بقي بن مخلد بن يزيد

عالم حديثله رواية

الاسم المختصر: بقي بن مخلد

اشتهر بـ: المكنسة

الكنيةأبو عبد الرحمن
اللقبالحافظ ، المكنسة ، شيخ الإسلام
النسبالأندلسي ، القرطبي ، الحافظ
تاريخ الميلادفي حدود سنة 200 هـ أو قبلها بقليل ، أو 201 هـ
تاريخ الوفاة276 هـ
بلد الإقامةالأندلس
بلد الرحلةالحجاز ، مصر ، دمشق ، الكوفة ، البصرة ، بغداد ، إفريقية ، حلوان ، واسط ، خراسان عدن ، القيروان
علاقات الراويابنه أحمد
عدد الأحاديث٥٨
عدد الأسانيد٥ إسناداً
توزيع الأسانيد
خماسي (60%)سداسي (20%)سباعي (20%)
موضعه في السند
موضع 5 (60%)موضع 6 (20%)موضع 7 (20%)
أشكال الاسم
أبو عبد الرحمنأبو عبد الرحمن بقي بن مخلدبقيبقي بن مخلدبقي بن مخلد أبو عبد الرحمنوبقي بن مخلد

ترجمة الراوي(2 مصدر)

تاريخ الإسلام▼

بقيّ بن مخلد بن يزيد ، أبو عبد الرحمن الأندلسيّ القرطبيّ الحافظ ، أحد الأعلام ؛ وصاحب " التّفسير " و " المسند "

