النص
[11/413]706 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغرة التي قضى بها في الجنين , وما مقدارها من الدية .
5285 - حدثنا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي ، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ، حدثنا أبي ، عن سعيد يعني ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن حمل بن مالك بن النابغة قال : كانت له امرأتان مليكة وأم عفيف , فرجمت إحداهما الأخرى بحجر , فأصابت قبلها وهي حامل , فألقت جنينا وماتت , فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتلة , وقضى في الجنين غرة عبد أو أمة أو مائة من الشاء , أو عشر من الإبل , فقام أبوها أو رجل من عصبتها , فقال : يا رسول الله ، ما شرب ولا أكل , ولا صاح ولا استهل , ومثل ذلك دمه يطل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء " .
[11/414]فتأملنا هذا الحديث بعد وقوفنا على إجماع أهل العلم في مقدار الغرة الواجبة في الجنين من الدية أنه نصف عشرها , فوجدنا فيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرة أنها عبد أو أمة , فكان في ذلك إعلام الناس بالغرة ما هي , ثم أتبع ذلك بقوله : " أو مئة من الشاء " , فلم يكن ذلك من الغرة في شيء , ولكنه الجزء الذي هو مقدار الغرة من الدية من الشاء ما هو , لأن الدية من الشاء في قول من يجعل الشاء صنفا من أصناف الديات ألفا شاة , فالمئة منها نصف عشرها , وممن كان يجعل الدية من الشاء هذا المقدار أبو يوسف ومحمد بن الحسن , فأما أبو حنيفة , فلم يكن يجعل الدية إلا في الإبل , وفي الدراهم وفي الدنانير خاصة , وأما مالك , فكان يجعلها في الإبل , وفي الدنانير وفي الدراهم , وأما الشافعي , فكان يجعلها في الإبل خاصة , دون ما سواها . وكان ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أولى , ولم يكن ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصده بالدية لقتيل الأنصار إلى مئة من [11/415]الإبل , ولا بقوله في قتيل خطأ العمد فيه مئة من الإبل , فدافع أن تكون الدية أصنافا غير الإبل , ثم قال في هذا الحديث : " أو عشر من الإبل " , فكان هذا عندنا وهما في النقل لخروجه عن أقوال العلماء جميعا , ولتلقيهم إياه بالخلاف له , وكان هذا الحديث إنما دار على أبي المليح , فممن رواه عنه قتادة كما ذكرنا , وقد رواه عنه أيوب السختياني .
5286 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أيوب السختياني قال : سمعت أبا المليح الهذلي ابن أسامة , وكان قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم - هكذا حدثناه الربيع في مسند أسد في نوع ترجم بمسند أسامة الهذلي , فعقلنا بذلك أن مكان " ابن أسامة " : " عن أسامة " , لا سيما وقد قال فيه : وقد كان صحب النبي صلى الله عليه وسلم , وأبو المليح فلم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم , ولا علمناه رآه , والذي صحب النبي صلى الله عليه وسلم هو أبوه , وهو أسامة بن عمير - قال : كان فينا امرأتان , فضربت إحداهما الأخرى بعمود , فقتلتها , وقتلت ما في بطنها , فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة , عبد أو أمة , أو بفرس , أو عشر من الإبل , أو كذا وكذا من الغنم , فقال رجل من رهط القاتلة : كيف نعقل يا رسول الله من لا أكل ولا شرب , ولا صاح ولا استهل , فمثل ذلك يطل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أسجاعة أنت ؟ " فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراث المقتولة لزوجها ولولدها , وأن العقل على عصبة القاتلة .
[11/416]فكان في هذا الحديث زيادة من أيوب على قتادة ذكر " الفرس " , وكان فيه : " أو عشر من الإبل " , كما في حديث قتادة , وكان ذلك عندنا من حديث أيوب , كما هو من حديث قتادة في الوهم في العدد الذي ذكر فيهما من الإبل , لأنه لا اختلاف بين أهل العلم في مقدار الدية من الإبل أنه مئة من الإبل , ونصف العشر منها إنما هو خمس من الإبل لا عشر من الإبل , وممن رواه عنه أيضا سلمة بن تمام وهو أبو عبد الله الشقري .
