عبد الله بن هارون بن محمد بن أبي جعفر : عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس
الاسم المختصر: المأمون عبد الله بن هارون
ترجمة الراوي(4 مصدر)
الثقات▼
عبد الله بن هارون المأمون
الجزء 2 · الصفحة 328
المأمون بن الرشيد أبو العباس وولي عبد الله بن هارون المأمون أخو محمد ببغداد في اليوم الذي قتل فيه أخوه ، وبايعه الناس بيعة العامة . وكانت أمه أم ولد اسمها مراجل ، توفي المأمون بالبذندون خارج طرسوس على طريق الروم في شهر رجب لإحدى عشرة ليلة خلت منه سنة ثمان عشرة ومائتين ، وحمل إلى طرسوس ، وصلى عليه أخوه أبو إسحاق المعتصم ، ودفن بطرسوس ، وكان له يوم مات ثمان وأربعون سنة وثلاثة أشهر ، وكانت ولايته عشرين سنة وستة أشهر وستة عشر يوما ، وكان مولده بمدينة السلام ، وكان نقش خاتمه : « الله ثقة عبد الله وبه يؤمن » .
تاريخ الإسلام▼
عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد ابن محمد المهدي ابن عبد الله المنصور ، أبو العباس الهاشمي
الجزء 5 · الصفحة 351
212 - عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد ابن محمد المهدي ابن عبد الله المنصور ، أبو العباس الهاشمي . ولد سنة سبعين ومائة عندما استخلف أبوه الرشيد ، وقرأ العلم في صغره ، وسمع من هشيم ، وعباد بن العوام ، ويوسف بن عطية ، وأبي معاوية الضرير ، وطبقتهم . وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس . ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها ، فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن . روى عنه ولده الفضل ، ويحيى بن أكثم ، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي ، والأمير عبد الله بن طاهر ، وأحمد بن الحارث الشيعي ، ودعبل الخزاعي ، وآخرون . وكان من رجال بني العباس حزما وعزما ، وحلما وعلما ، ورأيا ودهاءً ، وهيبةً وشجاعةً ، وسؤددا وسماحة ، وله محاسن وسيرة طويلة . قال ابن أبي الدنيا : كان أبيض ، ربعة ، حسن الوجه ، تعلوه صفرة ، وقد وخطه الشيب . أعين ، طويل اللحية رقيقها . ضيق الجبين ، على خده خال . وقال الجاحظ : كان أبيض فيه صفرة . وكان ساقاه دون جسده صفراوين ، كأنهما طليتان بالزعفران . وقال ابن أبي الدنيا : قدم الرشيد طوس سنة ثلاثٍ وتسعين ، فوجه ابنه المأمون إلى سمرقند . فأتته وفاة أبيه وهو بمرو . وقال غيره : لما خلع الأمين أخاه المأمون من ولاية العهد غضب المأمون ودعا إلى نفسه بخراسان ، فبايعوه في أول سنة ثمانٍ وتسعين ومائة . وقال الخطبي : كان يكنى أبا العباس ، فلما استخلف اكتنى بأبي جعفر . وأمه أم ولد اسمها مراجل ، ماتت أيام نفاسها به . وقال أيضا : دعي للمأمون بالخلافة والأمين حي في آخر سنة خمسٍ وتسعين ، إلى أن قتل الأمين ، فاجتمع الناس عليه ، وتفرقت عماله في البلاد ، وأقيم الموسم سنة ست وسنة سبعٍ باسمه ، وهو مقيم بخراسان . واجتمع الناس عليه ببغداد في أول سنة ثمانٍ . وأتاه الخبر بمرو ، فولى العراق الحسن بن سهل ، فقدمها سنة تسعٍ ، ثم بايع المأمون بالعهد لعلي بن موسى الرضا الحسيني رحمه الله ، ونوه بذكره ، وغير زي آبائه من لبس السواد ، وأبدله بالخضرة . فغضب بنو العباس بالعراق لهذين الأمرين وخلعوه ، وبايعوا إبراهيم عمه ولقبوه " المبارك " . فحاربه الحسن بن سهل ، فهزمه إبراهيم وألحقه بواسط . وأقام إبراهيم بالمدائن . ثم سار جيش الحسن وعليهم حميد الطوسي ، وعلي بن هشام ، فهزموا إبراهيم ، فاختفى وانقطع خبره إلى أن ظهر في وسط خلافة المأمون ، فعفا عنه . وكان المأمون فصيحا مفوها . وكان يقول : معاوية بعمره ، وعبد الملك بحجاجه ، وأنا بنفسي . وقد رويت هذه عن المنصور . وقيل : كان نقش خاتمه : المأمون عبد الله بن عبيد الله . وروي عنه أنه ختم في بعض الرمضانات ثلاثا وثلاثين ختمة . وقال الحسين بن فهم الحافظ : حدثنا يحيى بن أكثم قال : قال لي المأمون : أريد أن أحدث ، فقلت : ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين ؟ فقال : ضعوا لي منبرا . ثم صعد ، فأول حديث : حدثنا عن هشيم ، عن أبي الجهم ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رفع الحديث وقال : " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار " . ثم حدث بنحوٍ من ثلاثين حديثا ثم نزل فقال لي : كيف رأيت يا يحيى مجلسنا ، قلت : أجل مجلس ، تفقه الخاصة والعامة ، فقال : ما رأيت لكم حلاوة . إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر . وقال السراج : حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال : تقدم رجل غريب بيده محبرة إلى المأمون فقال : يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به ، فقال : ما تحفظ في باب كذا ؟ فلم يذكر فيه شيئا ، قال : فما زال المأمون يقول : حدثنا هشيم ، وحدثنا يحيى ، وحدثنا حجاج ، حتى ذكر الباب ، ثم سأله عن باب آخر ، فلم يذكر فيه شيئا ، فقال المأمون : حدثنا فلان ، وحدثنا فلان ، إلى أن قال لأصحابه : يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيامٍ ثم يقول أنا من أصحاب الحديث ، أعطوه ثلاثة دراهم . ومع هذا فكان المأمون مسرفا في الكرم ، جوادا ممدحا ، جاء عنه أنه فرق في ساعة ستةً وعشرين ألف ألف درهم . وكان يشرب النبيذ . وقيل : ، بل كان يشرب الخمر ، فيحرر ذلك . وجاء أنه أجاز أعرابيا مرةً لكونه مدحه بثلاثين ألف دينار . وأما ذكاؤه فمتوقد . روى مسروق بن عبد الرحمن الكندي : حدثني محمد بن المنذر الكندي جار عبد الله بن إدريس قال : حج الرشيد ، فدخل الكوفة وطلب المحدثين . فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس ، وعيسى بن يونس ، فبعث إليهما الأمين والمأمون . فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث ، فقال المأمون : يا عم ، أتأذن أن أعيدها من حفظي ؟ قال : افعل ، فأعادها ، فعجب من حفظه ، ومضيا إلى عيسى فحدثهما ، فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم ، فأبى أن يقبلها وقال : ولا شربة ماء على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى محمد بن عون ، عن ابن عيينة أن المأمون جلس فجاءته امرأة فقالت : يا أمير المؤمنين مات أخي وخلف ستمائة دينار ، فأعطوني دينارا ، وقالوا : هذا نصيبك ، فحسب المأمون وقال : هذا نصيبك . هذا خلف أربع بنات ، قالت : نعم ، قال : لهن أربعمائة دينار . وخلف والدةً فلها مائة دينار . وخلف زوجةً فلها خمسة وسبعون دينارا . بالله ألك اثنا عشر أخا ؟ قالت : نعم ، قال : لكل واحد ديناران ولك دينار . وقال ابن الأعرابي : قال لي المأمون : أخبرني عن قول هند بنت عتبة : نحن بنات طارق نمشي على النمارق من طارق هذا ؟ قال : فنظرت في نسبها فلم أجده ، فقلت : ما أعرف ، قال : إنما أرادت النجم ، انتسبت إليه لحسنها . ثم دحى إلي بعنبرةٍ بعتها بخمسة آلاف درهم . وقال بعضهم عن المأمون : من أراد كتابا سرا فليكتب بلبنٍ حليب حلب لوقته ، ويرسله إلى من يريد فيعمد إلى قرطاس فيحرقه ويذر رماده على الكتابة ، فيقرأ له . وقال الصولي : كان المأمون قد اقترح في الشطرنج أشياء . وكان يحب اللعب بها . وعن بعضهم قال : استخرج المأمون كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس ، وقدم الشام غير مرة . وقال أبو معشر المنجم : كان أمارا بالعدل ، محمود السيرة ، ميمون النقيبة ، فقيه النفس ، يعد مع كبار العلماء . وعن الرشيد قال : إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور ، ونسك المهدي ، وعزة الهادي ، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع ، يعني نفسه ، لنسبته . وقد قدمت محمدا عليه ، وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه ، مبذر لما حوته يده ، يشارك في رأيه الإماء والنساء . ولولا أم جعفر وميل بني هاشم إليه لقدمت عبد الله عليه . وعن المأمون قال : لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إلي بالجرائم ، وأخاف أن لا أؤجر فيه . يعني لكونه طبعا له . وعن يحيى بن أكثم قال : كان المأمون يحلم حتى يغيظنا . وقيل : إن ملاحا مر فقال : أتظنون أن هذا ينبل في عيني وقد قتل أخاه الأمين ؟ فسمعها المأمون فتبسم ، وقال : ما الحيلة حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل ؟ . وعن يحيى بن أكثم قال : كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء ، فجاء رجل عليه ثياب قد شمرها ونعله في يده . فوقف على طرف البساط وقال : السلام عليكم . فرد عليه المأمون ، فقال : أتأذن لي في الدنو ؟ قال : ادن وتكلم ، قال : أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه . جلسته باجتماع الأمة أم بالمغالبة والقهر ؟ قال : لا بهذا ولا بهذا . بل كان يتولى أمر المسلمين من عقد لي ولأخي . فلما صار الأمر لي علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في الشرق والغرب على الرضى بي . فرأيت أني متى خليت الأمر اضطرب حبل الإسلام ومرج عهدهم ، وتنازعوا ، وبطل الجهاد والحج ، وانقطعت السبل . فقمت حياطةً للمسلمين إلى أن يجمعوا على رجلٍ يرضون به ، فأسلم إليه الأمر . فمتى اتفقوا على رجلٍ خرجت له من الأمر ، فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، وذهب ، فوجه المأمون من يكشف خبره . فرجع وقال : يا أمير المؤمنين مضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلا في مثل هيئته ، فقالوا له : ألقيت الرجل ؟ قال : نعم . وأخبرهم بما جرى ، قالوا : ما نرى بما قال بأسا . وافترقوا . فقال المأمون : كفينا مؤونة هؤلاء بأيسر الخطب . وقيل : أهدى ملك الروم إلى المأمون تحفا سنية منها مائة رطل مسك ، ومائة حلة سمور . فقال المأمون : أضعفوها له ليعلم عز الإسلام وذل الكفر . وقيل : دخل رجل من الخوارج على المأمون ، فقال : ما حملك على الخلاف ؟ قال قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال : ألك علمٌ بأنها منزلة ؟ قال : نعم . قال : ما دليلك ؟ قال : إجماع الأمة . قال : فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل ، فارض بإجماعهم في التأويل . قال : صدقت ، السلام عليك يا أمير المؤمنين . وقال محمد بن زكريا الغلابي : حدثنا مهدي بن سابق قال : دخل المأمون يوما ديوان الخراج ، فمر بغلام جميل على أذنه قلم . فأعجبه حسنه فقال : من أنت ؟ قال : الناشئ في دولتك ، وخريج أدبك ، والمتقلب في نعمتك يا أمير المؤمنين ، الحسن بن رجاء ، فقال : يا غلام بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول ، ثم أمر برفع مرتبه عن الديوان ، وأمر له بمائة ألف درهم . وعن إسحاق الموصلي قال : كان المأمون قد سخط على الخليع الشاعر لكونه هجاه عندما قتل الأمين . فبينا أنا ذات يوم عند المأمون إذ دخل الحاجب برقعة ، فاستأذن في إنشادها . فأذن له ، فقال : أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد أعيذك من خلف الملوك فقد ترى تقطع أنفاسي عليك من الوجد أيبخل فرد الحسن عني بنائلٍ قليلٍ وقد أفردته بهوىً فرد إلى أن قال : رأى الله عبد الله خير عباده فملكه والله أعلم بالعبد ألا إنما المأمون للناس عصمة مميزة بين الضلالة والرشد فقال له : أحسنت ، قال : يا أمير المؤمنين أحسن قائلها ، قال : ومن هو ؟ قال : عبيدك الحسين بن الضحاك ، فقال : لا حياه الله ولا بياه . أليس هو القائل : فلا تمت الأشياء بعد محمدٍ ولا زال شمل الملك فيها مبددا ولا فرح المأمون بالملك بعده ولا زال في الدنيا طريدا مشردا هذه بتلك ، ولا شيء له عندنا ، قال الحاجب : فأين عادة عفو أمير المؤمنين ، قال : أما هذه فنعم . ائذنوا له ، فدخل ، فقال له : هل عرفت يوم قتل أخي هاشمية هتكت ؟ قال : لا ، قال : فما معنى قولك : ومما شجى قلبي وكفكف عبرتي محارم من آل الرسول استحلت ومهتوكة بالجلد عنها سجوفها كعابٌ كقرن الشمس حين تبدت فلا بات ليل الشامتين بغبطةٍ ولا بلغت آمالهم ما تمنت فقال : يا أمير المؤمنين ، لوعة غلبتني ، وروعة فاجأتني ، ونعمة سلبتها بعد أن غمرتني . فإن عاقبت فبحقك ، وإن عفوت فبفضلك . فدمعت عينا المأمون وأمر له بجائزة . حكى الصولي أن المأمون كان يحب اللعب بالشطرنج ، واقترح فيه أشياء ، وكان ينهى أن يقال : تعال نلعب ، ويقول : ، بل نتناقل ، ولم يكن بها حاذقا ، فكان يقول : أنا أدبر أمر الدنيا وأتسع لها ، وأضيق عن تدبير شبرين . وله فيها : أرضٌ مربعةٌ حمراء من أدمٍ كما بين إلفين معروفين بالكرم تذاكرا الحرب فاحتالا لها حيلا من غير أن يأثما فيها بسفك دم هذا يغير على هذا وذاك على هذا يغير وعين الحزم لم تنم فانظر إلى فطنٍ جالت بمعرفةٍ في عسكرين بلا طبلٍ ولا علم وقيل : إن المأمون نظر إلى عمه إبراهيم بن المهدي وكان يلقب بالتنين ، فقال : ما أظنك عشقت قط . ثم أنشد : وجه الذي يعشق معروف لأنه أصفر منحوف ليس كمن يأتيك ذا جثةٍ كأنه للذبح معلوف وعن المأمون قال : أعياني جواب ثلاثة . صرت إلى أم ذي الرياستين أعزيها فيه ، فقلت : لا تأسي عليه فإني عوضه لك ، قالت : يا أمير المؤمنين وكيف لا أحزن على ولدٍ أكسبني مثلك ، وأتيت بمتنبئ فقلت : من أنت ؟ قال : أنا موسى بن عمران ، قلت : ويحك ، موسى كانت له آيات فأتني بها حتى أؤمن بك ، قال : إنما أتيت بهذه المعجزات فرعون ، إذ قال أنا ربكم الأعلى . فإن قلت كذلك أتيتك بالآيات . قال : وأتى أهل الكوفة يشكون عاملهم فقال خطيبهم : هو شر عاملٍ . أما في أول سنةٍ فإنا بعنا الأثاث والعقار ، وفي الثانية بعنا الضياع ، وفي الثالثة نزحنا عن بلدنا وأتيناك نستغيث بك . فقلت : كذبت ، بل هو رجل قد حمدت مذهبه ، ورضيت دينه ، واخترته معرفةً مني بكم وتقديم سخطكم على العمال . قال : صدقت يا أمير المؤمنين وكذبت أنا . فقد خصصتنا به هذه المدة دون باقي البلاد ، فاستعمله على بلدٍ آخر ليشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي شملنا . فقلت : قم في غير حفظ الله ، قد عزلته عنكم . ومما ينسب إلى المأمون من الشعر : لساني كتومٌ لأسراركم ودمعي نمومٌ لسري مذيع فلولا دموعي كتمت الهوى ولولا الهوى لم تكن لي دموع وكان قدوم المأمون من خراسان إلى بغداد في سنة أربعٍ ومائتين . دخلها في رابع صفر بأبهةٍ عظيمة ، وتجمل زائد . قال إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي في تاريخه : حكى أبو سليمان داود بن علي ، عن يحيى بن أكثم قال : كنت عند المأمون وعنده جماعة من قواد خراسان ، وقد دعا إلى خلق القرآن حينئذٍ ، فقال لأولئك القواد : ما تقولون في القرآن ؟ فقالوا : كان شيخونا يقولون : ما كان فيه من ذكر الحمير والجمال والبقر فهو مخلوق ، وما كان من سوى ذلك فهو غير مخلوق . فأما إذا قال أمير المؤمنين هو مخلوق ، فنحن نقول كله مخلوق ، فقلت للمأمون : أتفرح بموافقة هؤلاء ؟ قال ابن عرفة : أمر المأمون مناديا فنادى في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية أو ذكره بخير . وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة . فكثر المنكر لذلك ، وكاد البلد يفتتن ولم يلتئم له من ذلك ما أراد ، فكف عنه . يعني كف عنه إلى بعد هذا الوقت . ومن كلام المأمون : الناس ثلاثة ، فمنهم مثل الغذاء لا بد منه على حالٍ من الأحوال ، ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض ، ومنهم كالداء مكروه على كل حالٍ . وعن المأمون قال : لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال . وقال : غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة . لأن غلبة الحجة لا تزول ، وغلبة القدرة تزول بزوالها . وكان المأمون يقول : الملك يغتفر كل شيء إلا القدح في الملك ، وإفشاء السر ، والتعرض للحرم . وقال : أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر ، وإذا أدبر أن يقبل . وقيل للمأمون : أي المجالس أحسن ؟ قال : ما نظر فيه إلى الناس . فلا منظر أحسن من الناس . وكان المأمون معروفا بالتشيع ، فروى أبو داود المصاحفي قال : سمعت النضر بن شميل يقول : دخلت على المأمون فقال : إني قلت اليوم : أصبح ديني الذي أدين به ولست منه الغداة معتذرا حب علي بعد النبي ولا أشتم صديقه ولا عمرا وابن عفانٍ في الجنان مع الأبرار ذاك القتيل مصطبرا وعائش الأم لست أشتمها من يفتريها فنحن منه برا وقد نادى المأمون بإباحة متعة النساء ، ثم لم يزل به يحيى بن أكثم حتى أبطلها ، وروى له حديث الزهري ، عن ابني الحنفية ، عن أبيهما محمد ، عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر . فلما صحح له الحديث رجع إلى الحق . وأما مسألة خلق القرآن فلم يرجع عنها وصمم عليها في سنة ثمان عشرة . وامتحن العلماء ، فعوجل ولم يمهل . توجه غازيا إلى أرض الروم فلما وصل إلى البذندون مرض واشتد به الأمر فأوصى بالخلافة إلى أخيه المعتصم . وكان قد افتتح في غزوته أربعة عشر حصنا ، ورد فنزل على عين البذندون ، فأقام هناك واعتل . قال المسعودي : أعجبه برد ماء العين وصفاؤها ، وطيب الموضع وكثرة الخضرة ، وقد طرح له درهم في العين ، فقرأ ما عليه لفرط صفائها . ولم يقدر أحد أن يسبح فيها لشدة بردها . فرأى سمكة نحو الذراع كأنها الفضة . فجعل لمن يخرجها سيفا ، فنزل فراشٌ فاصطادها وطلع ، فاضطربت وفرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه . ثم نزل الفراش ثانيةً وأخذها . فقال المأمون : تقلى الساعة . ثم أخذته رعدة فغطي باللحف وهو يرتعد ويصيح . فأوقدت حوله نارٌ . ثم أتي بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله . فسأل المعتصم بختيشوع وابن ماسوية عن مرضه ، فجساه ، فوجدا نبضه خارجا عن الاعتدال ، منذرا بالفناء ، ورأيا عرقا سائلا منه كلعاب اللاعية فأنكراه ولم يجداه في كتب الطب ، ثم أفاق المأمون من غمرته ، فسأل عن تفسير اسم المكان بالعربي ، فقيل : " مد رجليك " . فتطير به . وسأل عن اسم البقعة ، فقيل الرقة . وكان فيما علم من مولده أنه يموت بالرقة . فكان يتجنب النزول بالرقة . فلما سمع ذلك من الروم عرف وأيس ، وقال : يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه ، وأجلس المعتصم عنده من يلقنه الشهادة لما ثقل . فرفع الرجل بها صوته ، فقال له ابن ماسوية : لا تصيح ، فوالله ما يفرق الآن بين ربه وبين ماني . ففتح عينيه وبهما من عظم التورم والاحمرار أمر شديد ، وأقبل يحاول بيديه البطش بابن ماسوية ، ورام مخاطبته فعجز ، فرمق بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعا ، وقال في الحال : يا من لا يموت ارحم من يموت . ثم قضى ومات في يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة . فنقله ابنه العباس وأخوه المعتصم لما توفي إلى طرسوس ، فدفن هناك في دار خاقان خادم أبيه .