الجزء 6 · الصفحة 521

121 - بقيّ بن مخلد بن يزيد ، أبو عبد الرحمن الأندلسيّ القرطبيّ الحافظ ، أحد الأعلام ؛ وصاحب " التّفسير " و " المسند " . أخذ عن : يحيى بن يحيى اللَّيثي ، ومحمد بن عيسى الأعشى . وارتحل إلى المشرق ولقي الكبار ، فسمع بالحجاز : أبا مصعب الزُّهريّ ، وإبراهيم بن المنذر الحزاميّ ، وطبقتهما . وبمصر : يحيى بن بكير ، وزهير بن عبّاد ، وأبا الطّاهر بن السَّرح ، وطائفة . وبدمشق : إبراهيم بن هشام الغسّانيّ ، وصفوان بن صالح ، وهشام بن عمّار ، وجماعة . وببغداد : أحمد بن حنبل ، وطبقته . وبالكوفة : يحيى بن عبد الحميد الحّمانيّ ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأبا بكر بن أبي شيبة وطائفة . وبالبصرة من أصحاب حمّاد بن زيد . وقد فتَّشت في " مسند " بقي لأظفر له بحديثٍ عن أحمد بن حنبل فلم أجد ذلك ، وما دخل بغداد إلا سنة نيّفٍ وثلاثين ، بعد موت عليّ بن الجعد ، وكان أحمد قد قطع الحديث في سنة ثمانٍ وعشرين وإلى أن مات . وقد روى بقيّ عن : حكيم بن سيف الرَّقيّ ، ومحمد بن أبان الواسطيّ ، وداود بن رشيد ، ووهب بن بقيّة ، وإبراهيم بن محمد الشّافعيّ ، وسويد بن سعيد ، وهدبة القيسيّ ، ومحمد بن أبي السَّريّ ، ومحمد بن رمح ، وحرملة ، وشيبان بن فرُّوخ ، وعبد الأعلى بن حمّاد النَّرسيّ ، وجبارة بن المغلّس ، وعبيد الله بن معاذ ، وأبي كامل الجحدريّ ، وأبي خيثمة ، وحجّاج بن الشّاعر ، وهارون الحمّال ، وهذه الطّبقة . وعني بالأثر عنايةً لا مزيد عليها ، وعدد شيوخه مائتان وأربعة وثمانون رجلا . وعنه : ابنه أحمد ، وأيّوب بن سليمان المرّيّ ، وأحمد بن عبد الله الأمويّ ، وأسلم بن عبد العزيز ، ومحمد بن وزير ، ومحمد بن عمر بن لبابة ، والحسن بن سعد الكنانيّ ، وعبد الله بن يونس المراديّ ، وعبد الواحد بن حمدون ، وهشام بن الوليد الغافقيّ ، وآخرون . وكان إماما زاهدا ، صوّاما ، صادقا ، كثير التهجُّد ، مجاب الدَّعوة ، قليل المثل . وكان مجتهدا لا يقلّد أحدا بل يفتي بالأثر . وقد أخذ بإفريقية عن : سحنون بن سعيد . قال أحمد بن أبي خيثمة : ما كنّا نسمّيه إلا المكنسة ، وهل احتاج بلدٌ فيه بقيُّ إلى أن يأتي إلى ها هنا منه أحد ؟ وقال طاهر بن عبد العزيز : حملت معي جزءا من " مسند بقيّ " إلى المشرق ، فأريته محمد بن إسماعيل الصّائغ ، فقال : ما اغترف هذا إلاّ من بحر ، وعجب من كثرة علمه . وقال إبراهيم بن حيُّون ، عن بقيّ ، قال : لمّا رجعت من العراق ، أجلسني يحيى بن بكير إلى جنبه ، وسمع منّي سبعة أحاديث . وقال أبو الوليد ابن الفرضيّ : ملأ بقيّ بن مخلد الأندلس حديثا ، فأنكر عليه أصحابه الأندلسيُّون ، ابن خالد ، ومحمد بن الحارث وأبو زيد ما أدخله من كتب الاختلاف وغرائب الحديث ، فأغروا به السُّلطان ، وأخافوه به . ثمّ إنّ الله أظهره عليهم وعصمه منهم ؛ فنشر حديثه وقرأ للنّاس روايته . ثمّ تلاه ابن وضّاح ، فصارت الأندلس دار حديث وإسناد . وممّا انفرد به ، ولم يدخله سواه " مصنَّف أبي بكر بن أبي شيبة " ، وكتاب " الفقه " للشّافعيّ بكماله ، و " تاريخ خليفة " ، وكتابه الكبير في " الطّبقات " ، وكتاب " سيرة عمر بن عبد العزيز " للدَّورقيّ ؛ وليس لأحدٍ مثل مسنده . وكان ورعا فاضلا زاهدا ، قد ظهرت له إجابات الدّعوة في غير ما شيء . قال : وكان المشاهير من أصحاب ابن وضّاح لا يسمعون منه ، للّذي