5287 - كما حدثنا فهد , حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة القرشي , حدثنا المنهال بن خليفة ، عن سلمة بن تمام ، عن أبي المليح ، عن أبيه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم امرأة , فقال : إني تزوجت هذه المرأة , وإن ضرتها ضربت بطنها , فألقت جنينا ميتا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دوه " , وكان معها أخ لها يقال له : عمران بن [11/417]عويمر , فقال : يا رسول الله ، أندي من لا أكل ولا شرب , ولا صاح ولا استهل , ومثله يطل ؟ فقال عليه السلام : " دعني من أراجيز البادية أو أراجيز الأعراب , فيه غرة , عبد أو أمة , أو خمس مئة درهم , أو فرس , أو عشرون ومئة شاة " , قال : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك دينارا ولا درهما ولا شيئا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخيها - وكان يومئذ على صدقات هذيل - : " اقبض من تحت يدك عشرين ومئة شاة " , ففعل .
وكان في هذا الحديث في الغرة أنها عبد أو أمة , أو فرس , وكان فيه أيضا : أو خمس مئة درهم . ففي ذلك ما قد دل على أن الدراهم [11/418]جنس من أجناس الدية , وأن مقدارها منها عشرة آلاف درهم كما يقول الكوفيون في ذلك بخلاف ما يقول الحجازيون فيه , لأن الكوفيين يجعلون مقدار الدية من الدراهم عشرة آلاف , والحجازيون يجعلونها منها اثني عشر ألف درهم , ولهم في ذلك مما قد روي موافقا لما قالوه فيه .
5288 - ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا محمد بن سنان العوقي ، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية اثني عشر ألفا , وفي ذلك نزلت : وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ([ التوبة : 74 ] بأخذهم الدية .
[11/419]فطعن طاعن في هذا الحديث , فقال : قد رواه عن عمرو من هو أحفظ من محمد بن مسلم , وهو سفيان بن عيينة , فلم يذكر فيه ابن عباس .
5289 - وذكر ما قد حدثناه بحر بن نصر ، حدثنا يحيى بن حسان ، حدثنا سفيان ، عن عمرو , عن عكرمة بهذا الحديث , ولم يذكر ابن عباس في هذا الحديث .
فكان من حجتنا لهم عليهم في ذلك أن ابن عيينة قد كان ربما رفع هذا الحديث وذكر فيه ابن عباس , وربما لم يذكر ابن عباس فيه , فممن رواه عنه بإثباته ابن عباس فيه محمد بن ميمون المكي الذي يقال له : الخياط .
5290 - كما حدثنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا محمد بن ميمون ، أخبرنا سفيان ، عن عمرو , عن عكرمة , سمعناه مرة يقول : [11/420]عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باثني عشر ألفا , يعني في الدية .
فعاد هذا الحديث من حديث سفيان ومحمد بن مسلم إلى ابن عباس رضي الله عنه , وكان في هذا الحديث من مقدار الدية من الدراهم ما فيه , وهو اثنا عشر ألف درهم .
وفي حديث أبي مليح ما قد دل على أنها عشرة آلاف , وهذا مما لا يدرك بالاستنباط ولا بالاستخراج , وإنما يقال فيه بالتوقف , والعشرة آلاف قد تيقنا وجوبها ولم نتيقن وجوب ما جاوزها . فكان أولى الأشياء بنا أن لا نقضي في الدية من الدراهم إلا بعشرة آلاف , وفي هذا الحديث : " أو مئة وعشرين من الشاء " , وهذا مما لا نعلم أحدا من العلماء ذهب إليه , وفي إجماعهم على خلافه ما قد دل على فساده , وعلى أن الأولى في ذلك ما في حديث قتادة مما تعود به الدية من الشاء إلى ألفي شاة , غير أن بعض الناس طعن في حديث سلمة بن [11/421]تمام هذا , وذكر أن عبد الله بن المبارك جعله عن عبد الرحمن بن أبي مليح ، عن أبيه وذكر في ذلك .