سير أعلام النبلاء▼
الْمَأْمُونُ الْخَلِيفَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ الْعَبَّاسِيُّ
الجزء 10 · الصفحة 272
72 - الْمَأْمُونُ الْخَلِيفَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ الْعَبَّاسِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ . وَقَرَأَ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ وَالْأَخْبَارَ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَعُلُومَ الْأَوَائِلِ ، وَأَمَرَ بِتَعْرِيبِ كُتُبِهِمْ ، وَبَالَغَ ، وَعَمِلَ الرَّصْدَ فَوْقَ جَبَلِ دِمَشْقَ ، وَدَعَا إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَبَالَغَ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ . وَسَمِعَ مِنْ : هُشَيْمٍ ، وَعُبَيْدِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَيُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَطَائِفَةٍ . رَوَى عَنْهُ : وَلَدُهُ الْفَضْلُ ، وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ الطَّيَالِسِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَمِيرُ ، وَدِعْبِلٌ الشَّاعِرُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ الشِّيعِيُّ . وَكَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي الْعَبَّاسِ حَزْمًا وَعَزْمًا وَرَأْيًا وَعَقْلًا وَهَيْبَةً وَحِلْمًا ، وَمَحَاسِنُهُ كَثِيرَةٌ فِي الْجُمْلَةِ . قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا : كَانَ أَبْيَضَ رَبْعَةً ، حَسَنَ الْوَجْهِ ، تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ ، قَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ ، وَكَانَ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ ، أَعْيَنَ ، ضَيَّقَ الْجَبِينِ ، عَلَى خَدِّهِ شَامَةٌ . أَتَتْهُ وَفَاةُ أَبِيهِ وَهُوَ بِمَرْوَ سَائِرًا لِغَزْوِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ، فَبَايَعَ مَنْ قَبِلَهُ لِأَخِيهِ الْأَمِينِ ، ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهُمَا أُمُورٌ وَخُطُوبٌ وَبَلَاءٌ وَحُرُوبٌ تُشَيِّبُ النَّوَاصِيَ ، إِلَى أَنْ قُتِلَ الْأَمِينُ ، وَبَايَعَ النَّاسُ الْمَأْمُونَ فِي أَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ . قَالَ الْخُطَبِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ ، فَلَمَّا اسْتَخْلَفَ ، اكْتَنَى بِأَبِي جَعْفَرٍ ، وَاسْمُ أُمِّهِ مَرَاجِلُ ، مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا بِهِ . قَالَ : وَدُعِيَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي آخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ ، إِلَى أَنْ قُتِلَ الْأَمِينُ ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ ، ثُمَّ بَايَعَ بِالْعَهْدِ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرَّضى ، وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ ، وَنَبَذَ السَّوَادَ ، وَأَبْدَلَهُ بِالْخُضْرَةِ فَهَاجَتْ بَنُو الْعَبَّاسِ ، وَخَلَعُوا الْمَأْمُونَ ، ثُمَّ بَايَعُوا عَمَّهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ وَلَقَّبُوهُ الْمُبَارَكَ ، وَعَسْكَرُوا ، فَحَارَبَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ ، فَهَزَمُوهُ ، فَتَحَيَّزَ إِلَى وَاسِطٍ ، ثُمَّ سَارَ جَيْشُ الْمَأْمُونِ عَلَيْهِمْ حُمَيْدٌ الطُّوسِيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ ، فَالْتَقَوْا إِبْرَاهِيمَ ، فَهَزَمُوهُ ، فَاخْتَفَى زَمَانًا وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ إِلَى أَنْ ظُفِرَ بِهِ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ ، فَعَفَا عَنْهُ الْمَأْمُونُ . وَكَانَ الْمَأْمُونُ عَالِمًا فَصِيحًا مُفَوَّهًا ، وَكَانَ يَقُولُ : مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بِعُمْرِهِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بِحُجَّاجِهِ ، وَأَنَا بِنَفْسِي . وَقَدْ رُوِّيتُ هَذِهِ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَالَهَا . وَعَنِ الْمَأْمُونِ : أَنَّهُ تَلَا فِي رَمَضَانَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ خَتْمَةً . الْحُسَيْنُ بْنُ فَهْمٍ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ : قَالَ لِي الْمَأْمُونُ : أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَ . قُلْتُ : وَمَنْ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكَ ؟ قَالَ : ضَعُوا لِي مِنْبَرًا ، ثُمَّ صَعِدَ . قَالَ : فَأَوَّلُ مَا حَدَّثَنَا عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : امْرُؤُ الْقَيْسِ صَاحِبُ لِوَاءِ الشُّعَرَاءِ إِلَى النَّارِ ثُمَّ حَدَّثَ بِنَحْوٍ مَنْ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا . وَنَزَلَ ، فَقَالَ : كَيْفَ رَأَيْتَ أَبَا يَحْيَى مَجْلِسَنَا ؟ قُلْتُ : أَجَلُّ مَجْلِسٍ ، تَفَقَّهَ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ . قَالَ : مَا رَأَيْتُ لَهُ حَلَاوَةً ، إِنَّمَا الْمَجْلِسُ لِأَصْحَابِ الْخُلْقَانِ وَالْمَحَابِرِ . أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ قَالَ : تَقَدَّمَ رَجُلٌ غَرِيبٌ بِيَدِهِ مَحْبَرَةٌ إِلَى الْمَأْمُونِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، صَاحِبُ حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ بِهِ . فَقَالَ : مَا تَحْفَظُ فِي بَابِ كَذَا وَكَذَا ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا . فَقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى ، وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَتَّى ذَكَرَ الْبَابَ ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ بَابٍ آخَرَ ، فَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا . فَقَالَ : حَدَّثَنَا فُلَانٌ ، وَحَدَّثَنَا فُلَانٌ . ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : يَطْلُبُ أَحَدُهُمُ الْحَدِيثَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، أَعْطُوهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ . قُلْتُ : وَكَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا مِعْطَاءً ، وَرَدَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي جَلْسَةٍ سِتَّةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَكَانَ يَشْرَبُ نَبِيذَ الْكُوفَةِ ، وَقِيلَ : بَلْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ - فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ أَعْطَى أَعْرَابِيًّا مَدَحَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ . مَسْرُوقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْكِنْدِيُّ جَارٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، قَالَ : حَجَّ الرَّشِيدُ ، فَدَخَلَ الْكُوفَةَ ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ إِلَّا ابْنُ إِدْرِيسَ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمَا الْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ ، فَحَدَّثَهُمَا ابْنُ إِدْرِيسَ بِمِائَةِ حَدِيثٍ ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ : يَا عَمٌّ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعِيدَهَا حِفْظًا ؟ قَالَ : افْعَلْ . فَأَعَادَهَا ، فَعَجِبَ مِنْ حِفْظِهِ . وَمَضَيَا إِلَى عِيسَى ، فَحَدَّثَهُمَا ، فَأَمَرَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَأَبَى ، وَقَالَ : وَلَا شَرْبَةَ مَاءٍ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، أَنَّ الْمَأْمُونَ جَلَسَ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : مَاتَ أَخِي ، وَخَلَّفَ سِتَّ مِائَةِ دِينَارٍ ، فَأَعْطَوْنِي دِينَارًا وَاحِدًا ، وَقَالُوا : هَذَا مِيرَاثُكِ . فَحَسَبَ الْمَأْمُونُ ، وَقَالَ : هَذَا خَلَّفَ أَرْبَعَ بَنَاتٍ . قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ : لَهُنَّ أَرْبَعُ مِائَةِ دِينَارٍ . قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ : وَخَلَّفَ أُمًّا فَلَهَا مِائَةُ دِينَارٍ ، وَزَوْجَةً لَهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِينَارًا . بِاللَّهِ أَلَكِ اثْنَا عَشَرَ أَخًا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ : لِكُلٍّ وَاحِدٍ دِينَارَانِ ، وَلَكِ دِينَارٌ . قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : قَالَ لِي الْمَأْمُونُ : خَبِّرْنِي عَنْ قَوْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ : نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ مَنْ هُوَ طَارِقٌ ؟ فَنَظَرْتُ فِي نَسَبِهَا ، فَلَمْ أَجِدْهُ ، فَقُلْتُ : لَا أَعْرِفُ . قَالَ : إِنَّمَا أَرَادَتِ النَّجْمَ : انْتَسَبَتْ إِلَيْهِ لِحُسْنِهَا . ثُمَّ دَحَا إِلَيَّ بِعَنْبَرَةٍ ، بِعْتُهَا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ . وَعَنِ الْمَأْمُونِ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا سِرًّا ، فَلْيَكْتُبْ بِلَبَنٍ حُلِبَ لِوَقْتِهِ ، وَيُرْسِلْهُ ، فَيَعْمَدُ إِلَى قِرْطَاسٍ ، فَيُحْرِقُهُ ، وَيَذُرُّ رَمَادَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ ، فَيُقْرَأُ لَهُ . قَالَ الصُّولِيُّ : اقْتَرَحَ الْمَأْمُونُ فِي الشَّطْرَنْجِ أَشْيَاءَ ، وَكَانَ يُحِبُّ اللَّعِبَ بِهَا ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ : نَلْعَبُ بِهَا ، بَلْ نَتَنَاقَلُ بِهَا . وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قَالَ : كَانَ الْمَأْمُونُ يَجْلِسُ لِلْمُنَاظَرَةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ قَدْ شَمَّرَ ثِيَابَهُ ، وَنَعْلُهُ فِي يَدِهِ ، فَوَقَفَ عَلَى طَرَفِ الْبِسَاطِ ، وَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . فَرَدَّ الْمَأْمُونُ ، فَقَالَ : أَتَاذَنُ لِي فِي الدُّنُوِّ ؟ قَالَ : ادْنُ ، وَتَكَلَّمْ ، قَالَ : أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْمَجْلِسِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ ، جَلَسْتَهُ بِاجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ أَمْ بِالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ ؟ قَالَ : لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا ، بَلْ كَانَ يَتَوَلَّى أَمْرَ الْأُمَّةِ مَنْ عَقَدَ لِي وَلِأَخِي ، فَلَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيَّ ، عَلِمْتُ أَنِّي مُحْتَاجٌ إِلَى اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرِّضَى بِي ، فَرَأَيْتُ أَنِّي مَتَى خَلَّيْتُ الْأَمْرَ ، اضْطَرَبَ حَبْلُ الْإِسْلَامِ ، وَمَرِجَ عَهْدُهُمْ ، وَتَنَازَعُوا ، وَبَطَلَ الْحَجُّ وَالْجِهَادُ ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، فَقُمْتُ حِيَاطَةً لِلْمُسْلِمِينَ ، إِلَى أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى مَنْ يَرْضَوْنَهُ ، فَأُسَلِّمُ إِلَيْهِ . فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . وَذَهَبَ ، فَوَجَّهَ الْمَأْمُونُ مَنْ يَكْشِفُ خَبَرَهُ ، فَرَجَعَ ، فَقَالَ : مَضَى إِلَى مَسْجِدٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِي هَيْئَتِهِ ، فَقَالُوا : لَقِيتَ الرَّجُلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا جَرَى ، فَقَالُوا : مَا نَرَى بِمَا قَالَ بَأْسًا ، وَافْتَرَقُوا . فَقَالَ الْمَأْمُونُ : كُفِينَا مُؤَنَةَ هَؤُلَاءِ بِأَيْسَرِ الْخَطْبِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْمَأْمُونَ اسْتَخْرَجَ كُتُبَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْيُونَانِ مِنْ جَزِيرَةِ قُبْرُسَ ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ مَرَّتَيْنِ . قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ الْمُنَجِّمُ : كَانَ أَمَّارًا بِالْعَدْلِ ، مَحْمُودَ السِّيرَةِ ، مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ ، فَقِيهَ النَّفْسِ ، يُعَدُّ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ . وَرَوَى عَنِ الرَّشِيدِ ، قَالَ : إِنِّي لَأَعْرِفُ فِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِي حَزْمَ الْمَنْصُورِ ، وَنُسُكَ الْمَهْدِيِّ ، وَعِزَّةَ الْهَادِي ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَنْسُبَهُ إِلَى الرَّابِعِ - يَعْنِي نَفْسَهُ - لَفَعَلْتُ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مُنْقَادٌ إِلَى هَوَاهُ ، مُبَذِّرٌ لِمَا حَوَتْهُ يَدَاهُ ، يُشَارِكُ فِي رَأْيِهِ الْإِمَاءُ ، وَلَوْلَا أَمُّ جَعْفَرٍ وَمَيْلُ الْهَاشِمِيِّينَ إِلَيْهِ ، لَقَدَّمْتُ عَلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ . عَنِ الْمَأْمُونِ قَالَ : لَوْ عَرَفَ النَّاسُ حُبِّي لِلْعَفْوِ ، لَتَقَرَّبُوا إِلَيَّ بِالْجَرَائِمِ وَأَخَافُ أَنْ لَا أَوْجَرَ فِيهِ . وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ : كَانَ الْمَأْمُونُ يَحْلُمُ حَتَّى يُغِيظَنَا ، قِيلَ : مَرَّ مَلَّاحٌ ، فَقَالَ : أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا يَنْبُلُ عِنْدِي وَقَدْ قَتَلَ أَخَاهُ الْأَمِينَ ؟ ! فَسَمِعَهَا الْمَأْمُونُ ، فَتَبَسَّمَ ، وَقَالَ : مَا الْحِيلَةُ حَتَّى أَنْبُلَ فِي عَيْنِ هَذَا السَّيِّدِ الْجَلِيلِ ؟ . قِيلَ : أَهْدَى مِلْكُ الرُّومِ لِلْمَأْمُونِ نَفَائِسَ ، مِنْهَا مِائَةُ رِطْلِ مِسْكٍ ، وَمِائَةُ حُلَّةٍ سَمُّورٍ . فَقَالَ الْمَأْمُونُ : أَضْعِفُوهَا لَهُ لِيَعْلَمَ عِزَّ الْإِسْلَامِ . وَقِيلَ : أُدْخِلَ خَارِجِيٌّ عَلَى الْمَأْمُونِ ، فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى الْخِلَافِ ؟ قَالَ : قَوْلُهُ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قَالَ : أَلَكَ عِلْمٌ بِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَمَا دَلِيلُكَ ؟ قَالَ : إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ . قَالَ : فَكَمَا رَضِيتَ بِإِجْمَاعِهِمْ فِي التَّنْزِيلِ ، فَارْضَ بِإِجْمَاعِهِمْ فِي التَّأْوِيلِ . قَالَ : صَدَقْتَ . السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . الْغَلَابِيُّ : حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : دَخَلَ الْمَأْمُونُ دِيوَانَ الْخَرَاجِ ، فَرَأَى غُلَامًا جَمِيلًا عَلَى أُذُنِهِ قَلَمٌ ، فَأَعْجَبَهُ جَمَالُهُ ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : النَّاشِئُ فِي دَوْلَتِكَ ، وَخِرِّيجُ أَدَبِكَ ، وَالْمُتَقَلِّبُ فِي نِعْمَتِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، حَسَنُ بْنُ رَجَاءٍ ، فَقَالَ : يَا غُلَامُ ، بِالْإِحْسَانِ فِي الْبَدِيهَةِ تَفَاضَلَتِ الْعُقُولُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَفْعِ رُتْبَتِهِ ، وَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ . وَعَنِ الْمَأْمُونِ قَالَ : أَعْيَانِي جَوَابُ ثَلَاثَةٍ : صِرْتُ إِلَى أُمِّ ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ أُعَزِّيهَا فِيهِ ، وَقُلْتُ : لَا تَأْسَيْ عَلَيْهِ ، فَإِنِّي عِوَضُهُ لَكِ ، قَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَيْفَ لَا أَحْزَنُ عَلَى وَلَدٍ أَكْسَبَنِي مِثْلَكَ . قَالَ : وَأَتَيْتُ بِمُتَنَبِّئٍ ، فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ . قُلْتُ : وَيْحَكَ ، مُوسَى كَانَتْ لَهُ آيَاتٌ ، فَائْتِنِي بِهَا حَتَّى أُومِنَ بِكَ . قَالَ : إِنَّمَا أَتَيْتُ بِالْمُعْجِزَاتِ فِرْعَوْنَ ، فَإِنْ قُلْتَ : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى كَمَا قَالَ ، أَتَيْتُكَ بِالْآيَاتِ . وَأَتَى أَهْلُ الْكُوفَةِ يَشْكُونَ عَامِلَهُمْ ، فَقَالَ خَطِيبُهُمْ : هُوَ شَرُّ عَامِلٍ ، أَمَّا فِي أَوَّلِ سَنَةٍ ، فَبِعْنَا الْأَثَاثَ وَالْعَقَارَ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِعْنَا الضِّيَاعَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ نَزَحْنَا وَأَتَيْنَاكَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ ، وَعَرَفْتُ سُخْطَكُمْ عَلَى الْعُمَّالِ . قَالَ : صَدَقْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَذَبْتُ ، قَدْ خَصَصْتَنَا بِهِ مُدَّةً دُونَ بَاقِي الْبِلَادِ ، فَاسْتَعْمِلْهُ عَلَى بَلَدٍ آخَرَ لِيَشْمَلَهُمْ مِنْ عَدْلِهِ وَإِنْصَافِهِ مَا شَمِلَنَا . فَقُلْتُ : قُمْ فِي غَيْرِ حِفْظِ اللَّهِ ، قَدْ عَزَلْتُهُ . أَوَّلُ قُدُومِ الْمَأْمُونِ مِنْ خُرَاسَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ ، فَدَخَلَ بَغْدَادَ فِي مَحْمَلٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ نِفْطَوَيْهِ : حَكَى دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ الْمَأْمُونِ وَعِنْدَهُ قُوَّادُ خُرَاسَانَ ، وَقَدْ دَعَا إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَا تَقُولُونَ فِي الْقُرْآنِ ؟ فَقَالُوا : كَانَ شُيُوخُنَا يَقُولُونَ : مَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْحَمِيرِ وَالْجِمَالِ وَالْبَقْرِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ ، فَأَمَّا إِذْ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : هُوَ مَخْلُوقٌ ، فَنَحْنُ نَقُولُ : كُلُّهُ مَخْلُوقٌ . فَقُلْتُ لِلْمَأْمُونِ : أَتَفْرَحُ بِمُوَافَقَةِ هَؤُلَاءِ ؟ قُلْتُ : وَكَانَ شِيعِيًّا . قَالَ نِفْطَوَيْهِ : بَعَثَ الْمَأْمُونُ مُنَادِيًا ، فَنَادَى فِي النَّاسِ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِمَّنْ تَرَحَّمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، أَوْ ذَكَرَهُ بِخَيْرٍ . وَكَانَ كَلَامُهُ فِي الْقُرْآنِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ ، وَاضْطَرَبُوا ، وَلَمْ يَنَلْ مَقْصُودَهُ ، فَفَتَرَ إِلَى وَقْتٍ . وَعَنِ الْمَأْمُونِ قَالَ : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ مِنْهُمْ مِثْلُ الْغِذَاءِ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَمِنْهُمْ كَالدَّوَاءِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي حَالِ الْمَرَضِ ، وَمِنْهُمْ كَالدَّاءِ مَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَعَنْهُ قَالَ : لَا نُزْهَةَ أَلَذُّ مِنَ النَّظَرِ فِي عُقُولِ الرِّجَالِ . وَعَنْهُ : غَلَبَةُ الْحُجَّةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ غَلَبَةِ الْقُدْرَةِ . وَعَنْهُ : الْمَلِكُ يَغْتَفِرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْقَدْحَ فِي الْمُلْكِ ، وَإِفْشَاءَ السِّرِّ ، وَالتَّعَرُّضَ لِلْحَرَمِ . وَعَنْهُ : أَعْيَتِ الْحِيلَةُ فِي الْأَمْرِ إِذَا أَقْبَلَ أَنْ يُدْبِرَ ، وَإِذَا أَدْبَرَ أَنْ يُقْبِلَ . وَقِيلَ لَهُ : أَيُّ الْمَجَالِسِ أَحْسَنُ ؟ قَالَ : مَا نُظِرَ فِيهِ إِلَى النَّاسِ ، فَلَا مَنْظَرَ أَحْسَنُ مِنَ النَّاسِ . أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ ، فَقُلْتُ : إِنِّي قُلْتُ الْيَوْمَ هَذَا : أَصْبَحَ دِينِي الَّذِي أَدِينُ بِهِ وَلَسْتُ مِنْهُ الْغَدَاةَ مُعْتَذِرًا حُبُّ عَلِيٍّ بَعْدَ النَّبِيِّ وَلَا أَشْتُمُ صَدِيقَهُ وَلَا عُمَرَا وَابْنُ عَفَّانَ فِي الْجِنَانِ مَعَ الْ أَبْرَارِ ذَاكَ الْقَتِيلُ مُصْطَبِرَا وَعَائِشُ الْأُمُّ لَسْتُ أَشْتِمُهَا مَنْ يَفْتَرِيَهَا فَنَحْنُ مِنْهُ بَرَا قِيلَ : إِنَّ الْمَأْمُونَ لِتَشَيُّعِهِ أَمَرَ بِالنِّدَاءِ بِإِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ - مُتْعَةِ النِّسَاءِ - فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ ، فَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِتَحْرِيمِهَا ، فَلَمَّا عَلِمَ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ ، رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ ، وَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ بِتَحْرِيمِهَا . أَمَّا مَسْأَلَةُ الْقُرْآنِ ، فَمَا رَجَعَ عَنْهَا ، وَصَمَّمَ عَلَى امْتِحَانِ الْعُلَمَاءِ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ . وَكَانَ كَثِيرَ الْغَزْوِ ، وَفِي ثَانِي سَنَةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ خَرَجَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ مُحَمَّدُ بْنُ طَبَاطَبَا الْعَلْوِيُّ ، يَدْعُو إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَالْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ ، وَكَانَ مُدِيرَ دَوْلَتِهِ أَبُو السَّرَايَا الشَّيْبَانِيُّ ، وَيُسْرِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وَبَادَرَ إِلَيْهِ الْأَعْرَابُ ، فَالتَقَاهُ عَسْكَرُ الْمَأْمُونِ ، عَلَيْهِمْ زُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، فَانْهَزَمُوا ، وَقَوِيَ أَمْرُ الْعَلَوِيِّ ، ثُمَّ أَصْبَحَ مَيِّتًا فَجْأَةً ، فَقِيلَ : سَمَّهُ أَبُو السَّرَايَا ، وَأَقَامَ فِي الْحَالِ مَكَانَهُ أَمَرَدَ عَلَوِيًّا ، ثُمَّ تَجَهَّزَ لِحَرْبِهِمْ جَيْشٌ ، فَكُسِرُوا ، وَقُتِلَ مُقَدَّمُهُمْ عَبْدُوسٌ الْمَرْوَرُّوذِيُّ ، وَقَوِيَ الطَّالِبِيُّونَ ، وَأَخَذُوا وَاسِطًا وَالْبَصْرَةَ ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ ، ثُمَّ حَشَدَ الْجَيْشَ عَلَيْهِمْ هَرْثَمَةُ ، وَجَرَتْ فُصُولٌ طَوِيلَةٌ . وَالْتَقَوْا غَيْرَ مَرَّةٍ ، ثُمَّ هَرَبَ أَبُو السَّرَايَا وَالطَّالِبِيُّونَ مِنَ الْكُوفَةِ ، ثُمَّ قُتِلَ أَبُو السَّرَايَا سَنَةَ مِائَتَيْنِ ، وَهَاجَتِ الْعَلَوِيَّةُ بِمَكَّةَ ، وَحَارَبُوا ، وَعَظُمَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ ، وَأُعْطِيَ إِمْرَةَ الشَّامِ ، فَلَمْ يَرْضَ بِهَا ، وَذَهَبَ إِلَى مَرْوَ ، فَقَتَلُوهُ . ثُمَّ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ : جَعَلَ الْمَأْمُونُ وَلِيَّ عَهْدِهِ عَلِيًّا الرَّضى وَلَبِسَ الْخُضْرَةَ وَثَارَتِ الْعَبَّاسِيَّةُ ، فَخَلَعُوهُ وَفِيهَا تَحَرَّكَ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ بِأَذْرَبِيجَانَ وَقَتَلَ وَسَبَى ، وَذَكَرَ الرَّضى لِلْمَأْمُونِ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْحَرْبِ وَالْفِتَنِ مُنْذُ قُتِلَ الْأَمِينُ ، وَبِمَا كَانَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ يُخْفِيهِ عَنْهُ مِنَ الْأَخْبَارِ ، وَأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ قَدْ خَرَجُوا ، وَنَقَمُوا أَشْيَاءَ ، ويَقُولُونَ : هُوَ مَسْحُورٌ ، هُوَ مَجْنُونٌ . قَالَ : وَمَنْ يَعْرِفُ هَذَا ؟ قَالَ : عِدَّةٌ مِنْ أُمَرَائِكَ ، فَاسْأَلْهُمْ ، فَأَبَوْا أَنْ يَنْطِقُوا إِلَّا بِأَمَانٍ مِنَ الْفَضْلِ ، فَضَمِنَ ذَلِكَ ، فَبَيَّنُوا لَهُ ، وَأَنَّ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ ، قَدْ أَبْلَى فِي طَاعَتِكَ ، وَفَتَحَ الْأَمْصَارَ ، وَقَادَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخِلَافَةَ ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَصُيِّرَ فِي الرَّقَّةِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْعِرَاقِ حَاكِمًا لَضَبَطَهَا بِخِلَافِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ ، وَقَالُوا لَهُ : فَسِرْ إِلَى الْعِرَاقِ ، فَلَوْ رَآكَ الْقُوَّادُ ، لَأَذْعَنُوا بِالطَّاعَةِ ، فَقَالَ : سِيرُوا . فَلَمَّا عَلِمَ الْفَضْلُ ، ضَرَبَ بَعْضَهُمْ ، وَحَبَسَ آخَرِينَ ، وَمَا أَمْكَنَ الْمَأْمُونَ مُبَادَرَتُهُ ، فَسَارَ مِنْ مَرْوَ إِلَى سَرَخْسَ ، فَشَدَّ قَوْمٌ عَلَى الْفَضْلِ ، فَقَتَلُوهُ فِي حَمَّامٍ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ عَنْ سِتِّينَ سَنَةً ، فَجَعَلَ الْمَأْمُونُ لِمَنْ جَاءَ بِقَاتِلِيهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ - وَكَانُوا أَرْبَعَةً مِنْ مَمَالِيكِ الْمَأْمُونِ - فَقَالُوا : أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِقَتْلِهِ ، فَأَنْكَرَ ، وَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ . وَضَعُفَ أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بَعْدَ مُحَارَبَةٍ وَبَلَاءٍ . وَفِي سَنَةِ 203 : مَاتَ الرَّضى فَجْأَةً . وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ : وَصَلَ الْمَأْمُونُ ، فَتَلَقَّاهُ إِلَى النَّهْرَوَانِ بَنُو الْعَبَّاسِ ، وَبَنُو أَبِي طَالِبٍ ، وَعَتَبُوا عَلَيْهِ فِي لُبْسِ الْخُضْرَةِ ، فَتَوَقَّفَ ، ثُمَّ أَعَادَ السَّوَادَ . وَفِيهَا التَقَى يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ أَمِيرُ الْجَزِيرَةِ بَابَكَ الْخُرَّمِيَّ وَوَلِيَ طَاهِرٌ جَمِيعَ خُرَاسَانَ ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ . وَفِيهَا - أَعْنِي سَنَةَ 205 - نُصِرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَابَكَ ، وَبَيَّتُوهُ . وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ : خَرَجَ بِالْيَمَنِ عَلَوِيٌّ فَأَمَّنَهُ الْمَأْمُونُ وَقُدِّمَ . وَمَاتَ طَاهِرٌ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ كَانَ قَدْ قَطَعَ دَعْوَةَ الْمَأْمُونِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، وَخَرَجَ ، فَقَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ طَلْحَةُ ، فَوَلَّاهُ الْمَأْمُونُ خُرَاسَانَ ، فَبَقِيَ سَبْعَةَ أَعْوَامٍ ، وَمَاتَ ، فَوَلِيَهَا أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ . وَكَانَتِ الْحُرُوبُ شَدِيدَةً بَيْنَ عَسْكَرِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ بَابَكَ ، وَظَهَرَ بِالْيَمَنِ الصَّنَادِيقِيُّ ، وَقَتَلَ ، وَسَبَى ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ ، ثُمَّ هَلَكَ بِالطَّاعُونِ . وَخَرَجَ حَسَنٌ أَخُو طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بِكَرْمَانَ ، فَظَفِرَ بِهِ الْمَأْمُونُ ، وَعَفَا عَنْهُ . وَكَانَ الْمَأْمُونُ يُجِلُّ أَهْلَ الْكَلَامِ ، وَيَتَنَاظَرُونَ فِي مَجْلِسِهِ ، وَسَارَ صَدَقَةُ بْنُ عَلِيٍّ لِحَرْبِ " بَابَكَ " ، فَأَسَرَهُ " بَابَكُ " وَتَمَرَّدَ وَعَتَا . وَفِي سَنَةِ عَشْرٍ : دَخَلَ الْمَأْمُونُ بِبُورَانَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ بِوَاسِطٍ ، وَأَقَامَ عِنْدَهَا بِجَيْشِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَكَانَتْ نَفَقَةُ الْحَسَنِ عَلَى الْعُرْسِ وَتَوَابِعِهِ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَمَلَّكَهُ الْمَأْمُونُ مَدِينَةً ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْمَالِ خَمْسَ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ . وَفِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ : قَهَرَ ابْنُ طَاهِرٍ الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَى مِصْرَ ، وَأَسَرَ جَمَاعَةً . وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ : سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الطُّوسِيُّ لِمُحَارَبَةِ بَابَكَ ، وَأَظْهَرَ الْمَأْمُونُ تَفْضِيلَ عَلِيٍّ عَلَى الشَّيْخَيْنِ ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مِصْرَ وَالشَّامِ أَخَاهُ الْمُعْتَصِمَ ، فَقَتَلَ طَائِفَةً ، وَهَذَّبَ مِصْرَ ، وَوَقَعَ الْمَصَافُّ مَعَ بَابَكَ مَرَّاتٍ . وَفِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ : سَارَ الْمَأْمُونُ لِغَزْوِ الرُّومِ ، وَمِنْ غَزْوَتِهِ عَطَفَ إِلَى دِمَشْقَ . وَفِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ : كَرَّ غَازِيًّا فِي الرُّومِ ، وَجَهَّزَ أَخَاهُ الْمُعْتَصِمَ ، فَفَتَحَ حُصُونًا ، وَدَخَلَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِصْرَ ، وَقَتَلَ الْمُتَغَلِّبَ عَلَيْهَا عَبْدُوسًا الْفِهْرِيَّ ، ثُمَّ كَرَّ إِلَى أُذَنَةَ ، وَسَارَ ، فَنَازَلَ " لُؤْلُؤَةَ " وَحَاصَرَهَا مِائَةَ يَوْمٍ ، وَتَرَحَّلَ . وَأَقْبَلَ تُوفِيلُ طَاغِيَةُ الرُّومِ ثُمَّ وَقَعَتِ الْهُدْنَةُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ تُوفِيلُ ، فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ ، وَأَغْلَظَ فِي الْمُكَاتَبَةِ فَغَضِبَ الْمَأْمُونُ ، وَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ ، فَهَجَمَ الشِّتَاءُ . وَفِيهَا وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِالْبَصْرَةِ أَذْهَبَ أَكْثَرَهَا . وَفِي سَنَةِ " 218 " : اهْتَمَّ الْمَأْمُونُ بِبِنَاءِ طُوَانَةَ ، وَحَشَدَ لَهَا الصُّنَّاعَ ، وَبَنَاهَا مِيلًا فِي مِيلٍ ، وَهِيَ وَرَاءَ " طَرْسُوسَ " ، وَافْتَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ وَبَالَغَ فِي مِحْنَةِ الْقُرْآنِ ، وَحَبَسَ إِمَامَ الدِّمَشْقِيِّينَ أَبَا مُسْهِرٍ ، بَعْدَ أَنْ وَضَعَهُ فِي النِّطْعِ لِلْقَتْلِ ، فَتَلَفَّظَ مُكْرَهًا . وَكَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى الْعِرَاقِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخُزَاعِيِّ كِتَابًا يَمْتَحِنُ الْعُلَمَاءَ ، يَقُولُ فِيهِ : " وَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ الْجُمْهُورَ الْأَعْظَمَ وَالسَّوَادَ مِنْ حَشْوِ الرَّعِيَّةِ وَسَفَلَةِ الْعَامَّةِ ، مِمَّنْ لَا نَظَرَ لَهُمْ وَلَا رَوِيَّةَ ، أَهْلُ جَهَالَةٍ وَعَمًى عَنْ أَنْ يَعْرِفُوا اللَّهَ كُنْهَ مَعْرِفَتِهِ ، وَيُقَدِّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ ، وَيُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ ، فَسَاوَوْا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ ، وَأَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ ، لَمْ يَخْتَرِعْهُ اللَّهُ ، وَقَدْ قَالَ : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا فَكُلُّ مَا جَعَلَهُ فَقَدْ خَلَقَهُ ، كَمَا قَالَ : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ وَقَالَ : نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَصَصٌ لِأُمُورٍ أَحْدَثَهُ بَعْدَهَا . وَقَالَ : أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ وَاللَّهُ مُحْكِمٌ لَهُ ، فَهُوَ خَالِقُهُ وَمُبْدِعُهُ . . . إِلَى أَنْ قَالَ : فَمَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السَّمْتِ الْكَاذِبِ وَالتَّخَشُّعِ لِغَيْرِ اللَّهِ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ ، فَرَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ شَرُّ الْأُمَّةِ وَلَعَمْرُو أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ أَكْذَبَ النَّاسِ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَوَحْيِهِ ، وَلَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ . فَاجْمَعِ الْقُضَاةَ ، وَامْتَحِنْهُمْ ، فِيمَا يَقُولُونَ ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنِّي غَيْرُ مُسْتَعِينٍ فِي عَمَلٍ ، وَلَا وَاثِقٍ بِمَنْ لَا يُوثَقُ بِدِينِهِ ، فَإِنْ وَافَقُوا فَمُرْهُمْ بِنَصِّ مَنْ بِحَضْرَتِهِمْ مِنَ الشُّهُودِ ، وَمَسْأَلَتِهِمْ عَنْ عِلْمِهِمْ فِي الْقُرْآنِ ، وَرُدَّ شَهَادَةَ مَنْ لَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ . وَكَتَبَ الْمَأْمُونُ - أَيْضًا - فِي أَشْخَاصٍ سَبْعَةٍ ، مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، وَابْنِ مَعِينٍ ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْمُسْتَمْلِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ دَاوُدَ ، وَأَحْمَدَ الدَّوْرَقِيِّ ، فَامْتُحِنُوا فَأَجَابُوا - قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : جَبُنَّا خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ - وَكَتَبَ بِإِحْضَارِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ : أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَبِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَأَبِي حَسَّانَ الزِّيَادِيِّ ، وَالْقَوَارِيرِيِّ ، وَسَجَّادَةَ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي مُقَاتِلٍ ، وَذَيَّالِ بْنِ الْهَيْثَمِ ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَسَعْدَوَيْهِ ، فِي عِدَّةٍ ، فَتَلَكَّأَ طَائِفَةٌ ، وَصَمَّمَ أَحْمَدُ وَابْنُ نُوحٍ ، فَقُيِّدَا ، وَبُعِثَ بِهِمَا ، فَلَمَّا بَلَغَا الرَّقَّةَ ، تَلَقَّاهُمْ مَوْتُ الْمَأْمُونِ ، وَكَانَ مَرِضَ بِأَرْضِ الثَّغْرِ ، فَلَمَّا احْتُضِرَ ، طَلَبَ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ لِيَقْدَمَ ، فَوَافَاهُ بِآخِرِ رَمَقٍ ، وَقَدْ نَفِذَتِ الْكُتُبُ إِلَى الْبُلْدَانِ ، فِيهَا : " مِنَ الْمَأْمُونِ وَأَخِيهِ أَبِي إِسْحَاقَ الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ " فَقِيلَ : وَقَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَأْمُونِ ، وَقِيلَ : بَلْ بِأَمْرِهِ . وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هَارُونَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّهُ خَالِقٌ ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ ، وَلَا يَخْلُو الْقُرْآنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ ، وَاللَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ ، وَالْبَعْثُ حَقٌّ ، وَإِنِّي مُذْنِبٌ ، أَرْجُو وَأَخَافُ ، وَلْيُصَلِّ عَلَيَّ أَقْرَبُكُمْ ، وَلْيُكَبِّرْ خَمْسًا ، فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا اتَّعَظَ وَفَكَّرَ فِيمَا حَتَمَ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنَ الْفَنَاءِ ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِالْبَقَاءِ ، ثُمَّ لِيَنْظُرِ امْرُؤٌ مَا كُنْتُ فِيهِ مِنْ عِزِّ الْخِلَافَةِ ، هَلْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا إِذْ نَزَلَ أَمْرُ اللَّهِ بِي ؟ لَا وَاللَّهِ ، لَكِنْ أُضْعِفُ بِهِ عَلَى الْحِسَابِ ، فَيَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا ، يَا أَخِي ، ادْنُ مِنِّي ، وَاتَّعِظْ بِمَا تَرَى ، وَخُذْ بِسِيرَةِ أَخِيكَ فِي الْقُرْآنِ ، وَاعْمَلْ فِي الْخِلَافَةِ إِذْ طَوَّقَكَهَا اللَّهُ عَمَلَ الْمُرِيدِ لِلَّهِ ، الْخَائِفِ مِنْ عِقَابِهِ ، وَلَا تَغْتَرَّ فَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكَ الْمَوْتُ ، وَلَا تُغْفِلْ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ ، الرَّعِيَّةَ الرَّعِيَّةَ ، فَإِنَّ الْمُلْكَ بِهِمْ ، اللَّهَ اللَّهَ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ ، يَا أَبَا إِسْحَاقَ ، عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ ، لَتَقُومَنَّ بِحَقِّهِ فِي عِبَادِهِ ، وَلَتُؤْثِرَنَّ طَاعَتَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ . هَؤُلَاءِ بَنُو عَمِّكَ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، أَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ ، وَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ . ثُمَّ مَاتَ فِي رَجَبٍ ، فِي ثَانِي عَشَرِهِ ، سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ وَلَهُ ثَمَانٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً ، تُوُفِّيَ بِالْبَذَنْدُونَ فَنَقَلَهُ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ ، وَدَفَنَهُ بِطَرْسُوسَ فِي دَارِ خَاقَانَ خَادِمِ أَبِيهِ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : كَانَ نَقْشَ خَاتَمِهِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ . وَلَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ : مُحَمَّدٌ الْكَبِيرُ ، وَالْعَبَّاسُ ، وَعَلِيٌّ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَالْحَسَنُ ، وَأَحْمَدُ ، وَعِيسَى ، وَإِسْمَاعِيلُ ، وَالْفَضْلُ ، وَمُوسَى ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَيَعْقُوبُ ، وَحَسَنٌ ، وَسُلَيْمَانُ ، وَهَارُونُ ، وَجَعْفَرٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَعِدَّةُ بَنَاتٍ .
