النص
[14/417]918 - باب بيان مشكل قول الله تعالى : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى " الآية ، مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك .
6774 - حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير : أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " ، قالت : يا ابن أختي ، هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله ، فيعجبه مالها وجمالها ، ويريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق ، وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن . قال عروة : قالت عائشة : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله تعالى : " وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ " الآية إلى قوله عز وجل : " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " ، قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب ، الآية الأولى التي فيها : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " ، [14/418]قالت عائشة : وقول الله تعالى في الآية الأخرى : " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حتى تكون قليلة المال ، والجمال فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن . .
6775 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة مثله ، وزاد في آخره : إذا كن قليلات المال .
وقد روي هذا الحديث عن عائشة من ناحية الزهري كما قد ذكرنا .
وقد روي عنها من ناحية هشام بن عروة بدون ذلك .
[14/419]6776 - كما حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي ، حدثنا وكيع بن الجراح ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : " وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " قالت عائشة : هذا في اليتيمة تكون عند الرجل يعلم أن تكون شريكته في ماله ، وهو أولى به ، فيرغب عنها لمالها أن ينكحها غيره كراهية أن يشركه في مالها .
وقد روي عن عبد الله بن عباس في تأويلها أيضا مثل الذي روي عن عائشة رضي الله عنها من ذلك .
6777 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا علي بن معبد ، وكما حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا عمرو بن خالد ، قالا : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا " قال ابن عباس : فكما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم ألا تعدلوا [14/420].
6778 - وكما حدثنا روح ، حدثنا حامد بن يحيى ، حدثنا سفيان ، حدثنا أبو سعد ، عن محمد بن أبي موسى ، عن ابن عباس في قوله : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " قال : إن خفتهم عليهن الزنى فانكحوهن .
ففيما روينا عن عائشة ، وعن ابن عباس ما قد دل على إباحة تزويج اليتامى ، وهن اللاتي لا أب لهن ، وهذا يؤكد ما كان أبو حنيفة وأصحابه يذهبون إليه في إجازة تزويج أولياء اليتامى قبل بلوغهن من أنفسهم وغيرهم من الناس .
فقال قائل : هؤلاء اليتامى المذكورات في الآيتين اللتين تلونا في ما رويتم هن اليتامى اللاتي قد بلغن قبل ذلك ، فسمين بذلك لقربهن كان من اليتم ، واحتجوا لذلك بما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
6779 - كما قد حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي أبو زرعة ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، [14/421]عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تستأمر اليتيمة في نفسها ، وإن سكتت فقد أذنت ، وإن أنكرت لم تكره .
6780 - وكما حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا عبيد الله بن محمد التيمي ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو - يعني ابن علقمة - عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اليتيمة تستأمر ، فإن رضيت ، فلها رضاها ، وإن أنكرت فلا جواز عليها [14/422].
6781 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن محمد بن عمرو ، حدثني أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .
قالوا : والاستئذان والاستئمار ، فلا يكون إلا لمن بلغ ، وفي ذلك ما قد دل على أنه قد يجوز أن يطلق اسم اليتيم على من بلغ قبل ذلك ، فمثل ذلك من أطلق عليه اسم اليتيم لقربه كان منه في الآثار التي رويتموها في هذا الباب ، هو أيضا على من بلغ ممن قد كان يتيما قبل ذلك ، فأطلق عليه اسم اليتيم لقربه كان منه .
[14/423]فكان جوابنا له في ذلك : أن الأمر في ذلك ليس كما ذكر ، وأن في الآيتين اللتين تلوناهما في هذه الآثار التي قد روينا ما قد دل أنه أريد بذلك اليتامى غير البالغات ، لأن فيهما : أن أولياءهن نهوا أن ينكحوهن إلا أن يبلغوا بهن أعلى نسائهن في الصداق ، ولو كن بالغات ، لكان أمرهن في صداقهن إنما يرجع فيه إلى ما يرضين به مما قل ومما كثر لا إلى ما سوى ذلك ، لأن الله تعالى قال : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " ، وإذا كان لهن أن يطبن به نفسا لأزواجهن بعد وجوب صدقاتهن عليهم ، كان لهن ذلك قبل وجوب صدقاتهن عليهم بأن يعقد التزويج بينهن وبينهم على ما قد رضين به في ذلك أحرى ، وكان في منع الله إياهن من ذلك في الآيتين اللتين تلونا ما دل أنهن اليتامى اللاتي لا رضى لهن ، وهن غير بالغات .
