْمَعَانِي .
قَالَ : وَكَذَلِكَ السُّنَنُ الْمُخْتَلِفَةُ ، كَالْقَوْلِ بِالْقَرْعَةِ وَخِلَافِهِ ، وَالْقَوْلِ بِالسِّعَايَةِ وَخِلَافِهِ ، وَقَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَبِأَيِّ ذَلِكَ أَخَذَ الْفَقِيهُ فَهُوَ مُصِيبٌ .
قَالَ : وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْقَاتِلَ فِي النَّارِ كَانَ مُصِيبًا ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ مُصِيبًا ، وَلَوْ وَقَفَ فِيهِ وَأَرْجَأَ أَمْرَهُ كَانَ مُصِيبًا ، إِذْ كَانَ إِنَّمَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَهُ بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عِلْمُ الْمَغِيبِ .
وَكَانَ يَقُولُ فِي قِتَالِ عَلِيٍّ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَقِتَالِهِمَا لَهُ : إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالْخَلَلِ مَا تَرَى ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْقِيَاسِ وَأَهْلِ النَّظَرِ .