تاريخ بغداد▼
عبد الله أمير المؤمنين المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، يكنى أبا العباس ، وقيل : أبا جعفر
الجزء 11 · الصفحة 430
حرف الهاء 5283 - عبد الله أمير المؤمنين المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، يكنى أبا العباس ، وقيل : أبا جعفر . دعي له بالخلافة بخراسان في حياة أخيه الأمين ، ثم قدم بغداد بعد قتله . وكان مولد المأمون على ما أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قال : أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس الرفاء ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، قال : حدثنا عباس ، يعني ابن هشام ، عن أبيه قال : ولد المأمون ليلة ملك هارون في شهر ربيع الأول سنة سبعين ومِائَة . أخبرنا ابن الفضل ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان قال : سنة سبعين ومِائَة فيها ولد المأمون ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول ليلة مات موسى . أخبرنا أبو تغلب عبد الوهاب بن علي بن الحسن المؤدب ، قال : حدثنا المعافى بن زكريا قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدثنا محمد بن موسى الخراساني ، قال : أخبرنا الزبير بن بكار قال : أخبرتني ميمونة كاتبة إبراهيم بن المهدي قالت : سمعت إبراهيم يقول : مات خليفة ، وولي خليفة ، وولد خليفة في ليلة واحدة ؛ مات موسى ، وولي الرشيد ، وولد المأمون في ليلة واحدة . أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد المفيد ، قال : حدثنا أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي ، قال : أخبرني علي بن الحسن بن علي بن الجعد ، قال : حدثني حاتم بن أبي حاتم الجوهري ، قال : حدثنا علي بن الجعد قال : لما قتل محمد بن زبيدة ، أفضت الخلافة إلى المأمون عبد الله بن هارون ، وهو يومئذ بخراسان بمرو ، وكان مولده سنة سبعين ومِائَة ، للنصف من ربيع الأول . قال أبو بشر : وسمعت ابن الأزهر الكاتب يقول : استخلف المأمون يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومِائَة ، وهو ابن سبع وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرة أيام ، وبويع له وهو بخراسان . أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي ، قال : حدثنا عمر بن حفص السدوسي ، قال : حدثنا محمد بن يزيد قال : واستخلف عبد الله بن هارون المأمون في المحرم سنة ثمان وتسعين ومِائَة ، وكنيته أبو العباس ، وقد سلم عليه بالخلافة قبل ذلك ببلاد خراسان نحو سنتين ، وخلع أهل خراسان وغيرهم محمد بن هارون . أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال : المأمون عبد الله بن الرشيد وكنيته أبو جعفر ، ولد بالياسرية ، ثم استخلف ، وبايع لعلي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وسماه الرضا ، وطرح السواد وألبس الناس الخضرة ، فمات علي بسرخس ، وقدم المأمون بغداد في سنة أربع ، يعني ومائتين ، في صفر ، وطرح الخضرة ، وعاد إلى السواد . وأمر المأمون في آخر عمره أن يكون أبو إسحاق أخوه الخليفة من بعده . أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قال : أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس ، قال : حدثنا ابن أبي الدنيا قال : وكان المأمون أبيض ربعة حسن الوجه ، قد وخطه الشيب ، تعلوه صفرة ، أعين ، طويل اللحية رقيقها ، ضيق الجبين ، على خده خال ، يكنى أبا العباس ، أمه أم ولد يقال لها مراجل . أخبرنا باي بن جعفر الجيلي ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : أخبرنا محمد بن يحيى قال : حدثني يموت بن المزرع ، قال : حدثني عمرو بن بحر الجاحظ ، قال : كان المأمون أبيض يعلو لونه صفرة يسيرة ، وكان ساقاه من سائر جسده صفراوين حتى كأنهما طليتا بالزعفران . أخبرني الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال : قال أبو محمد اليزيدي : كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري ، قال : فأتيته يوما وهو داخل ، فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني ، فأبطأ علي ، ثم وجهت إليه آخر فأبطأ ، فقلت لسعيد : إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر ؟ قال : أجل ، ومع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدمه ، ولقوا منه أذى شديدا ، فقومه بالأدب . فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر ، قال : فإنه ليدلك عينه من البكاء إذ قيل : هذا جعفر بن يحيى قد أقبل فأخذ منديلا فمسح عينيه من البكاء ، وجمع ثيابه وقام إلى فرشه فقعد عليها متربعا ، ثم قال : ليدخل ، فدخل فقمت عن المجلس ، وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ما أكره قال : فأقبل عليه بوجهه وحديثه ، حتى أضحكه وضحك إليه ، فلما هم بالحركة دعا بدابته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه ثم سأل عني ، فجئت ، فقال : خذ على ما بقي من جزئي ، فقلت : أيها الأمير ، أطال الله بقاءك ، لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى ، ولو فعلت ذلك لتنكر لي ، فقال : أتراني يا أبا محمد ، كنت أطلع الرشيد على هذه ؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه أني أحتاج إلى أدب ؟ إذا يغفر الله لك بعد ظنك ووجيب قلبك ، خذ في أمرك فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا ، ولو عدت في كل يوم مائة مرة . أخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري ، قال : أخبرنا المعافى بن زكريا ، قال : حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي قال : قال منصور البرمكي : كانت لهارون الرشيد جارية غلامية تصب على يده ، وتقف على رأسه ، وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد ، فبينا هي تصب على هارون من إبريق معها والمأمون مع هارون قد قابل بوجهه وجه الجارية ، إذ أشار إليها بقبلة ، فزبرته بحاجبها ، وأبطأت عن الصب في مهلة ما بين ذلك ، فنظر إليها هارون ، فقال : ما هذا ؟ فتلكأت عليه ، فقال : ضعي ما معك ، علي كذا إن لم تخبريني لأقتلنك ، فقالت : أشار إلي عبد الله بقبلة ، فالتفت إليه ، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه ، فاعتنقه ، وقال : أتحبها ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال : قم فاخل بها في تلك القبة . فقام ففعل ، فقال له هارون : قل في هذا شعرا ، فأنشأ يقول [ من المجتث ] : ظبي كنيت بطرفي عن الضمير إليه قبلته من بعيد فاعتل من شفتيه ورد أخبث رد بالكسر من حاجبيه فما برحت مكاني حتى قدرت عليه أخبرنا أبو محمد يحيى بن الحسن بن الحسن بن المنذر المحتسب ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل ، قال : أخبرنا أبو بكر بن دريد ، قال : حدثنا الحسن بن خضر ، قال : سمعت ابن أبي دؤاد يقول : أدخل رجل من الخوارج على المأمون ، فقال : ما حملك على خلافنا ؟ قال : آية في كتاب الله تعالى . قال : وما هي ؟ قال : قوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ فقال له المأمون : ألك علم بأنها منزلة . قال : نعم ، قال : وما دليلك ؟ قال : إجماع الأمة . قال : فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل . قال : صدقت ، السلام عليك يا أمير المؤمنين . حدثني الحسن بن أبي طالب ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : حدثنا صالح بن محمد ، قال : حدثني أخي صدقة بن محمد قال : قال لي أبو محمد عبد الله بن محمد الزهري : قال المأمون : غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة ، لأن غلبة القدرة تزول بزوالها ، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء . أخبرنا علي بن الحسين صاحب العباسي ، قال : أخبرنا علي بن الحسن الرازي ، قال : أخبرنا أبو علي الكوكبي ، قال : حدثنا البحتري الوليد بن عبيد ، قال : أخبرنا أبو تمام حبيب بن أوس قال : قال المأمون لأبي حفص عمر بن الأزرق الكرماني : أريدك للوزارة . قال : لا أصلح لها يا أمير المؤمنين ، قال : ترفع نفسك عنها ؟ قال : ومن يرفع نفسه عن الوزارة ؟ ولكني قلت هذا رافعا لها وواضعا لنفسي بها . فقال المأمون : إنا نعرف موضع الكفاة الثقات المتقدمين من الرجال ، ولكن دولتنا منكوسة ، إن قومناها بالراجحين انتقضت ، وإن أيدناها بالناقصين استقامت ، لذلك اخترت استعمال الصواب فيك . أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري ، قال : حدثنا المعافى بن زكريا إملاء ، قال : حدثنا محمد بن يحيى الصولي ، قال : حدثنا محمد بن زكريا الغلابي ، قال : حدثنا أبو سهل الرازي قال : لما دخل المأمون بغداد تلقاه أهلها ، فقال له رجل من الموالي : يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك ، وزاد في نعمك ، وشكرك عن رعيتك ، فقد فقت من قبلك وأتعبت من بعدك ، وآيست أن يعتاض منك ، لأنه لم يكن مثلك ، ولا علم شبهك . أما فيمن مضى فلا يعرفونه ، وأما فيمن بقي فلا يرتجونه فهم بين دعاء لك ، وثناء عليك وتمسك بك ، أخصب لهم جنابك ، واحلولى لهم ثوابك ، وكرمت مقدرتك ، وحسنت أثرتك ، ولانت نظرتك فجبرت الفقير ، وفككت الأسير ، وأنت كما قال الشاعر [ من المنسرح ] : ما زلت في البذل للنوال وإطلاق لعان بجرمه علق حتى تمنى البراء أنهم عندك أمسوا في القد والحلق فقال المأمون : مثلك يعيب من لا يصطنعه ، ويعر من يجهل قدره فاعذرني في سالفك فإنك ستجدنا في مستأنفك . أخبرنا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ ، قال : أخبرنا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي ، قال : حدثني أحمد بن الحسن الكسائي ، قال : حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني ، قال : حدثني يحيى بن أكثم قال : بت ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل ، فقمت لأشرب ماء ، فرآني المأمون ، فقال : ما لك ليس تنام يا يحيى ؟ قلت : يا أمير المؤمنين أنا والله عطشان . قال : ارجع إلى موضعك ، فقام والله إلى البرادة فجاءني بكوز ماء ، وقام على رأسي ، فقال : اشرب يا يحيى ، فقلت : يا أمير المؤمنين فهلا وصيف أو وصيفة يغني . فقال : إنهم نيام ، قلت : فأنا كنت أقوم للشرب ، فقال لي : لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه . ثم قال : يا يحيى ، فقلت : لبيك يا أمير المؤمنين ، قال : ألا أحدثك ، قلت : بلى يا أمير المؤمنين ، قال : حدثني الرشيد ، قال : حدثني المهدي قال : حدثني المنصور ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : حدثني جرير بن عبد الله ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيد القوم خادمهم . أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، قال : أخبرنا محمد بن عمران المرزباني ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي ، قال : حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد ، عن يحيى بن أكثم قال : ما رأيت أكرم من المأمون ، بت عنده ليلة فعطش وقد نمنا ، فكره أن يصيح بالغلمان فأنتبه ، وكنت منتبها فرأيته وقد قام يمشي قليلا قليلا إلى البرادة ، وبينه وبينها بعد حتى شرب ورجع . قال يحيى : ثم بت عنده ونحن بالشام وما معي أحد فلم يحملني النوم ، فأخذ المأمون سعال فرأيته يسد فاه بكم قميصه كي لا أنتبه ، ثم حملني آخر الليل النوم ، وكان له وقت يقوم فيه يستاك ، فكره أن ينبهني ، فلما ضاق الوقت عليه تحركت فقال : الله أكبر ، يا غلمان ، نعل أبي محمد . قال يحيى بن أكثم : وكنت أمشي يوما مع المأمون في بستان موسى في ميدان البستان ، والشمس علي وهو في الظل ، فلما رجعنا قال لي : كن الآن أنت في الظل فأبيت عليه ، فقال : أول العدل أن يعدل الملك في بطانته ، ثم الذين يلونهم ، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى . أخبرني الحسن بن محمد الخلال ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : حدثنا محمد بن الحسن بن محمد الموصلي ، قال : حدثنا عبد الله بن محمود المروزي ، قال : سمعت يحيى بن أكثم القاضي يقول : ما رأيت أكمل آلة من المأمون ، وجعل يحدث بأشياء استحسنها من كان في مجلسه ، ثم قال : كنت عنده ، يعني ليلة ، أذاكره وأحدثه ، ثم نام وانتبه ، فقال : يا يحيى انظر أيش عند رجلي ، فنظرت فلم أر شيئا ، فقال : شمعة ، فتبادر الفراشون ، فقال : انظروا ، فنظروا ، فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها ، فقلت : قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب ، فقال: معاذ الله ، ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم ، فقال [ من مجزوء الكامل ] : يا راقد الليل انتبه إن الخطوب لها سرى ثقة الفتى بزمانه ثقة محللة العرى قال : فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب وإما بعيد ، فتأملت ما قرب فكان ما رأيت . أخبرني محمد بن علي المقرئ ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ ، قال : سمعت أبا بكر محمد بن داود بن سليمان الزاهد يقول : سمعت محمد بن عبد الرحمن السامي يقول : سمعت أبا الصلت عبد السلام بن صالح يقول : حبسني الخليفة المأمون ليلة ، فكنا نتحدث حتى ذهب من الليل ما ذهب وطفئ السراج ، ونام القيم الذي كان يصلح السراج ، فدعاه فلم يجبه وكان نائما ، فقلت : يا أمير المؤمنين أصلحه ؟ فقال : لا فأصلحه هو ، ثم انتبه الخادم فظننت أنه يعاقبه لأنه كان يناديه وهو نائم فلا يجبه ، قال : فتعجبت أنا فسمعته يقول : ربما أكون في المتوضأ فيشتموني ، وأظنه قال : ويفترون علي ، ولا يدرون أني أسمع ، فأعفو عنهم . أخبرنا الجوهري ، قال : حدثنا محمد بن العباس ، قال : حدثنا الصولي ، قال : حدثنا عون بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله ابن البواب ، قال : كان المأمون يحلم حتى يغيظنا في بعض الأوقات ، جلس يستاك على دجلة من بغداد من وراء سترة ونحن قيام بين يديه ، فمر ملاح وهو يقول بأعلى صوته : أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخوه ؟ ! قال : فوالله ما زاد على أن تبسم وقال لنا : ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل . أخبرني الأزهري ، قال : حدثنا محمد بن جامع ، قال : حدثنا أبو عمر الزاهد ، قال : حدثنا محمد بن يزيد المبرد ، قال : حدثني عمارة بن عقيل ، قال : قال ابن أبي حفصة الشاعر : أعلمت أن المأمون أمير المؤمنين لا يبصر الشعر ؟ فقلت : من ذا يكون أفرس منه والله إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه ، قال : إني أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرك له ، وهذا هو البيت فاسمعه [ من البسيط ] : أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقلت : ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة ، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها ، وهو المطوق لها ؟ ألا قلت كما قال عمك جرير لعبد العزيز بن الوليد [ من الطويل ] : فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله أخبرنا علي بن أبي علي المعدل ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني ، قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدثنا أبو الفضل الربعي ، قال : لما ولد جعفر بن المأمون المعروف بابن بخة ، دخل المهنئون على المأمون فهنؤوه بصنوف من التهاني ، وكان فيمن دخل العباس بن الأحنف . فمثل قائما بين يديه ثم أنشأ يقول [ من مخلع البسيط ] : مد لك الله الحياة مدا حتى يريك ابنك هذا جدا ثم يفدى مثلما تفدى كأنه أنت إذا تبدا أشبه منك قامة وقدا مؤزرا بمجده مردى فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم . أخبرني الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم ابن محمد بن عرفة ، قال : حُكي عن أبي عبَّاد أنه ذكر المأمون يوما ، فقال : كان والله أحد ملوك الأرض ، وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة . أخبرني الخلال ، قال : حدثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله الوكيل ، قال : حدثنا القاسم بن محمد بن عباد ، قال : سمعت أبي يقول : لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان ، والمأمون . أخبرنا أبو الفرج أحمد بن عمر بن عثمان الغضاري ، قال : أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق ، قال : حدثنا الحسن بن أبي سعيد ، قال : أخبرنا ذو الرياستين في شوال سنة ثنتين ومائتين أن المأمون ختم في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة ، أما سمعتم في صوته بحوحة ؟ إن محمد بن أبي محمد اليزيدي في أذنه صمم ، فكان يرفع صوته ليسمع ، وكان يأخذ عليه . أخبرني الخلال ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : أخبرني محمد بن يحيى النديم ، قال : حدثنا أبو العيناء ، قال : كان المأمون يقول : كان معاوية بعمره ، وعبد الملك بحجاجه ، وأنا بنفسي . أخبرني الحسين بن علي الصيمري ، قال : حدثنا محمد بن عمران المرزباني ، قال : أخبرني محمد بن يحيى ، قال : حدثنا أبو العيناء ، قال : سمعت أحمد بن أبي دؤاد يقول : كان يعجبني قول المأمون ، إذا رفع الطعام من بين يديه : الحمد لله الذي جعل أرزاقنا أكثر من أقواتنا ، وقوله عند شرب الماء البارد : شرب الماء بالثلج أدعى إلى إخلاص الحمد . أخبرني الخلال ، قال : حدثنا يوسف بن عمر القواس ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن العباس بن خزام ابن حاجب المقتدر ، قال : حدثنا أبو عيسى الهاشمي ، قال : حدثني أبي ، قال : كنت بحضرة المأمون فأحضر رجلا فأمر بضرب عنقه ، وكان الرجل من ذوي العقول ، فقال ليحيى بن أكثم : إن أمير المؤمنين قد أمر بضرب عنقي ، وإن دمي عليه حرام ، فهل لي في حاجة أسأله إياها ، لا تضر بدينه ولا مروءته ، فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي ؟ فأظهر المأمون تحرجا ، فقال ليحيى بن أكثم : سله عنها ، فقال الرجل : يضع يده في يدي إلى الموضع الذي يضرب فيه عنقي ، فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي . فقام المأمون من مجلسه وضرب بيده إلى يد الرجل ، فلم يزل يخبره وينشده ويحدثه ، حتى كأنه بعض من آنس به ، فلما أن رأى السياف والسيف والموضع الذي يكون فيه مثل هذه الحال ، انعطف فقال لأمير المؤمنين المأمون : بحق هذه الصحبة والمحادثة لما عفوت . فعفا عنه ، وأجزل له الجائزة . أخبرنا الحسن بن الحسين النعالي ، قال : أخبرنا أحمد بن نصر الذارع ، قال : حدثنا أبو محمد إبراهيم بن إدريس المؤدب ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية ، فقال له : والله لأقتلنك . فقال الرجل : يا أمير المؤمنين تأن علي ، فإن الرفق نصف العفو . قال : فكيف وقد حلفت لأقتلنك ؟ قال : يا أمير المؤمنين لأن تلقى الله حانثا ، خير لك من أن تلقاه قاتلا . قال : فخلى سبيله . أخبرنا باي بن جعفر الجيلي ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : أخبرنا محمد بن يحيى قال : حدثني يعقوب بن بيان الكاتب ، قال : سمعت علي بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي يقول : عاش المأمون ثمانيا وأربعين سنة ، وعاش المعتصم مثلها ، وطاهر مثلها ، وعبيد الله بن طاهر مثلها ، وعاش المتوكل ثلاثا وأربعين سنة ، وعاش الفتح مثلها . أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قال : أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس ، قال : حدثنا ابن أبي الدنيا ، قال : ومات المأمون ليلة الخميس لعشر خلون من رجب بالبذندون ، وهو متوجه يريد الغزو ، فحمل إلى طرسوس ، فدفن بها في دار خاقان الخادم ، وصلى عليه أخوه المعتصم . أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي ، قال : حدثنا عمر بن حفص السدوسي ، قال : حدثنا محمد بن يزيد قال : كانت خلافة المأمون من قتل محمد بن هارون عشرين سنة ونحو أربعة أشهر ، وتوفي في ناحية طرسوس في رجب سنة ثمان عشرة وتوفي وله ثمان وأربعون سنة ، وأمه مراجل الباذغيسية ، أم ولد ، وصلى عليه المعتصم . أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال : ومات المأمون بالبذندون من أرض الروم لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين ، وحمل إلى طرسوس . قال أبو سعيد المخزومي [ من الخفيف ] : ما رأيت النجوم أغنت عن المأمون ولا عن ملكه المأسوس خلفوه بعرصتي طرسوس مثل ما خلفوا أباه بطوس قال : وكان عمره سبعا وأربعين سنة ، وخلافته من قتل محمد عشرون سنة وخمسة أشهر ، واثنان وعشرون يوما .
يروي في(2 كتاب)
روى عن(2)
- هشيم بن بشير بن أبي خازم : القاسم بن دينار٢ رواية
- هارون بن المهدي محمد بن المنصور : أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس١ رواية
روى عنه(3)
- صالح بن نباتة١ رواية
- عبد الجبار بن عبد الله١ رواية
- عبد الجبار بن عبد الله البصري١ رواية