ثم قد وكد ذلك ما قد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد تقدم ذكرنا له فيما مضى من كتابنا هذا في : باب بيان مشكل لا طلاق إلا بعد نكاح ، من قوله : لا يتم بعد الحلم ، فنفى بذلك أن يكون بعد الحلم يتم .
فقال هذا القائل : فما معنى حديثي أبي موسى وأبي هريرة اللذين قد ذكرت بعد انتفاء البلوغ عن اليتامى المذكورات فيهما ، وفيهما تحقيق الاستئذان والاستئمار ؟
فكان جوابنا له في ذلك : أنه قد يحتمل أن يكون أريد بما فيهما [14/424]اليتامى اللاتي قد عقلن ، وعرف منهن ما تميل قلوبهن إليه مما فيه صلاحهن ، أو بعد قلوبهن مما سوى ذلك مما لا صلاح لهن فيه ، وإن كن لم يبلغن ، وعسى أن يكون مع بعضهن - وإن كن لم يبلغن - من حسن الاختيار أكثر مما مع غيرهن ممن بلغ من ذلك ، ولكنه لا يجاوز فيهن ، وفي من سواهن أمر الله تعالى الذي أمر به في خلقه ، ويكون مما ينبغي لأوليائهن أن يفعلوه فيهن إذا كن كذلك ، وأرادوا تزويجهن لاعتبار ما عندهن في ذلك من ميل إليه ، وفي رغبة عنه ، لأنهن يعرفن من أنفسهن ما لا يعرفه منهن غيرهن ، فيكون ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين فيهن على هذا المعنى لا على ما سواه ، وإذا انتفى ذلك ، ثبت جواز تزويج الأولياء اليتامى اللاتي لم يبلغن ، كما قال من ذهب إلى ذلك من أهل العلم ما قد ذكرناه عنه فيه .
وقد دل على هذا المعنى أيضا ما قد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيه من مذهبه في تزويج الأيتام قبل البلوغ ، مما قد دل : أن تأويل الآيتين اللتين تلونا كان عنده على ما كان تأويلها عليه عند عائشة وابن عباس .
6782 - كما حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا يحيى بن أبي الهيثم ، أخبرنا أبو داود يزيد الأودي ، قال : كنت عند علي بعد العصر ، إذ أتي برجل فقالوا : وجدنا هذا في خربة مراد معه جارية مخضب قميصها بالدم ، فقال له : ويحك ما هذا الذي صنعت ؟ قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، كانت بنت عمي [14/425]يتيمة في حجري وهي غنية في المال ، وأنا رجل قد كبرت وليس لي مال فخشيت إن هي أدركت ما يدرك النساء ترغب عني فتزوجتها ، قال : وهي تبكي ، فقال : أتزوجتيه ؟ فقائل من القوم عنده يقول لها : قولي نعم ، وقائل يقول لها : قولي لا ، فقالت : نعم تزوجته ، فقال : خذ بيد امرأتك .
فيدل ما كان من علي رضي الله عنه في هذا الحديث على أن تأويل الآيتين اللتين تلونا كمثل الذي كان تأويلهما عليه عند عائشة ، وابن عباس مما ذكرنا عنهما ، وفي ذلك ما قد دل على جواز نكاح الرجل من نفسه من هو وليه ، كما يقوله أبو حنيفة ، ومالك وأصحابهما في ذلك ، وبخلاف من يقول : إن الرجل لا يكون مزوجا من نفسه كما لا يكون بائعا من نفسه ، وفي حديث علي الذي ذكرنا ما قد دل أن قول من إليه عقد تزويج قد كنت عقدته مخبرا بذلك : أن القول فيه قوله كما يقول ذلك من يقوله من أهل العلم منهم : أبو يوسف ومحمد ، وبخلاف ما كان أبو حنيفة يقوله فيه ، إن ذلك لا يقبل منه إلا ببينة تقوم عليه فيه .