بينهما من الوحشة . ولد في رمضان سنة إحدى ومائتين ، ومات لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ستًّ وسبعين ؛ ورّخه عبد الله بن يونس . وقال الحافظ ابن عساكر : لم يقع إلي حديث مسند من حديثه . قال محيي الدّين ابن العربيّ : الكرامات منها نطق بالكون قبل أن يكون ، والإخبار بالمغيبات ، وهي على ثلاثة أضرب : إلقاء ، وكتابة ، ولقاء ، وكان بقيّ بن مخلد ، رحمه الله ، قد جمعها ، وكان صاحبا للخضر ، شهر هذا عنه . ذكره في مواقع النّجوم ، ثمّ شطح المحيي فقال : وعاينا جماعة كذلك ، وشاهدناها من ذاتنا غير مرّة ، ومن هذا المقام ينتقلون إلى مقامٍ يقولون فيه للشيء كن فيكون بإذن الله . وقال محمد بن حزم : أقطع أنّه لم يؤلَّف في الإسلام مثل تفسيره ، لا تفسير محمد بن جرير ، ولا غيره . قال : وكان محمد بن عبد الرحمن الأمويّ صاحب الأندلس محبّا للعلوم ، عارفا ، فلمّا دخل بقيّ الأندلس بمصنَّف ابن أبي شيبة ، وقرئ عليه ، أنكر عليه جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشعوه ، ونشَّطوا العامّة عليه ، ومنعوه من قراءته ، فاستحضره الأمير محمد المذكور ، وأتاهم ، وتصفح الكتاب كله جزءا جزءا ، حتى أتى على آخره ، ثمّ قال لخازن الكتب : هذا كتابٌ لا تستغني خزانتنا عنه ، فانظر في نسخه لنا . وقال لبقيّ : انشر علمك ، وارو ما عندك ، ونهاهم أن يتعرَّضوا له . وقال أسلم بن عبد العزيز : حدثنا بقيّ قال : لما وضعت مسندي جاءني عبيد الله بن يحيى بن يحيى ، وأخوه إسحاق فقالا : بلغنا أنّك وضعت مسندا قدَّمت فيه أبا مصعب الزُّهريّ ، ويحيى بن بكير ، وأخّرت أبانا ؟ فقال بقيّ : أمّا تقديمي أبا مصعب ، فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قدّموا قريشا ولا تقدَّموها " ، وأمّا تقديمي ابن بكير ، فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كبّر كبّر " ، يريد السّنَّ ، ومع أنّه سمع الموطّأ من مالك سبع عشرة مرّة ، وأبوكما لم يسمعه إلاّ مرّةً واحدة ، فخرجا ولم يعودا ، وخرجا إلى حدّ العداوة . ولأبي عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البرّ القرطبيّ ، المتوفَّى سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاثمائة ، كتابٌ في أخبار علماء قرطبة ، ذكر فيه بقي بن مخلد ، فقال : كان فاضلا تقيّا صوَّاما قواما متبتّلا ، منقطع القرين في عصره ، منفردا عن النَّظير في مصره . كان أوّل طلبه عند محمد بن عيسى الأعشى ، ثمّ رحل فروى عن أهل الحرمين ، ومصر ، والشّام ، والجزيرة ، وحلوان ، والبصرة ، والكوفة ، وواسط ، وبغداد ، وخراسان - كذا قال فغلط ، لم يصل إلى خراسان -قال : وعدن ، والقيروان . قلت : وما أحسبه دخل اليمن . قال : وذكر عبد الرحمن بن أحمد ، عن أبيه ، أنّ امرأة جاءت إلى بقيّ فقالت : ابني في الأسر ، ولا حيلة لي ، فلو أشرت إلى من يفديه ، فإنّني والهة . قال : نعم ، انصرفي حتّى أنظر في أمره . ثمّ أطرق وحرّك شفته ، ثمّ بعد مدّة جاءت المرأة بابنها ، فقال : كنت في يد ملك ، فبينا أنا في العمل سقط قيدي ، فذكر اليوم والسّاعة ، فوافق وقت دعاء الشيخ . قال : فصاح عليَّ المرسّم بنا ، ثم نظر وتحيَّر ، ثمّ أحضر الحدّاد وقيَّدني ، فلمّا فرغه ومشيت سقط ، فبهتوا ودعوا رهبانهم ، فقالوا : ألك والدة ؟ قلت : نعم . قالوا : وافق دعاؤها الإجابة ، وقد أطلقك الله ، فلا يمكننا تقييدك ، فزوّدوني وبعثوني . قال : وكان بقيّ أوّل من كثّر الحديث بالأندلس ونشره ، وهاجم به شيوخ الأندلس ، فثاروا عليه لأنّهم كان علمهم المسائل ومذهب مالك ، وكان بقيّ يفتي بالأثر ، ويشذّ عنهم شذوذا عظيما ، فعقدوا عليه الشّهادات وبدَّعوه ، ونسبوا إليه الزَّندقة وأشياء نزَّهه الله منها . وكان بقيّ يقول : لقد غرست لهم بالأندلس غرسا لا يقلع إلاّ بخروج الدّجّال . قال : وقال بقيّ : أتيت العراق ، وقد منع أحمد بن حنبل من الحديث ، فسألته أن يحدّثني ، وكان بيني وبينه خلّة ، فكان يحدّثني بالحديث بعد الحديث في زيّ السّؤال ، ونحن خلوة ، حتّى اجتمع لي عنه نحوٌ من ثلاثمائة حديث . وقال ابن حزم : مسند بقيّ روى فيه عن ألفٍ وثلاثمائة صاحب ونيف ، ورتَّب حديث كلّ صاحبٍ على أبواب الفقه ، فهو مسند ومصنَّف ، وما أعلم هذه الرُّتبة لأحدٍ قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث ، وله مصنَّف في فتاوى الصّحابة والتّابعين فمن دونهم ، الّذي أربى فيه على مصنف أبي بكر بن أبي شيبة وعلى مصنَّف عبد الرّزّاق ، ومصنَّف سعيد بن منصور . ثمّ ذكر تفسيره وقال : فصارت تصانيف هذا الإمام الفاضل قواعد الإسلام لا نظير لها ، وكان متخيّرا لا يقلّد أحدا . وكان ذا خاصّة من أحمد بن حنبل ، وجاريا في مضمار البخاريّ ، ومسلم ، وأبي عبد الرحمن النَّسائيّ . وقال أبو عبد الملك القرطبيّ في تاريخه : كان بقيّ طولا أقنى ، ذا لحية ، مضبَّرا ، قويا ، جلدا على المشي ، لم ير راكبا دابّةً قطّ ، وكان ملازما لحضور الجنائز ، متواضعا . وكان يقول : إنّي لأعرف رجلا كان يمضي عليه الأيّام في وقت طلبه العلم ، ليس له عيش إلاّ ورق الكرنب الذي يرمى ، وسمعت من كلّ من سمعت منه في البلدان ماشيا إليهم على قدميّ . قلت : وهم من قال إنّه توفّي سنة ثلاثٍ ، بل توفّي سنة ستَّ وسبعين كما تقدَّم . قال ابن لبابة : كان بقيّ من عقلاء النّاس وأفاضلهم ، وكان أسلم بن عبد العزيز يقدّمه على جميع من لقيه بالمشرق ، ويصف زهده ، ويقول : ربّما كنت أمشي معه في أزقة قرطبة ، فإذا نظر في موضعٍ خالٍ إلى ضعيفٍ محتاجٍ أعطاه أحد ثوبيه . وذكر أبو عبيدة صاحب القبلة قال : كان بقيّ يختم القرآن كلّ ليلةٍ في ثلاث عشرة ركعة ، وكان يصلّي بالنّهار مائة ركعة ، ويصوم الدَّهر ، وكان كثير الجهاد ، فاضلا ؛ يذكر عنه أنّه رابط اثنتين وسبعين غزوة . ونقل بعض العلماء من كتاب حفيده عبد الرحمن بن أحمد بن بقيّ : سمعت أبي يقول : رحل أبي من مكّة إلى بغداد ، وكان جلَّ بغيته ملاقاة أحمد بن حنبل ، قال : فلمّا قربت بلغتني المحنة ، وأنّه ممنوع ، فاغتممت غمّا شديدا ، فاحتللت بغداد واكتريت بيتا في فندق ، ثمّ أتيت الجامع ، وأنا أريد أن أجلس إلى النّاس ، فدفعت إلى حلقةٍ نبيلة ، فإذا برجلٍ يتكلَّم في الرجال ، فقيل لي : هذا يحيى بن معين ، ففرجت لي فرجةً ، فقمت إليه ، فقلت : يا أبا زكريّا - رحمك الله - رجل غريب ناءٍ عن وطنه ، يحبُّ السُّؤال فلا تستجفني ، فقال : قل ، فسألت عن بعض من لقيته ، فبعضا زكّى ، وبعضا جرَّح . فسألته عن هشام بن عمّار ، فقال لي : أبو الوليد صاحب صلاة دمشق ، ثقة وفوق الثقة ، لو كان تحت ردائه كبر أو متقلدا كبرا ما ضرّه شيئا لخيره وفضله . فصاح أصحاب الحلقة : يكفيك - رحمك الله - غيرك له سؤال . فقلت وأنا واقف على قدم : اكشف عن رجلٍ واحد : أحمد بن حنبل . فنظر إليَّ كالمتعجّب ، فقال لي : ومثلنا نحن نكشف عن أحمد ؟ ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم . فخرجت أستدلّ على منزل أحمد ، فدللت عليه ، فقرعت بابه ، فخرج إليَّ ، فقلت : يا أبا عبد الله رجل غريب نائي الدّار ، هذا أول دخولي هذا البلد ، وأنا طالب حديث ، ومقيَّد سنّة ، ولم تكن رحلتي إلاّ إليك . فقال : ادخل الأصطوان ، ولا يقع عليك عين . فدخلت ، فقال لي : وأين موضعك ؟ قلت : المغرب الأقصى . قال : إفريقيّة ؟ فقلت له : أبعد من إفريقيّة ، أجوز من بلدي البحر إلى إفريقيّة ، الأندلس . قال : إن موضعك لبعيد ، وما كان شيء أحبُّ إليَّ من أن أحسن عون مثلك ، غير أنيّ ممتحن بما لعلّه قد بلغك ، فقلت له : بلى ، لقد بلغني ، وهذا أوّل دخولي ، وأنا مجهول العين عندكم ، فإن أذنت لي أن آتي كلَّ يوم في زيّ السّؤال ، فأقول عند الباب ما يقوله السؤال ، فتخرج إلى هذا الموضع ، فلو لم تحدثني كلّ يوم إلا بحديث واحد لكان لي فيه كفاية . فقال لي : نعم ، على شرط أن لا تظهر في الحلق ، ولا عند المحدِّثين ، فقلت : لك شرطك . فكنت آخذ عودا بيدي ، وألف رأسي بخرقةٍ مدنسَّة وآتي بابه ، فأصيح : الأجر ، رحمكم الله ، والسُّؤال هناك كذلك ، فيخرج إليَّ ويغلق الباب ، ويحدّثني بالحديثين ، والثلاثة ، والأكثر ، فالتزمت ذلك حتّى مات الممتحن له وولي بعده من كان على مذهب السنة ، فظهر أحمد وعلت إمامته ، وكانت تضرب إليه آباط الإبل ، فكان يعرف لي حق صبري ، فكنت إذا أتيت حلقته فسح لي ، ويقصّ على أصحاب الحديث قصّتي معه ، فكان يناولني الحديث مناولةً ، ويقرؤه علي وأقرؤه عليه ، واعتللت ، فعادني في خلق معه . وذكر هذه الحكاية أطول من هذا ، نقلها ابن بشكوال في غير الصّلة ، وأنا نقلتها من خطّ أبي الوليد بن الحاجّ شيخنا . وقال أيضا : نقلت من خطّ حفيده عبد الرحمن بن أحمد بن بقيّ : حدَّثني أبي قال : أخبرتني أمّي أنها رأت أبي مع رجلٍ طوال جدا ، فسألته عنه ، فقال : أرجو أن تكوني امرأة صالحة ، ذاك الخضر عليه السّلام . وذكر عبد الرحمن عن جدّه أشياء ، فالله أعلم ، وقال : كان جدّي قد قسّم أيّامه على أعمال البرّ ، فكان إذا صلّى الصُّبح قرأ حزبه من القرآن في المصحف سدس القرآن . وكان أيضا يختم القرآن في الصّلاة في كل يوم وليلة ، ويخرج كل ليلة في الثلث الأخير إلى مسجده ، فيختم قرب انصداع الفجر ، وكان يصلّي بعد حزبه من المصحف صلاةً طويلة جدّا ، ثمّ ينقلب إلى داره ، وقد اجتمع في مسجده الطَّلبة ، فيجدد الوضوء ويخرج إليهم ، فإذا انقضت الدُّول صار إلى صومعة المسجد ، فيصلّي إلى الظهر ، ثمّ يكون هو المبتدئ بالأذان ثم يهبط ، ثم يسمع إلى العصر ويصلّي ويسمع ، وربما خرج في بقيّة النهار ، فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر ، فإذا غربت الشّمس أتى مسجده ، ثمّ يصلّي ويرجع إلى بيته فيفطر . وكان يسرد الصَّوم إلا يوم الجمعة ، ثمّ يخرج إلى المسجد ، فيخرج إليه جيرانه ، فيتكّلم معهم في دينهم ودنياهم ، ثم يصلّي العشاء ، ويدخل بيته ، فيحدِّث أهله ، ثمّ ينام نومةً قد أخذتها نفسه ، ثم يقوم ، هذا دأبه إلى أن توفّي . وكان جلدا ، قويا على المشي ، مواظبا لحضور الجنائز ، ولم ير راكبا قطّ ، ومشى مع ضعيفٍ في مظلمة إلى إشبيلية ، ومع آخر إلى إلبيرة ، ومع امرأة ضعيفة إلى جيّان .

