شرح مشكل الآثار

بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ

ج 1
ص 297

المرجع

الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس)
موضع الطبعة
ج 1 · ص 297

النص

[1/297]53 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ (نبي)، وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ سِوَاهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ذَلِكَ فِيهِ .
361 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَني يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ (نبي)، إذْ قَالَ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى إلَى قَوْلِهِ قَلْبِي وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا (نبي)، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ كَمَا لَبِثَ يُوسُفُ (نبي)لَأَجَبْت الدَّاعِيَ ) .
362 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانَ أَبُو عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ، وَلَمْ يَقُلْ إذْ قَالَ : [1/298]رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى .
363 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دَاوُد بْنِ أَبِي زَنْبَرٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ زَكَرِيَّا أَيْضًا سَوَاءً .
364 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، حَدَّثَنا عَمِّي جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ زَكَرِيَّا أَيْضًا سَوَاءً .
فَتَأَمَّلْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ (نبي)إذْ قَالَ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى .
فَوَجَدْنَا إبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ الْآيَةَ الَّتِي لَمْ يَرَ مِثْلَهَا ، وَهُوَ إلْقَاءُ أَعْدَائِهِ إيَّاهُ فِي النَّارِ ، فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ شَيْئًا لِوَحْيِ اللَّهِ إلَيْهَا : يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَكَانَتْ آيَةً مُعْجِزَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا . فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَنْفِيَ الشَّكَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ (نبي)عِنْدَ قَوْلِهِ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [1/299]أَي : إنَّا وَلَمْ نَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْآيَةَ الَّتِي أُرِيَهَا إبْرَاهِيمُ (نبي)فِي نَفْسِهِ ، لَا نَشُكُّ ، فَإِبْرَاهِيمُ (نبي)مَعَ رُؤْيَتِهِ إيَّاهَا فِي نَفْسِهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَشُكَّ ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى لَهُ : أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى ، وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ كان : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى لَمْ يَكُنْ عَلَى الشَّكِّ مِنْهُ ، وَلَكِنْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ طَلَبِهِ إجَابَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَسْأَلَتِهِ إيَّاهُ ، ذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ بِهِ قَلْبُهُ ، وَيَعْلَمَ بِذَلِكَ عُلُوَّ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا (نبي)، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، أَيْ : قَوْلُهُ لِقَوْمِهِ : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ، أَيْ : كَقُوَّةِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، أَيْ : يَنْتَصِفُ بِهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ أَيْ : مِنْ أَرْكَانِ الدُّنْيَا الَّتِي كَانُوا يُؤْذِونَهُ بِمِثْلِهَا ، وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ الرُّكْنُ الشَّدِيدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا رُكْنَ مِثْلُهُ ، وَلَكِنَّهُ جَلَّ وعز إذْ كَانَ [1/300]لَا يَخَافُ الْفَوْتَ رُبَّمَا أَخَّرَ بَعْضَ عُقُوبَاتِ الْمُذْنِبِينَ لِمَا يَشَاءُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا لَهُ مِنْ إمْلَاءٍ أَوْ مِنْ اسْتِدْرَاجٍ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، حَتَّى يُنْزِلَهَا بِهِمْ عِنْدَ مَشِيئَتِهِ ذَلِكَ فِيهِمْ ، كَمَا أَنْزَلَ بِذَوِي مَعَاصِيهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ الَّتِي خَالَفَتْ عَلَيْهِ ، وَخَرَجَتْ عَنْ أَمْرِهِ ، وَعَنَدَتْ عَمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ رُسُلُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ قَوْلِ لُوطٍ (نبي)هَذَا كَانَ مِنْ أَجْلِهِ .
365 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ (نبي)، إنْ كَانَ لَيَأْوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ ) .
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ لُوطٍ (نبي)هَذَا كَانَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ ، يُكَوِّنُونَ لَهُ رُكْنًا يَأْوِي إلَيْهِمْ .
[1/301]وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مِثْلَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ (نبي)لَأَجَبْت الدَّاعِيَ ) ، أَيْ : لِأَنَّ يُوسُفَ (نبي)لَمَّا جَاءَهُ الدَّاعِي قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الْآيَةَ أَيْ : كُنْتُ أَجَبْتُ الدَّاعِيَ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجِي مِنْ السِّجْنِ الَّذِي كُنْت فِيهِ .