النص
[11/457]713 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المراد بقول الله عز وجل : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (الآية [ المائدة : 106 ] , وفي حكمها , هل هو باق ؟
أو لحقه نسخ ؟ .
5318 - حدثنا علي بن معبد , حدثنا صالح بن عبد الله الترمذي ، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة للتجارة , فخرج رجل من بني سهم , فتوفي بأرض ليس بها مسلم , فأوصى إليهما بتركته , فدفعا بتركته إلى أهله , وحبسا جاما من فضة مخوصا من ذهب , فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله : ما كتمنا ولا أطلعنا , ثم عرف الجام بمكة عند قوم من أهل مكة , فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم , فقام رجلان من أولياء السهمي , فحلفا بالله : إن هذا لجام السهمي , ولشهادتنا أحق من شهادتهما , وما اعتدينا , إنا إذا لمن الظالمين , فأخذ الجام , وفيهم نزلت هذه الآية .
[11/458][11/459]قال أبو جعفر : ومحمد بن أبي القاسم هذا كوفي ثقة يعرف بالشني , وقد روي عنه غير ابن أبي زائدة , منهم أبو أسامة .
5319 - وحدثنا الحسين بن الحكم الحبري ، حدثنا الحسن بن الحسين العرني ، حدثنا يحيى بن المهلب أبو كدينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله .
[11/460]فقال قائل : فهذه آية قد أنزلها الله في كتابه , وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه بما أنزله عليه فيها ما قد رويته في هذا الباب , وقد روي عن ابن عباس وهو الذي روى هذا الحديث في تمسكه بها , وأنها عنده مما الحكم بما فيها قائم لم يلحقه نسخ .
وذكر 5320 - ما قد حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي , حدثنا المغيرة بن سلمة المخزومي ، حدثنا عبد الواحد بن زياد , حدثنا حبيب بن أبي عمرة قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : قال ابن عباس في قوله عز وجل : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير أهل الإسلام من الكفار إذا لم تجدوا المسلمين .
5321 - وكما حدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الواحد يعني ابن زياد قال : حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير المسلمين [11/461]من أهل الكتاب .
قال أبو جعفر : فهذا يدل على أنها كانت عند ابن عباس محكمة غير منسوخة .
وروي عن أبي موسى الأشعري فيها ما يدل على أن مذهبه كان فيها كمذهب ابن عباس , 5322 - كما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، حدثنا شعبة ، أخبرنا المغيرة الأزرق قال : سمعت الشعبي يقول : قضى أبو موسى الأشعري بدقوقاء بهذه الآية أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (.
[11/462]5323 - وكما حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عيسى بن يونس ، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر قال : خرج رجل من بني خثعم , فتوفي بدقوقاء , فلم يشهد وصيته إلا رجلان نصرانيان من أهله , فأشهدهما على وصيته , فقدما الكوفة فأحلفهما أبو موسى الأشعري دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله الذي لا إله إلا هو ما خانا ولا بدلا ولا كتما , وإنها لوصيته , ثم أجاز شهادتهما .
قال أبو جعفر : فدل ذلك على أنها كانت عنده محكمة غير منسوخة , ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خلافا لهما - يعني ابن عباس وأبا موسى - في ذلك , والله أعلم , ثم التابعون في ذلك قد كان أكثرهم على مثل الذي كانا عليه في ذلك
[11/463]فذكر ما 5324 - حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كتب هشام بن هبيرة إلى شريح يسأله عن شهادة المشركين على المسلمين ؟ فكتب إليه أن لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية , ولا تجوز في وصية إلا أن يكون مسافرا .
5325 - وما قد حدثنا الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا ابن فضيل , حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في السفر , ولا تجوز في السفر إلا [11/464]في الوصية .
قال : فهذا شريح وهو قاضي الخلفاء الراشدين المهديين قد كان مذهبه فيها أيضا أنها محكمة غير منسوخة .
5326 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من أهل الكتاب .
فدل ذلك على ما دل عليه ما قبله .
5327 - وما قد حدثنا الهروي حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة في قوله عز وجل : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (, قال : هي صلاة العصر , قال : [11/465]وقال معمر : قال قتادة مثله .
5328 - وما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا إبراهيم بن الحجاج , حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد قال : سألت عبيدة عنها , فقال : من غير أهل الملة .
فدل ذلك أيضا على مثل ما قد دل عليه ما قبله .
5329 - وما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي , حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (أن يموت المسلم , فيحضر موته مسلمان أو كافران , ولا [11/466]يحضر غير اثنين منهم , فإن رضي ورثته بما غلبا عنه من تركته فذلك , ويحلفان : إنهما صادقان , فإن عثر بلطخ وجد , أو لبس , أو تشبيه , حلف الاثنان للأقربين من الورثة , فاستحقا , وأبطلا أيمان الشاهدين .