سير أعلام النبلاء▼

بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدِ ابْنِ يَزِيدَ : الْإِمَامُ ، الْقُدْوَةُ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ ، الْحَافِظُ

الجزء 13 · الصفحة 285

137 - بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدِ ابْنِ يَزِيدَ : الْإِمَامُ ، الْقُدْوَةُ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ ، الْحَافِظُ ، صَاحِبُ " التَّفْسِيرِ " وَ " الْمُسْنَدِ " اللَّذَيْنِ لَا نَظِيرَ لَهُمَا . وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ . وَسَمِعَ مِنْ : يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَعْشَى ، وَأَبِي مُصْعَبٍ الزُّهْرِيِّ ، وَصَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ ، وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ الرُّؤَاسِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - مَسَائِلَ وَفَوَائِدَ - وَلَمْ يَرْوِ لَهُ شَيْئًا مُسْنَدًا ، لِكَوْنِهِ كَانَ قَدْ قَطَعَ الْحَدِيثَ ، وَسَمِعَ مِنْ : أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، فَأَكْثَرَ . وَمِنْ : جُبَارَةَ بْنِ الْمُغَلِّسِ ، وَيَحْيَى بْنِ بِشْرٍ الْحَرِيرِيِّ ، وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ ، وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْوَاسِطِيِّ ، وَحَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَرَّانَيِّ ، وَيَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ ، وَعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ ، وَسُحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهِ ، وَهُرَيْمِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيِّ ، وَأَبِي كُرَيْبٍ ، وَبُنْدَارٍ ، وَهَنَّادٍ ، وَالْفَلَّاسِ ، وَكَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَخَلْقٍ . وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ عِنَايَةً لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا ، وَأَدْخَلَ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ عِلْمًا جَمًّا ، وَبِهِ ، وَبِمُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ صَارَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ دَارَ حَدِيثٍ ، وَعِدَّةُ مَشْيَخَتِهِ الَّذِينَ حَمَلَ عَنْهُمْ مِائَتَانِ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا . حَدَّثَ عَنْهُ : ابْنُهُ أَحْمَدُ ، وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرِّيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ ، وَأَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَزِيرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ الْكِنَانِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ الْمُرَادِيُّ الْقَبْرِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ حَمْدُونَ ، وَهِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ الْغَافِقِيُّ ، وَآخَرُونَ . وَكَانَ إِمَامًا مُجْتَهِدًا صَالِحًا ، رَبَّانِيًّا صَادِقًا مُخْلِصًا ، رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ، عَدِيمَ الْمِثْلِ ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ ، يُفْتِي بِالْأَثَرِ ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا . وَقَدْ تَفَقَّهَ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى سُحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ . ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، فَقَالَ : مَا كُنَّا نُسَمِّيهِ إِلَّا الْمِكْنَسَةَ ، وَهَلِ احْتَاجَ بَلَدٌ فِيهِ بَقِيٌّ إِلَى أَنْ يَرْحَلَ إِلَى هَاهُنَا مِنْهُ أَحَدٌ ؟ ! قَالَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْدَلُسِيُّ : حَمَلْتُ مَعِي جُزْءًا مِنْ " مُسْنَدِ " بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ إِلَى الْمَشْرِقِ ، فَأَرَيْتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغَ ، فَقَالَ : مَا اغْتَرَفَ هَذَا إِلَّا مِنْ بَحْرٍ . وَعَجِبَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَيُّونَ ، عَنْ بِقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ ، قَالَ : لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ الْعِرَاقِ ، أَجْلَسَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ إِلَى جَنْبِهِ ، وَسَمِعَ مِنِّي سَبْعَةَ أَحَادِيثَ . