محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم ، ابن الباقلاني
الاسم المختصر: ابن الباقلاني
ترجمة الراوي(3 مصدر)
تاريخ الإسلام▼
محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم ، القاضي أبو بكر ابن الباقلاني البصري
الجزء 9 · الصفحة 63
117 - محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم ، القاضي أبو بكر ابن الباقلاني البصري ، صاحب التصانيف في علم الكلام . سكن بغداد ، وكان في فنهِ أوحد زمانه . سمع أبا بكر القطيعي ، وأبا محمد بن ماسي ، وخرج له أبو الفتح بن أبي الفوارس . وكان ثقة عارفا بعلم الكلام ، صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية . وذكره القاضي عياض في " طبقات الفقهاء المالكية " ، فقال : هو الملقب بسيف السنة ولسان الأمة ، المتكلم على لسان أهل الحديث وطريق أبي الحسن الأشعري . وإليه انتهت رياسة المالكيين في وقته . وكان له بجامع المنصور حلقة عظيمة . روى عنه أبو ذر الهروي ، وأبو جعفر محمد بن أحمد السمناني ، والحسين بن حاتم . وقال الخطيب : كان ورده كل ليلة عشرين ترويحة في الحضر والسفر ، فإذا فرغ منها ، كتب خمسا وثلاثين ورقةً من تصنيفه ، سمعت أبا الفرج محمد بن عمران يقول ذلك ، وسمعتُ علي بن محمد الحربي يقول : جميع ما كان يذكر أبو بكر ابن الباقلاني من الخلاف بين الناس صنفه من حفظه ، وما صنف أحد خلافا إلا احتاج أن يُطالع كُتب المخالفين سوى ابن الباقلاني . قلت : وقد أخذ ابن باقلاني علم النظر عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الطائي صاحب الأشعري . وقد ذهب في الرسلية إلى ملك الروم ، وجرت له أمور ، منها أن الملك أدخله عليه من باب خوخة ليدخل راكعا للملك ، ففطن لها ، ودخل بظهره . ومنها : أنه قال لراهبهم : كيف الأهل والأولاد ، فقال له الملك : أما علمت أن الراهب يتنزه عن هذا ؟ فقال : تنزهونه عن هذا ، ولا تنزهون الله تعالى عن الصاحبة والولد ؟ ! وقيل : إن طاغية الروم سأله كيف جرى لعائشة ، وقصد توبيخه ، فقال : كما جرى لمريم ، فبرأ الله المرأتين ، ولم تأتِ عائشة بولد . فأفحمه ، ولم يحر جوابا . قال الخطيب : سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول : كل مصنف ببغداد إنما ينقل من كُتب الناس إلى تصانيفه ، سوى القاضي أبي بكر ، فإن صدره يحوي علمه وعلم الناس . وقال أبو محمد اليافي : لو أوصى رجل بثلث ماله لأفصح الناس ، لوجب أن يدفع إلى أبي بكر الأشعري . وقال الإمام أبو حاتم محمود بن الحسين القزويني : كان ما يضمره القاضي أبو بكر الأشعري من الورع والديانة أضعاف ما كان يُظهره ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنما أظهر ما أظهره غيظا لليهود والنصارى والمعتزلة والرافضة ، لئلا يستحقروا علماء الحق ، وأضمر ما أضمره ؛ فإني رأيت آدم مع حالته نودي عليه بذوقه ، وداود بنظره ، ويوسف بهمه ، ونبينا بخطره ، عليهم السلام . ولبعضهم في أبي بكر ابن الباقلاني : انظر إلى جبل تمشي الرجال به وانظر إلى القبر ما يحوي من الصلفِ وانظر إلى صارم الإسلام متغمدا وانظر إلى دُرة الإسلام في الصدفِ توفي في ذي القعدة لسبع بقين منه ، وصلى عليه ابنه الحسن ، ودُفن بداره ، ثم نُقل إلى مقبرة باب حرب .