فدل ذلك أنها كانت عند مجاهد كما ذكرناها على ما كانت عليه عند غيره .
5330 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا هشيم ، عن المغيرة ، عن إبراهيم , قال المغيرة : وأخبرني من سمع سعيد بن جبير : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قالا : من غير دينكم .
[11/467]5331 - وما قد حدثنا محمد ، حدثنا حجاج ، حدثنا أبو هلال الراسبي ، عن محمد بن سيرين مثله .
فدل ذلك أنها كانت عند إبراهيم , وسعيد بن جبير , وابن سيرين كذلك أيضا .
فكان جوابنا له في ذلك أن الذي ذكره كما ذكره , وأن القول فيه هو القول في هذه الآثار , وقد قال به من فقهاء الأمصار ابن أبي ليلى .
5332 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد , حدثنا بشر بن الوليد قال سمعت أبا يوسف يقول : وكان ابن أبي ليلى يقول في ذلك , فذكر مثل القول الذي ذكرناه عن من تقدم في هذا الباب .
وقال به الأوزاعي .
5333 - كما أجازه لنا محمد بن سنان ، عن محمود بن خالد ، عن عمر بن عبد الواحد قال : سمعت الأوزاعي يقول في رجل مسلم مات في [11/468]قرية ليس فيها مسلمون , فأوصى , قال : يغسلونه ويدفنونه , وتجوز شهادتهم , يعني على وصيته .
وقال به الثوري أيضا .
5334 - كما حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الجزري ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الدعلجي ، عن محمد بن علي بن أبي خداش ، عن المعافى بن عمران قال : وسئل - يعني الثوري - عن شهادة أهل الذمة في السفر , هل يعمل بذلك اليوم ؟ فذكر عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية , ولا تجوز في وصية إلا في السفر , قال سفيان : حيث لا يوجد مسلم , قيل لسفيان : أيؤخذ بها ؟ أو نحو ذلك , فقال : قد عمل بها أبو موسى .
فإن قال قائل : قد روي عن الحسن ما يخالف أقوال هؤلاء الذين ذكرت
[11/469]5335 - فذكر ما قد حدثنا الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا روح ، أخبرنا عوف ، عن الحسن في قوله : اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير أهل قبيلتكم , كلهم من أهل الصلاة , ألا تراه يقول : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (؟
فكان جوابنا له في ذلك أنا لا ندفع أن يكون أهل العلم قد اختلفوا في ذلك , وكيف ندفع أن يكونوا اختلفوا فيه , وأبو حنيفة في أصحابه , ومالك في أصحابه , والشافعي في أصحابه يذهبون إلى أنها بخلاف ما هي عليه ممن قد ذكرنا ؟ فمنهم من يذهب إلى أنها منسوخة بقوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (, وهذا مما لا يقطع فيه على المخالف بقيام الحجة عليه بالنسخ لما قد أنزله الله في كتابه , وعمل به رسوله , وعمل به من عمل به من أصحابه , ولا يجوز أن ينسخ ما قد أجمع على ثبوته إلا لقيام الحجة بما يوجب ذلك فيه .
فأما ما قد ذكرناه مما يستدل به الحسن من قول الله : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (ما قد دل على أنهما من أهل الصلاة , فإن ذلك مما لا دليل عندنا فيه , وإنما ذلك عند كثير من أهل العلم على أنه [11/470]قصد بذلك إلى الوقت الذي يعظمه أهل الأديان جميعا وهو ما بعد صلاة العصر ويتوقونه ويخافون نزول العقوبة بهم عند المعصية فيه , وقد ذكرنا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم , ولهم عذاب أليم ؛ رجل حلف بعد العصر على سلعة أنه أعطي بها كذا وكذا كاذبا " , وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم منا في كتابنا هذا , فإذا كان هذا الاختلاف في هذا كما قد ذكرنا , بقي حكم الآية على ما كان عليه حتى يكون مثله مما يوجب نسخها , وقد كان الزهري وزيد بن أسلم يذهبان إلى أنها مما قد نسخ العمل به .
5336 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا عبد الله بن صالح , حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب , ثم ذكر في اختلاف من ذكره من فقهاء أهل المدينة في ذلك ما قد ذكره فيه , وقال بعقب ذلك : ولا تجوز شهادة كافر على أحد من المسلمين في شيء من الأموال في حضر ولا سفر .
5337 - وكما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن [11/471]عياش ، عن زيد بن أسلم في هذه الآية : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (الآية , قال : ذلك كان في رجل توفي , وليس عنده أحد من أهل الإسلام , وذلك في أول الإسلام والأرض حرب , والناس كفار إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة , وكان الناس يتوارثون بالوصية , ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض , وعمل بها المسلمون .
قال أبو جعفر : وليس في هذا إلى الآن ما يوجب نسخ هذه الآية , والله الموفق للصواب .