6774 - حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير : أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " ، قالت : يا ابن أختي ، هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله ، فيعجبه مالها وجمالها ، ويريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق ، وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن . قال عروة : قالت عائشة : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله تعالى : " وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ " الآية إلى قوله عز وجل : " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " ، قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب ، الآية الأولى التي فيها : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " ، [14/418]قالت عائشة : وقول الله تعالى في الآية الأخرى : " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حتى تكون قليلة المال ، والجمال فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن . .
6775 - وحدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة مثله ، وزاد في آخره : إذا كن قليلات المال .
وقد روي هذا الحديث عن عائشة من ناحية الزهري كما قد ذكرنا .
وقد روي عنها من ناحية هشام بن عروة بدون ذلك .
[14/419]6776 - كما حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي ، حدثنا وكيع بن الجراح ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : " وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " قالت عائشة : هذا في اليتيمة تكون عند الرجل يعلم أن تكون شريكته في ماله ، وهو أولى به ، فيرغب عنها لمالها أن ينكحها غيره كراهية أن يشركه في مالها .
وقد روي عن عبد الله بن عباس في تأويلها أيضا مثل الذي روي عن عائشة رضي الله عنها من ذلك .
6777 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا علي بن معبد ، وكما حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا عمرو بن خالد ، قالا : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا " قال ابن عباس : فكما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم ألا تعدلوا [14/420].
6778 - وكما حدثنا روح ، حدثنا حامد بن يحيى ، حدثنا سفيان ، حدثنا أبو سعد ، عن محمد بن أبي موسى ، عن ابن عباس في قوله : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " قال : إن خفتهم عليهن الزنى فانكحوهن .
ففيما روينا عن عائشة ، وعن ابن عباس ما قد دل على إباحة تزويج اليتامى ، وهن اللاتي لا أب لهن ، وهذا يؤكد ما كان أبو حنيفة وأصحابه يذهبون إليه في إجازة تزويج أولياء اليتامى قبل بلوغهن من أنفسهم وغيرهم من الناس .
فقال قائل : هؤلاء اليتامى المذكورات في الآيتين اللتين تلونا في ما رويتم هن اليتامى اللاتي قد بلغن قبل ذلك ، فسمين بذلك لقربهن كان من اليتم ، واحتجوا لذلك بما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
6779 - كما قد حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي أبو زرعة ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، [14/421]عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تستأمر اليتيمة في نفسها ، وإن سكتت فقد أذنت ، وإن أنكرت لم تكره .
6780 - وكما حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا عبيد الله بن محمد التيمي ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو - يعني ابن علقمة - عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اليتيمة تستأمر ، فإن رضيت ، فلها رضاها ، وإن أنكرت فلا جواز عليها [14/422].
6781 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن محمد بن عمرو ، حدثني أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .
قالوا : والاستئذان والاستئمار ، فلا يكون إلا لمن بلغ ، وفي ذلك ما قد دل على أنه قد يجوز أن يطلق اسم اليتيم على من بلغ قبل ذلك ، فمثل ذلك من أطلق عليه اسم اليتيم لقربه كان منه في الآثار التي رويتموها في هذا الباب ، هو أيضا على من بلغ ممن قد كان يتيما قبل ذلك ، فأطلق عليه اسم اليتيم لقربه كان منه .
[14/423]فكان جوابنا له في ذلك : أن الأمر في ذلك ليس كما ذكر ، وأن في الآيتين اللتين تلوناهما في هذه الآثار التي قد روينا ما قد دل أنه أريد بذلك اليتامى غير البالغات ، لأن فيهما : أن أولياءهن نهوا أن ينكحوهن إلا أن يبلغوا بهن أعلى نسائهن في الصداق ، ولو كن بالغات ، لكان أمرهن في صداقهن إنما يرجع فيه إلى ما يرضين به مما قل ومما كثر لا إلى ما سوى ذلك ، لأن الله تعالى قال : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " ، وإذا كان لهن أن يطبن به نفسا لأزواجهن بعد وجوب صدقاتهن عليهم ، كان لهن ذلك قبل وجوب صدقاتهن عليهم بأن يعقد التزويج بينهن وبينهم على ما قد رضين به في ذلك أحرى ، وكان في منع الله إياهن من ذلك في الآيتين اللتين تلونا ما دل أنهن اليتامى اللاتي لا رضى لهن ، وهن غير بالغات .