سير أعلام النبلاء▼
ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ، أَوْحَدُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، مُقَدَّمُ الْأُصُولِيِّينَ ، الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ، مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ قَاسِمٍ ، الْبَصْرِيُّ ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ ، ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ
الجزء 17 · الصفحة 190
110 - ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ، أَوْحَدُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، مُقَدَّمُ الْأُصُولِيِّينَ ، الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ، مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ قَاسِمٍ ، الْبَصْرِيُّ ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ ، ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ ، وَكَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِفَهْمِهِ وَذَكَائِهِ . سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيَّ ، وَأَبَا مُحَمَّدِ بْنَ مَاسِيٍّ ، وَطَائِفَةً . وَخَرَّجَ لَهُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ . وَكَانَ ثِقَةً إِمَامًا بَارِعًا ، صَنَّفَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ، وَالْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ ، وَانْتَصَرَ لِطَرِيقَةِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ ، وَقَدْ يُخَالِفُهُ فِي مَضَائِقَ ، فَإِنَّهُ مِنْ نُظَرَائِهِ ، وَقَدْ أَخَذَ عِلْمَ النَّظَرِ عَنْ أَصْحَابِهِ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي "" طَبَقَاتِ الْمَالِكِيَّةِ "" فَقَالَ : هُوَ الْمُلَقَّبُ بِسَيْفِ السُّنَّةِ ، وَلِسَانِ الْأُمَّةِ ، الْمُتَكَلِّمُ عَلَى لِسَانِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَطَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ ، وَإِلَيْهِ انْتَهَتْ رِئَاسَةُ الْمَالِكِيَّةِ فِي وَقْتِهِ ، وَكَانَ لَهُ بِجَامِعِ الْبَصْرَةِ حَلْقَةٌ عَظِيمَةٌ . حَدَّثَ عَنْهُ : الْحَافِظُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْنَانِيُّ ، وَقَاضِي الْمَوْصِلِ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ حَاتِمٍ الْأُصُولِيُّ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ كَانَ وِرْدُهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ عِشْرِينَ تَرْوِيحَةً فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا ، كَتَبَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ وَرَقَةً مِنْ تَصْنِيفِهِ . سَمِعْتُ أَبَا الْفَرَجِ مُحَمَّدَ بْنَ عِمْرَانَ يَقُولُ ذَلِكَ . وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ : جَمِيعُ مَا كَانَ يَذْكُرُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ مِنَ الْخِلَافِ بَيْنَ النَّاسِ صَنَّفَهُ مِنْ حِفْظِهِ ، وَمَا صَنَّفَ أَحَدٌ خِلَافًا إِلَّا احْتَاجَ أَنْ يُطَالِعَ كُتُبَ الْمُخَالِفِينَ ، سِوَى ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ . قُلْتُ : أَخَذَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْمَعْقُولَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُجَاهِدٍ الطَّائِيِّ صَاحِبِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ . وَقَدْ سَارَ الْقَاضِي رَسُولًا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَاغِيَةِ الرُّومِ ، وَجَرَتْ لَهُ أُمُورٌ ، مِنْهَا أَنَّ الْمَلِكَ أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ خَوْخَةٍ لِيَدْخُلَ رَاكِعًا لِلْمَلِكِ ، فَفَطِنَ لَهَا الْقَاضِي ، وَدَخَلَ بِظَهْرِهِ . وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ لِرَاهِبِهِمْ : كَيْفَ الْأَهْلُ وَالْأَوْلَادُ ؟ فَقَالَ الْمَلِكُ : مَهْ ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّاهِبَ يَتَنَزَّهُ عَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : تُنَزِّهُونَهُ عَنْ هَذَا ، وَلَا تُنَزِّهُونَ رَبَّ الْعَالَمِينَ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ ! وَقِيلَ : إِنَّ الطَّاغِيَةَ سَأَلَهُ : كَيْفَ جَرَى لِزَوْجَةِ نَبِيِّكُمْ ؟ - يَقْصِدُ تَوْبِيخًا - فَقَالَ : كَمَا جَرَى لِمَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ ، وَبَرَّأَهُمَا اللَّهُ ، لَكِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَأْتِ بِوَلَدٍ . فَأَفْحَمَهُ . قَالَ الْخَطِيبُ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْخُوَارَزْمِيَّ يَقُولُ : كُلُّ مُصَنِّفٍ بِبَغْدَادَ إِنَّمَا يَنْقُلُ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ سِوَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ ، فَإِنَّمَا صَدْرُهُ يَحْوِي عِلْمَهُ وَعِلْمَ النَّاسِ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَافِيُّ : لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِثُلْثِ مَالِهِ لِأَفْصَحِ النَّاسِ لَوَجَبَ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الْأَشْعَرِيِّ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مَحْمُودُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَزْوِينِيُّ : كَانَ مَا يُضْمِرُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْأَشْعَرِيُّ مِنَ الْوَرَعِ وَالدِّينِ أَضْعَافَ مَا كَانَ يُظْهِرُهُ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أُظْهِرُ مَا أُظْهِرُهُ غَيْظًا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ ، لِئَلَّا يَسْتَحْقِرُوا عُلَمَاءَ الْحَقِّ . وَعَمِلَ بَعْضُهُمْ فِي مَوْتِ الْقَاضِي : انْظُرْ إِلَى جَبَلٍ تَمْشِي الرِّجَالُ بِهِ وَانْظُرْ إِلَى الْقَبْرِ مَا يَحْوِي مِنَ الصَّلَفِ وَانْظُرْ إِلَى صَارِمِ الْإِسْلَامِ مُنْغَمِدًا وَانْظُرْ إِلَى دُرَّةِ الْإِسْلَامِ فِي الصَّدَفِ مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ حَسَنٌ ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ مَشْهُودَةً ، وَكَانَ سَيْفًا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُشَبِّهَةِ ، وَغَالِبُ قَوَاعِدِهِ عَلَى السُّنَّةِ ، وَقَدْ أَمَرَ شَيْخُ الْحَنَابِلَةِ أَبُو الْفَضْلِ التَّمِيمِيُّ مُنَادِيًا يَقُولُ بَيْنَ يَدَيْ جِنَازَتِهِ : هَذَا نَاصِرُ السُّنَّةِ وَالدِّينِ ، وَالذَّابُّ عَنِ الشَّرِيعَةِ ، هَذَا الَّذِي صَنَّفَ سَبْعِينَ أَلْفَ وَرَقَةٍ . ثُمَّ كَانَ يَزُورُ قَبْرَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ . قِيلَ : نَاظَرَ أَبُو بَكْرٍ أَبَا سَعِيدٍ الْهَارُونِيَّ ، فَأَسْهَبَ ، وَوَسَّعَ الْعِبَارَةَ ، ثُمَّ قَالَ لِلْجَمَاعَةِ : إِنْ أَعَادَ مَا قُلْتُ ، قَنِعْتُ بِهِ عَنِ الْجَوَابِ . فَقَالَ الْهَارُونِيُّ : بَلْ إِنْ أَعَادَ مَا قَالَهُ ، سَلَّمْتُ لَهُ .
تاريخ بغداد▼
محمد بن الطيب بن محمد ، أبو بكر القاضي ، المعروف بابن الباقلاني
الجزء 3 · الصفحة 364
927 - محمد بن الطيب بن محمد ، أبو بكر القاضي ، المعروف بابن الباقلاني ، المتكلم على مذهب الأشعري ، من أهل البصرة . سكن بغداد ، وسمع بها الحديث من : أبي بكر بن مالك القطيعي ، وأبي محمد بن ماسي ، وأبي أحمد الحسين بن علي النيسابوري . خرج له محمد بن أبي الفوارس ، وحدثنا عنه القاضي أبو جعفر محمد بن أحمد السمناني . وكان ثقة . فأما علم الكلام فكان أعرف الناس به ، وأحسنهم خاطرا ، وأجودهم لسانا ، وأوضحهم بيانا ، وأصحهم عبارة ، وله التصانيف الكثيرة المنتشرة في الرد على المخالفين من الرافضة ، والمعتزلة ، والجهمية ، والخوارج ، وغيرهم . وحدثت أن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها حضر بعض مجالس النظر مع أصحاب له ، إذ أقبل القاضي أبو بكر