أو لحقه نسخ ؟ .
5318 - حدثنا علي بن معبد , حدثنا صالح بن عبد الله الترمذي ، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة للتجارة , فخرج رجل من بني سهم , فتوفي بأرض ليس بها مسلم , فأوصى إليهما بتركته , فدفعا بتركته إلى أهله , وحبسا جاما من فضة مخوصا من ذهب , فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله : ما كتمنا ولا أطلعنا , ثم عرف الجام بمكة عند قوم من أهل مكة , فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم , فقام رجلان من أولياء السهمي , فحلفا بالله : إن هذا لجام السهمي , ولشهادتنا أحق من شهادتهما , وما اعتدينا , إنا إذا لمن الظالمين , فأخذ الجام , وفيهم نزلت هذه الآية .
[11/458][11/459]قال أبو جعفر : ومحمد بن أبي القاسم هذا كوفي ثقة يعرف بالشني , وقد روي عنه غير ابن أبي زائدة , منهم أبو أسامة .
5319 - وحدثنا الحسين بن الحكم الحبري ، حدثنا الحسن بن الحسين العرني ، حدثنا يحيى بن المهلب أبو كدينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله .
[11/460]فقال قائل : فهذه آية قد أنزلها الله في كتابه , وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه بما أنزله عليه فيها ما قد رويته في هذا الباب , وقد روي عن ابن عباس وهو الذي روى هذا الحديث في تمسكه بها , وأنها عنده مما الحكم بما فيها قائم لم يلحقه نسخ .
وذكر 5320 - ما قد حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي , حدثنا المغيرة بن سلمة المخزومي ، حدثنا عبد الواحد بن زياد , حدثنا حبيب بن أبي عمرة قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : قال ابن عباس في قوله عز وجل : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير أهل الإسلام من الكفار إذا لم تجدوا المسلمين .
5321 - وكما حدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الواحد يعني ابن زياد قال : حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير المسلمين [11/461]من أهل الكتاب .
قال أبو جعفر : فهذا يدل على أنها كانت عند ابن عباس محكمة غير منسوخة .
وروي عن أبي موسى الأشعري فيها ما يدل على أن مذهبه كان فيها كمذهب ابن عباس , 5322 - كما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، حدثنا شعبة ، أخبرنا المغيرة الأزرق قال : سمعت الشعبي يقول : قضى أبو موسى الأشعري بدقوقاء بهذه الآية أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (.
[11/462]5323 - وكما حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عيسى بن يونس ، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر قال : خرج رجل من بني خثعم , فتوفي بدقوقاء , فلم يشهد وصيته إلا رجلان نصرانيان من أهله , فأشهدهما على وصيته , فقدما الكوفة فأحلفهما أبو موسى الأشعري دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله الذي لا إله إلا هو ما خانا ولا بدلا ولا كتما , وإنها لوصيته , ثم أجاز شهادتهما .
قال أبو جعفر : فدل ذلك على أنها كانت عنده محكمة غير منسوخة , ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خلافا لهما - يعني ابن عباس وأبا موسى - في ذلك , والله أعلم , ثم التابعون في ذلك قد كان أكثرهم على مثل الذي كانا عليه في ذلك
[11/463]فذكر ما 5324 - حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كتب هشام بن هبيرة إلى شريح يسأله عن شهادة المشركين على المسلمين ؟ فكتب إليه أن لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية , ولا تجوز في وصية إلا أن يكون مسافرا .
5325 - وما قد حدثنا الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا ابن فضيل , حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في السفر , ولا تجوز في السفر إلا [11/464]في الوصية .
قال : فهذا شريح وهو قاضي الخلفاء الراشدين المهديين قد كان مذهبه فيها أيضا أنها محكمة غير منسوخة .
5326 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من أهل الكتاب .
فدل ذلك على ما دل عليه ما قبله .
5327 - وما قد حدثنا الهروي حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة في قوله عز وجل : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (, قال : هي صلاة العصر , قال : [11/465]وقال معمر : قال قتادة مثله .
5328 - وما قد حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا إبراهيم بن الحجاج , حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد قال : سألت عبيدة عنها , فقال : من غير أهل الملة .
فدل ذلك أيضا على مثل ما قد دل عليه ما قبله .
5329 - وما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي , حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (أن يموت المسلم , فيحضر موته مسلمان أو كافران , ولا [11/466]يحضر غير اثنين منهم , فإن رضي ورثته بما غلبا عنه من تركته فذلك , ويحلفان : إنهما صادقان , فإن عثر بلطخ وجد , أو لبس , أو تشبيه , حلف الاثنان للأقربين من الورثة , فاستحقا , وأبطلا أيمان الشاهدين .
فدل ذلك أنها كانت عند مجاهد كما ذكرناها على ما كانت عليه عند غيره .