ثم قد وكد ذلك ما قد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد تقدم ذكرنا له فيما مضى من كتابنا هذا في : باب بيان مشكل لا طلاق إلا بعد نكاح ، من قوله : لا يتم بعد الحلم ، فنفى بذلك أن يكون بعد الحلم يتم .
فقال هذا القائل : فما معنى حديثي أبي موسى وأبي هريرة اللذين قد ذكرت بعد انتفاء البلوغ عن اليتامى المذكورات فيهما ، وفيهما تحقيق الاستئذان والاستئمار ؟
فكان جوابنا له في ذلك : أنه قد يحتمل أن يكون أريد بما فيهما [14/424]اليتامى اللاتي قد عقلن ، وعرف منهن ما تميل قلوبهن إليه مما فيه صلاحهن ، أو بعد قلوبهن مما سوى ذلك مما لا صلاح لهن فيه ، وإن كن لم يبلغن ، وعسى أن يكون مع بعضهن - وإن كن لم يبلغن - من حسن الاختيار أكثر مما مع غيرهن ممن بلغ من ذلك ، ولكنه لا يجاوز فيهن ، وفي من سواهن أمر الله تعالى الذي أمر به في خلقه ، ويكون مما ينبغي لأوليائهن أن يفعلوه فيهن إذا كن كذلك ، وأرادوا تزويجهن لاعتبار ما عندهن في ذلك من ميل إليه ، وفي رغبة عنه ، لأنهن يعرفن من أنفسهن ما لا يعرفه منهن غيرهن ، فيكون ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين فيهن على هذا المعنى لا على ما سواه ، وإذا انتفى ذلك ، ثبت جواز تزويج الأولياء اليتامى اللاتي لم يبلغن ، كما قال من ذهب إلى ذلك من أهل العلم ما قد ذكرناه عنه فيه .
وقد دل على هذا المعنى أيضا ما قد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيه من مذهبه في تزويج الأيتام قبل البلوغ ، مما قد دل : أن تأويل الآيتين اللتين تلونا كان عنده على ما كان تأويلها عليه عند عائشة وابن عباس .
6782 - كما حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا يحيى بن أبي الهيثم ، أخبرنا أبو داود يزيد الأودي ، قال : كنت عند علي بعد العصر ، إذ أتي برجل فقالوا : وجدنا هذا في خربة مراد معه جارية مخضب قميصها بالدم ، فقال له : ويحك ما هذا الذي صنعت ؟ قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، كانت بنت عمي [14/425]يتيمة في حجري وهي غنية في المال ، وأنا رجل قد كبرت وليس لي مال فخشيت إن هي أدركت ما يدرك النساء ترغب عني فتزوجتها ، قال : وهي تبكي ، فقال : أتزوجتيه ؟ فقائل من القوم عنده يقول لها : قولي نعم ، وقائل يقول لها : قولي لا ، فقالت : نعم تزوجته ، فقال : خذ بيد امرأتك .
فيدل ما كان من علي رضي الله عنه في هذا الحديث على أن تأويل الآيتين اللتين تلونا كمثل الذي كان تأويلهما عليه عند عائشة ، وابن عباس مما ذكرنا عنهما ، وفي ذلك ما قد دل على جواز نكاح الرجل من نفسه من هو وليه ، كما يقوله أبو حنيفة ، ومالك وأصحابهما في ذلك ، وبخلاف من يقول : إن الرجل لا يكون مزوجا من نفسه كما لا يكون بائعا من نفسه ، وفي حديث علي الذي ذكرنا ما قد دل أن قول من إليه عقد تزويج قد كنت عقدته مخبرا بذلك : أن القول فيه قوله كما يقول ذلك من يقوله من أهل العلم منهم : أبو يوسف ومحمد ، وبخلاف ما كان أبو حنيفة يقوله فيه ، إن ذلك لا يقبل منه إلا ببينة تقوم عليه فيه .