الأشعري فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه ، وقال لهم : قد جاءكم الشيطان . فسمع القاضي كلامهم ، وكان بعيدا من القوم ، فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه ، وقال لهم : قال الله تعالى : أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أي : إن كنت شيطانا فأنتم كفار ، وقد أرسلت عليكم . حدثنا أبو القاسم علي بن الحسن بن علي أبي عثمان الدقاق وغيره : أن الملك الملقب بعضد الدولة كان قد بعث القاضي أبا بكر بن الباقلاني في رسالة إلى ملك الروم ، فلما ورد مدينته عرف الملك خبره ، وبين له محله من العلم وموضعه ، ففكر الملك في أمره ، وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه ، كما جرى رسم الرعية أن تقبل الأرض بين يدي الملوك ، ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يمكن أحدا أن يدخل منه إلا راكعا ، ليدخل القاضي منه على تلك الحال ، فيكون عوضا من تكفيره بين يديه ، فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضي من الباب ، فسار حتى وصل إلى المكان ، فلما رآه تفكر فيه ، ثم فطن بالقصة فأدار ظهره ، وحنا رأسه راكعا ، ودخل من الباب وهو يمشي إلى خلفه ، وقد استقبل الملك بدبره حتى صار بين يديه ، ثم رفع رأسه ونصب ظهره ، وأدار وجهه حينئذ إلى الملك ، فعجب من فطنته ، ووقعت له الهيبة في نفسه . سمعت أبا الفرج محمد بن عمران الخلال يقول : كان ورد القاضي أبي بكر محمد بن الطيب في كل ليلة عشرين ترويحة ، ما تركها في حضر ولا سفر . قال : وكان كل ليلة إذا صلى العشاء وقضى ورده ، وضع الدواة بين يديه ، وكتب خمسا وثلاثين ورقة تصنيفا من حفظه ، وكان يذكر أن كتبه بالمداد أسهل عليه من الكتب بالحبر ، فإذا صلى الفجر دفع إلى بعض أصحابه ما صنفه في ليلته ، وأمره بقراءته عليه ، وأملى عليه الزيادات فيه . قال أبو الفرج : وسمعت أبا بكر الخوارزمي يقول : كل مصنف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه سوى القاضي أبي بكر ، فإن صدره يحوي علمه وعلم الناس . حدثنا علي بن محمد بن الحسن الحربي المالكي قال : كان القاضي أبو بكر الأشعري يهم بأن يختصر ما يصنفه فلا يقدر على ذلك لسعة علمه وكثرة حفظه ، قال : وما صنف أحد خلافا إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين غير القاضي أبي بكر ، فإن جميع ما كان يذكر خلاف الناس فيه صنفه من حفظه . حدثنا القاضي أبو حامد أحمد بن محمد بن أبي عمرو الأستوائي قال : كان أبو محمد البافي يقول : لو أوصى رجل بثلث ماله أن يدفع إلى أفصح الناس لوجب أن يدفع لأبي بكر الأشعري . حدثني عبد الصمد بن سلامة المقرئ ، عن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله البيضاوي قال : رأيت في المنام كأني دخلت مسجدي الذي أدرس فيه ، فرأيت رجلا جالسا في المحراب ، وآخر يقرأ عليه ، ويتلو تلاوة لا شيء أحسن منها ، فقلت : من هذا القارئ ؟ ومن الذي يقرأ عليه ؟ فقيل لي : أما الجالس في المحراب فهو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأما القارئ عليه فهو أبو بكر الأشعري ، يدرس عليه الشريعة . أنشدني أبو عبد الله محمد بن علي بن دالان قال : أنشدني أبو الحسن علي بن عيسى السكري لنفسه ، يمدح القاضي أبا بكر محمد بن الطيب من قصيدة أولها [ من الكامل ] : يا عتب هل لتعتبي من معتب أم هل لديك لراغب من مرغب إلى أن قال : أنا من علمت فلا تظني غيره صعب على خطب الزمان الأصعب لكنني طوع لكل خريدة رود الشباب وكل خود خرعب من كل ساجية الجفون كأنما ترنو إذا نظرت بعيني ربرب بيضاء أخلصها النعيم كأنما يجلو مجردها حشاشة مقضب ملكت محبات القلوب ببهجة مخلوقة من عفة وتحبب فكأنها من حيث ما قابلتها شيم الإمام محمد بن الطيب اليعربي فصاحة وبلاغة والأشعري إذا اعتزى للمذهب قاض إذا التبس القضاء على الحجا كشفت له الآراء كل مغيب لا يستريح إذا الشكوك تخالجت إلا إلى لب كريم المنصب وصلته همته بأبعد غاية أعيا المريد لها سبيل المطلب أهدى له ثمر القلوب محبة وحباه حسن الذكر من لم يحبب ما زال ينصر دين