5330 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا هشيم ، عن المغيرة ، عن إبراهيم , قال المغيرة : وأخبرني من سمع سعيد بن جبير : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قالا : من غير دينكم .
[11/467]5331 - وما قد حدثنا محمد ، حدثنا حجاج ، حدثنا أبو هلال الراسبي ، عن محمد بن سيرين مثله .
فدل ذلك أنها كانت عند إبراهيم , وسعيد بن جبير , وابن سيرين كذلك أيضا .
فكان جوابنا له في ذلك أن الذي ذكره كما ذكره , وأن القول فيه هو القول في هذه الآثار , وقد قال به من فقهاء الأمصار ابن أبي ليلى .
5332 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد , حدثنا بشر بن الوليد قال سمعت أبا يوسف يقول : وكان ابن أبي ليلى يقول في ذلك , فذكر مثل القول الذي ذكرناه عن من تقدم في هذا الباب .
وقال به الأوزاعي .
5333 - كما أجازه لنا محمد بن سنان ، عن محمود بن خالد ، عن عمر بن عبد الواحد قال : سمعت الأوزاعي يقول في رجل مسلم مات في [11/468]قرية ليس فيها مسلمون , فأوصى , قال : يغسلونه ويدفنونه , وتجوز شهادتهم , يعني على وصيته .
وقال به الثوري أيضا .
5334 - كما حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الجزري ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الدعلجي ، عن محمد بن علي بن أبي خداش ، عن المعافى بن عمران قال : وسئل - يعني الثوري - عن شهادة أهل الذمة في السفر , هل يعمل بذلك اليوم ؟ فذكر عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية , ولا تجوز في وصية إلا في السفر , قال سفيان : حيث لا يوجد مسلم , قيل لسفيان : أيؤخذ بها ؟ أو نحو ذلك , فقال : قد عمل بها أبو موسى .
فإن قال قائل : قد روي عن الحسن ما يخالف أقوال هؤلاء الذين ذكرت
[11/469]5335 - فذكر ما قد حدثنا الهروي , حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا روح ، أخبرنا عوف ، عن الحسن في قوله : اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (, قال : من غير أهل قبيلتكم , كلهم من أهل الصلاة , ألا تراه يقول : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (؟
فكان جوابنا له في ذلك أنا لا ندفع أن يكون أهل العلم قد اختلفوا في ذلك , وكيف ندفع أن يكونوا اختلفوا فيه , وأبو حنيفة في أصحابه , ومالك في أصحابه , والشافعي في أصحابه يذهبون إلى أنها بخلاف ما هي عليه ممن قد ذكرنا ؟ فمنهم من يذهب إلى أنها منسوخة بقوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (, وهذا مما لا يقطع فيه على المخالف بقيام الحجة عليه بالنسخ لما قد أنزله الله في كتابه , وعمل به رسوله , وعمل به من عمل به من أصحابه , ولا يجوز أن ينسخ ما قد أجمع على ثبوته إلا لقيام الحجة بما يوجب ذلك فيه .
فأما ما قد ذكرناه مما يستدل به الحسن من قول الله : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (ما قد دل على أنهما من أهل الصلاة , فإن ذلك مما لا دليل عندنا فيه , وإنما ذلك عند كثير من أهل العلم على أنه [11/470]قصد بذلك إلى الوقت الذي يعظمه أهل الأديان جميعا وهو ما بعد صلاة العصر ويتوقونه ويخافون نزول العقوبة بهم عند المعصية فيه , وقد ذكرنا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم , ولهم عذاب أليم ؛ رجل حلف بعد العصر على سلعة أنه أعطي بها كذا وكذا كاذبا " , وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم منا في كتابنا هذا , فإذا كان هذا الاختلاف في هذا كما قد ذكرنا , بقي حكم الآية على ما كان عليه حتى يكون مثله مما يوجب نسخها , وقد كان الزهري وزيد بن أسلم يذهبان إلى أنها مما قد نسخ العمل به .
5336 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا عبد الله بن صالح , حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب , ثم ذكر في اختلاف من ذكره من فقهاء أهل المدينة في ذلك ما قد ذكره فيه , وقال بعقب ذلك : ولا تجوز شهادة كافر على أحد من المسلمين في شيء من الأموال في حضر ولا سفر .
5337 - وكما قد حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن [11/471]عياش ، عن زيد بن أسلم في هذه الآية : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (الآية , قال : ذلك كان في رجل توفي , وليس عنده أحد من أهل الإسلام , وذلك في أول الإسلام والأرض حرب , والناس كفار إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة , وكان الناس يتوارثون بالوصية , ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض , وعمل بها المسلمون .
قال أبو جعفر : وليس في هذا إلى الآن ما يوجب نسخ هذه الآية , والله الموفق للصواب .