تأويل مختلف الحديث

مُقَدِّمَةُ ابْنِ قُتَيْبَةَ

الرَّدُّ عَلَى أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ

ج 1
ص 61

المرجع

الناشر
المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق
الطبعة
الطبعة الثانية- مزيده ومنقحة 1419هـ - 1999م
موضع الطبعة
ج 1 · ص 61

النص

[1/61]قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَدْ تَدَبَّرْتُ - رَحِمَكَ اللَّهُ - كَلَامَ الْعَايِبِينَ وَالزَّارِينَ فَوَجَدْتُهُمْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ ، وَيَعِيبُونَ النَّاسَ بِمَا يَأْتُونَ ، وَيُبْصِرُونَ الْقَذَى فِي عُيُونِ النَّاسِ ، وَعُيُونُهُمْ تَطْرِفُ عَلَى الْأَجْذَاعِ وَيَتَّهِمُونَ غَيْرَهُمْ فِي النَّقْلِ ، وَلَا يَتَّهِمُونَ آرَاءَهُمْ فِي التَّأْوِيلِ .
وَمَعَانِي الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ وَمَا أَوْدَعَاهُ مِنْ لَطَائِفِ الْحِكْمَةِ وَغَرَائِبِ اللُّغَةِ لَا تُدْرَكُ بِالطَّفْرَةِ وَالتَّوَلُّدِ وَالْعَرْضِ وَالْجَوْهَرِ ، وَالْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ وَالْأَيْنِيَّةِ.
وَلَوْ رَدُّوا الْمُشْكَلَ مِنْهُمَا إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِمَا وَضَحَ لَهُمُ الْمَنْهَجُ ، وَاتَّسَعَ لَهُمُ الْمَخْرَجُ ، وَلَكِنْ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ طَلَبُ الرِّيَاسَةِ وَحُبُّ الْأَتْبَاعِ ، وَاعْتِقَادُ الْإِخْوَانِ بِالْمَقَالَاتِ .
[1/62]وَالنَّاسُ أَسْرَابُ طَيْرٍ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَلَوْ ظَهَرَ لَهُمْ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ ، أَوْ مَنْ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ لَوَجَدَ عَلَى ذَلِكَ أَتْبَاعًا وَأَشْيَاعًا .
وَقَدْ كَانَ يَجِبُ - مَعَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ وَإِعْدَادِ آلَاتِ النَّظَرِ - أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا كَمَا لَا يَخْتَلِفُ الْحُسَّابُ وَالْمُسَّاحُ وَالْمُهَنْدِسُونَ لِأَنَّ آلَتَهُمْ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ وَإِلَّا عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ ، وَكَمَا لَا يَخْتَلِفُ حُذَّاقُ الْأَطِبَّاءِ فِي الْمَاءِ وَفِي نَبْضِ الْعُرُوقِ لِأَنَّ الْأَوَائِلَ قَدْ وَقَّفُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فَمَا بَالُهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ اخْتِلَافًا ، لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فِي الدِّينِ .
فـَ " أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ " يُخَالِفُ " النَّظَّامَ ، " وَالنَّجَّارُ يُخَالِفُهُمَا وَهُشَامُ بْنُ الْحَكَمِ يُخَالِفُهُمْ ، وَكَذَلِكَ ثُمَامَةُ وَمُوَيْسٌ وَهَاشِمٌ الْأَوْقَصُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَبَكْرٌ الْعَمِّيُّ [1/63]وَحَفْصٌ وَقُبَّةُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ.
لَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ إِلَّا وَلَهُ مَذْهَبٌ فِي الدِّينِ ، يُدَانُ بِرَأْيهِ وَلَهُ عَلَيْهِ تَبَعٌ .