5291 - ما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا المنهال بن خليفة ، حدثني سلمة بن تمام ، عن عبد الرحمن بن أبي مليح الهذلي ، عن أبيه ، ولم يذكر بعد أبيه أحدا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له : حمل بن مالك ، فضربت إحداهما بطن صاحبتها بعمود فسطاط ، فألقت جنينا ميتا ، فانطلق بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها أخ لها يقال له : عمران ، فقص على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى فيه بغرة ، فقال : أندي من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح ولا استهل ، فمثله يطل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعني من أراجيز أهل البادية ، أو من أراجيز الأعراب ، فيه غرة ، عبد أو أمة ، أو خمس مئة درهم - ولم يذكر ما هي ؟ - أو فرس ، أو عشرون ومئة شاة " ، فقال : يا رسول الله ، إن لها بنين هم سادة الحي أحق بعقلها مني ، فقال : " أنت أحق بالعقل عن أختك من ولدها " ، فقال : ما لنا شيء نعقل ولا ندي ، فقال لحمل بن مالك وهو زوج المرأتين وهو على صدقات هذيل : " اقبض من تحت يدك من صدقات هذيل عشرين ومئة شاة " .
[11/422]فعاد هذا الحديث عن سلمة بن تمام ، عن عبد الرحمن بن أبي المليح ، عن أبيه ، فعاد بذلك منقطعا غير أنه قد يحتمل أن يكون سلمة بن تمام أخذه عن ابن أبي مليح كذلك ، وحدث به أبو مليح ، عن أبيه كما في حديث عثمان بن سعيد بن مرة ، وذلك أولى ما حمل عليه لجلالة عثمان بن سعيد وإتقانه وحفظه ، لا سيما وقد وافقه أيوب في روايته هذا الحديث عن ابن أبي مليح ، عن أبيه ، والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك ، وإياه نسأله التوفيق .
5285 - حدثنا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي ، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ، حدثنا أبي ، عن سعيد يعني ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن حمل بن مالك بن النابغة قال : كانت له امرأتان مليكة وأم عفيف , فرجمت إحداهما الأخرى بحجر , فأصابت قبلها وهي حامل , فألقت جنينا وماتت , فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتلة , وقضى في الجنين غرة عبد أو أمة أو مائة من الشاء , أو عشر من الإبل , فقام أبوها أو رجل من عصبتها , فقال : يا رسول الله ، ما شرب ولا أكل , ولا صاح ولا استهل , ومثل ذلك دمه يطل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء " .
[11/414]فتأملنا هذا الحديث بعد وقوفنا على إجماع أهل العلم في مقدار الغرة الواجبة في الجنين من الدية أنه نصف عشرها , فوجدنا فيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرة أنها عبد أو أمة , فكان في ذلك إعلام الناس بالغرة ما هي , ثم أتبع ذلك بقوله : " أو مئة من الشاء " , فلم يكن ذلك من الغرة في شيء , ولكنه الجزء الذي هو مقدار الغرة من الدية من الشاء ما هو , لأن الدية من الشاء في قول من يجعل الشاء صنفا من أصناف الديات ألفا شاة , فالمئة منها نصف عشرها , وممن كان يجعل الدية من الشاء هذا المقدار أبو يوسف ومحمد بن الحسن , فأما أبو حنيفة , فلم يكن يجعل الدية إلا في الإبل , وفي الدراهم وفي الدنانير خاصة , وأما مالك , فكان يجعلها في الإبل , وفي الدنانير وفي الدراهم , وأما الشافعي , فكان يجعلها في الإبل خاصة , دون ما سواها . وكان ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أولى , ولم يكن ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصده بالدية لقتيل الأنصار إلى مئة من [11/415]الإبل , ولا بقوله في قتيل خطأ العمد فيه مئة من الإبل , فدافع أن تكون الدية أصنافا غير الإبل , ثم قال في هذا الحديث : " أو عشر من الإبل " , فكان هذا عندنا وهما في النقل لخروجه عن أقوال العلماء جميعا , ولتلقيهم إياه بالخلاف له , وكان هذا الحديث إنما دار على أبي المليح , فممن رواه عنه قتادة كما ذكرنا , وقد رواه عنه أيوب السختياني .