أحمد صادعا بالحق يهدي للطريق الأصوب والناس بين مضلل ومضلل ومكذب فيما أتى ومكذب حتى انجلت تلك الضلالة واهتدى الـ ساري وأشرق جنح ذاك الغيهب بمحاسن لم تكتسب بتكلف لكنهن سجية لمهذب وبديهة تجني الصواب وإنما تجني الفوائد من لبيب مسهب شرفا أبا بكر وقدرا صاعدا يختب في شرق العلا والمغرب متنقلا من سؤدد في سؤدد ومرددا من منقب في منقب أعذر حسودك في الذي أوليته إذ فاز منه بجد قدح أخيب فلقد حللت من العلاء بذروة صماء تسفر عن حمى المستصعب حييت بك الآمال بعد مماتها والغيث خصب للمكان المجدب فإذا رعين رعين أخصب مرتع وإذا وردن وردن أعذب مشرب وإذا صدرن صدرن أحمد مصدر من خير منتجب لأكرم منجب أنصبت نفسك للثناء فحزته إن الثناء عدو من لم ينصب وإذا الكلام تطاردت فرسانه وتحامت الأقران كل مجرب ألفيته من لبه وجنانه ولسانه وبيانه في مقنب ذو مجلس فلك تضيء بروجه عن كل أزهر كالصباح الأشهب متوقد إلا لديك ضياؤه والشمس تمنع من ضياء الكوكب يا سيدا زرع القلوب مهابة تسقى بماء محبة لم تنضب آنستني فأنست منك بشيمة بيضاء تأنس بالثناء الأطيب فعجزت في وصفيك غير مقصر ونطقت في مدحيك غير مكذب فاسلم سلمت من الزمان وصرفه فلأنت أمرع من ربيع مخصب فإذا سلمت لنا فأية نعمة لم نعطها وبلية لم تسلب حدثني علي بن أبي علي المعدل قال : مات القاضي أبو بكر محمد بن الطيب في يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة . قلت : وصلى عليه ابنه الحسن ، ودفنه في داره بدرب المجوس من نهر طابق ، ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب . أنشدني أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد الفقيه لبعضهم يرثي القاضي أبا بكر محمد بن الطيب [ من البسيط ] : انظر إلى جبل تمشي الرجال به وانظر إلى القبر ما يحوي من الصلف وانظر إلى صارم الإسلام منغمدا وانظر إلى درة الإسلام في الصدف حدثني أبو الفضل عبيد الله بن أحمد بن علي المقرئ قال : مضيت أنا ، وأبو علي بن شاذان ، وأبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي إلى قبر القاضي أبي بكر الأشعري لنترحم عليه ، وذلك بعد موته بشهر ، فرفعت مصحفا كان موضوعا على قبره ، وقلت : اللهم بين لي في هذا المصحف حال القاضي أبي بكر ، وما الذي آل إليه أمره ، ثم فتحت المصحف فوجدت مكتوبا فيه : يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ
جرح وتعديل(6 عالم)
قال أبو بكر الخطيب كان ورده في كل ليلة عشرين ترويحة في الحضر والسفر ، فإذا فرغ منها ، كتب خمسا وثلاثين ورقة من تصنيفه . سمعت أبا الفرج محمد بن عمران يقول ذلك . وسمعت علي بن محمد الحربي يقول : جميع ما كان يذكر أبو بكر بن الباقلاني من الخلاف بين الناس صنفه من حفظه ، وما صنف أحد خلافا إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين ، سوى ابن الباقلاني .
قال الخطيب سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول : كل مصنف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس سوى القاضي أبي بكر ، فإنما صدره يحوي علمه وعلم الناس .
وكان ثقة
وكان يضرب المثل بفهمه وذكائه
وكان ثقة إماما بارعا ، صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة ، والخوارج والجهمية والكرامية ، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري ، وقد يخالفه في مضائق ، فإنه من نظرائه ، وقد أخذ علم النظر عن أصحابه
وكان ثقة عارفا بعلم الكلام ، صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية
الإمام العلامة ، أوحد المتكلمين ، مقدم الأصوليين
وقد أمر شيخ الحنابلة أبو الفضل التميمي مناديا يقول بين يدي جنازته : هذا ناصر السنة والدين ، والذاب عن الشريعة ، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة . ثم كان يزور قبره كل جمعة
وقد ذكره القاضي عياض في "" طبقات المالكية "" فقال : هو الملقب بسيف السنة ، ولسان الأمة ، المتكلم على لسان أهل الحديث ، وطريق أبي الحسن ، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته ، وكان له بجامع البصرة حلقة عظيمة .