5286 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أيوب السختياني قال : سمعت أبا المليح الهذلي ابن أسامة , وكان قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم - هكذا حدثناه الربيع في مسند أسد في نوع ترجم بمسند أسامة الهذلي , فعقلنا بذلك أن مكان " ابن أسامة " : " عن أسامة " , لا سيما وقد قال فيه : وقد كان صحب النبي صلى الله عليه وسلم , وأبو المليح فلم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم , ولا علمناه رآه , والذي صحب النبي صلى الله عليه وسلم هو أبوه , وهو أسامة بن عمير - قال : كان فينا امرأتان , فضربت إحداهما الأخرى بعمود , فقتلتها , وقتلت ما في بطنها , فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة , عبد أو أمة , أو بفرس , أو عشر من الإبل , أو كذا وكذا من الغنم , فقال رجل من رهط القاتلة : كيف نعقل يا رسول الله من لا أكل ولا شرب , ولا صاح ولا استهل , فمثل ذلك يطل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أسجاعة أنت ؟ " فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراث المقتولة لزوجها ولولدها , وأن العقل على عصبة القاتلة .
[11/416]فكان في هذا الحديث زيادة من أيوب على قتادة ذكر " الفرس " , وكان فيه : " أو عشر من الإبل " , كما في حديث قتادة , وكان ذلك عندنا من حديث أيوب , كما هو من حديث قتادة في الوهم في العدد الذي ذكر فيهما من الإبل , لأنه لا اختلاف بين أهل العلم في مقدار الدية من الإبل أنه مئة من الإبل , ونصف العشر منها إنما هو خمس من الإبل لا عشر من الإبل , وممن رواه عنه أيضا سلمة بن تمام وهو أبو عبد الله الشقري .
5287 - كما حدثنا فهد , حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة القرشي , حدثنا المنهال بن خليفة ، عن سلمة بن تمام ، عن أبي المليح ، عن أبيه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم امرأة , فقال : إني تزوجت هذه المرأة , وإن ضرتها ضربت بطنها , فألقت جنينا ميتا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دوه " , وكان معها أخ لها يقال له : عمران بن [11/417]عويمر , فقال : يا رسول الله ، أندي من لا أكل ولا شرب , ولا صاح ولا استهل , ومثله يطل ؟ فقال عليه السلام : " دعني من أراجيز البادية أو أراجيز الأعراب , فيه غرة , عبد أو أمة , أو خمس مئة درهم , أو فرس , أو عشرون ومئة شاة " , قال : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك دينارا ولا درهما ولا شيئا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخيها - وكان يومئذ على صدقات هذيل - : " اقبض من تحت يدك عشرين ومئة شاة " , ففعل .
وكان في هذا الحديث في الغرة أنها عبد أو أمة , أو فرس , وكان فيه أيضا : أو خمس مئة درهم . ففي ذلك ما قد دل على أن الدراهم [11/418]جنس من أجناس الدية , وأن مقدارها منها عشرة آلاف درهم كما يقول الكوفيون في ذلك بخلاف ما يقول الحجازيون فيه , لأن الكوفيين يجعلون مقدار الدية من الدراهم عشرة آلاف , والحجازيون يجعلونها منها اثني عشر ألف درهم , ولهم في ذلك مما قد روي موافقا لما قالوه فيه .
5288 - ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا محمد بن سنان العوقي ، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية اثني عشر ألفا , وفي ذلك نزلت : وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ([ التوبة : 74 ] بأخذهم الدية .
[11/419]فطعن طاعن في هذا الحديث , فقال : قد رواه عن عمرو من هو أحفظ من محمد بن مسلم , وهو سفيان بن عيينة , فلم يذكر فيه ابن عباس .
5289 - وذكر ما قد حدثناه بحر بن نصر ، حدثنا يحيى بن حسان ، حدثنا سفيان ، عن عمرو , عن عكرمة بهذا الحديث , ولم يذكر ابن عباس في هذا الحديث .
فكان من حجتنا لهم عليهم في ذلك أن ابن عيينة قد كان ربما رفع هذا الحديث وذكر فيه ابن عباس , وربما لم يذكر ابن عباس فيه , فممن رواه عنه بإثباته ابن عباس فيه محمد بن ميمون المكي الذي يقال له : الخياط .
5290 - كما حدثنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا محمد بن ميمون ، أخبرنا سفيان ، عن عمرو , عن عكرمة , سمعناه مرة يقول : [11/420]عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باثني عشر ألفا , يعني في الدية .
فعاد هذا الحديث من حديث سفيان ومحمد بن مسلم إلى ابن عباس رضي الله عنه , وكان في هذا الحديث من مقدار الدية من الدراهم ما فيه , وهو اثنا عشر ألف درهم .
وفي حديث أبي مليح ما قد دل على أنها عشرة آلاف , وهذا مما لا يدرك بالاستنباط ولا بالاستخراج , وإنما يقال فيه بالتوقف , والعشرة آلاف قد تيقنا وجوبها ولم نتيقن وجوب ما جاوزها . فكان أولى الأشياء بنا أن لا نقضي في الدية من الدراهم إلا بعشرة آلاف , وفي هذا الحديث : " أو مئة وعشرين من الشاء " , وهذا مما لا نعلم أحدا من العلماء ذهب إليه , وفي إجماعهم على خلافه ما قد دل على فساده , وعلى أن الأولى في ذلك ما في حديث قتادة مما تعود به الدية من الشاء إلى ألفي شاة , غير أن بعض الناس طعن في حديث سلمة بن [11/421]تمام هذا , وذكر أن عبد الله بن المبارك جعله عن عبد الرحمن بن أبي مليح ، عن أبيه وذكر في ذلك .
5291 - ما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا المنهال بن خليفة ، حدثني سلمة بن تمام ، عن عبد الرحمن بن أبي مليح الهذلي ، عن أبيه ، ولم يذكر بعد أبيه أحدا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له : حمل بن مالك ، فضربت إحداهما بطن صاحبتها بعمود فسطاط ، فألقت جنينا ميتا ، فانطلق بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها أخ لها يقال له : عمران ، فقص على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى فيه بغرة ، فقال : أندي من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح ولا استهل ، فمثله يطل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعني من أراجيز أهل البادية ، أو من أراجيز الأعراب ، فيه غرة ، عبد أو أمة ، أو خمس مئة درهم - ولم يذكر ما هي ؟ - أو فرس ، أو عشرون ومئة شاة " ، فقال : يا رسول الله ، إن لها بنين هم سادة الحي أحق بعقلها مني ، فقال : " أنت أحق بالعقل عن أختك من ولدها " ، فقال : ما لنا شيء نعقل ولا ندي ، فقال لحمل بن مالك وهو زوج المرأتين وهو على صدقات هذيل : " اقبض من تحت يدك من صدقات هذيل عشرين ومئة شاة " .
[11/422]فعاد هذا الحديث عن سلمة بن تمام ، عن عبد الرحمن بن أبي المليح ، عن أبيه ، فعاد بذلك منقطعا غير أنه قد يحتمل أن يكون سلمة بن تمام أخذه عن ابن أبي مليح كذلك ، وحدث به أبو مليح ، عن أبيه كما في حديث عثمان بن سعيد بن مرة ، وذلك أولى ما حمل عليه لجلالة عثمان بن سعيد وإتقانه وحفظه ، لا سيما وقد وافقه أيوب في روايته هذا الحديث عن ابن أبي مليح ، عن أبيه ، والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك ، وإياه نسأله التوفيق .