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْفَرَضِيِّ فِي " تَارِيخِهِ " : مَلَأَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ الْأَنْدَلُسَ حَدِيثًا ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ : أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، مَا أَدْخَلَهُ مِنْ كُتُبِ الِاخْتِلَافِ ، وَغَرَائِبِ الْحَدِيثِ ، فَأَغْرَوْا بِهِ السُّلْطَانَ وَأَخَافُوهُ بِهِ ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِمْ ، وَعَصَمَهُ مِنْهُمْ ، فَنَشَرَ حَدِيثَهُ وَقَرَأَ لِلنَّاسِ رِوَايَتَهُ . ثُمَّ تَلَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ ، فَصَارَتِ ، الْأَنْدَلُسُ دَارَ حَدِيثٍ وَإِسْنَادٍ . وَمِمَّا انْفَرَدَ بِهِ ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ سِوَاهُ " مُصَنَّفُ " أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِتَمَامِهِ ، وَ " كِتَابُ الْفِقْهِ " لِلشَّافِعِيِّ بِكَمَالِهِ - يَعْنِي " الْأُمَّ " - وَ " تَارِيخُ " خَلِيفَةَ ، وَ " طَبَقَاتُ " خَلِيفَةَ ، وَكِتَابُ " سِيرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ " ، لِأَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ . . . . وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ " مُسْنَدِهِ " . وَكَانَ وَرِعًا فَاضِلًا زَاهِدًا . . . قَدْ ظَهَرَتْ لَهُ إِجَابَاتُ الدَّعْوَةِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ . قَالَ : وَكَانَ الْمَشَاهِيرُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ وَضَّاحٍ لَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ ، لِلَّذِي بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَحْشَةِ . . . وُلِدَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ : لَمْ يَقَعْ إِلَيَّ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ مِنْ حَدِيثِ بَقِيٍّ . قُلْتُ : عَمِلَ لَهُ تَرْجَمَةً حَسَنَةً فِي " تَارِيخِهِ " . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : أَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ " تَفْسِيرِ " بَقِيٍّ ، لَا " تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ ، وَلَا غَيْرُهُ . قَالَ : وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مُحِبًّا لِلْعُلُومِ عَارِفًا ، فَلَمَّا دَخَلَ بَقِيٌّ الْأَنْدَلُسَ " بِمُصَنَّفِ " أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَقُرِئَ عَلَيْهِ ، أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ مَا فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ ، وَاسْتَبْشَعُوهُ وَنَشَّطُوا الْعَامَّةَ عَلَيْهِ ، وَمَنَعُوهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ ، فَاسْتَحْضَرَهُ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مُحَمَّدٌ وَإِيَّاهُمْ ، وَتَصَفَّحَ الْكِتَابَ كُلَّهُ جُزْءًا جُزْءًا ، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِخَازِنِ الْكُتُبِ : هَذَا كِتَابٌ لَا تَسْتَغْنِي خِزَانَتُنَا عَنْهُ ، فَانْظُرْ فِي نَسْخِهِ لَنَا . ثُمَّ قَالَ لَبَقِيٍّ : انْشُرْ عِلْمَكَ ، وَارْوِ مَا عِنْدَكَ . وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ . قَالَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : لَمَّا وَضَعْتُ " مُسْنَدِي " ، جَاءَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَأَخُوهُ إِسْحَاقُ ; فَقَالَا : بَلَغَنَا أَنَّكَ وَضَعْتَ " مُسْنَدًا " ، قَدَّمْتَ فِيهِ أَبَا مُصْعَبٍ الزُّهْرِيَّ ، وَيَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ ، وَأَخَّرْتَ أَبَانَا ؟ فَقَالَ : أَمَّا تَقْدِيمِي أَبَا مُصْعَبٍ ، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِّمُوا قُرَيْشًا ، وَلَا تَقَدَّمُوهَا وَأَمَّا تَقْدِيمِي ابْنَ بُكَيْرٍ ، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَبِّرْ كَبِّرْ - يُرِيدُ السِّنَّ - وَمَعَ أَنَّهُ سَمِعَ " الْمُوَطَّأَ " مِنْ مَالِكٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَأَبُوكُمَا لَمْ يَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً . قُلْتُ : وَلَهُ فِيهِ فَوْتٌ مَعْرُوفٌ . قَالَ : فَخَرَجَا ، وَلَمْ يَعُودَا ، وَخَرَجَا إِلَى حَدِّ الْعَدَاوَةِ . وَأَلَّفَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْقُرْطُبِيُّ ، الْمَيِّتُ فِي عَامِ ثَمَانِيَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِ مِائَةٍ كِتَابًا فِي أَخْبَارِ عُلَمَاءِ قُرْطُبَةَ ، ذَكَرَ فِيهِ بَقِيَّ بْنَ مَخْلَدٍ ، فَقَالَ : كَانَ فَاضِلًا تَقِيًّا ، صَوَّامًا قَوَّامًا مُتَبَتِّلًا ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ فِي عَصْرِهِ ، مُنْفَرِدًا عَنِ النَّظِيرِ فِي مِصْرِهِ ، كَانَ أَوَّلَ طَلَبِهِ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَعْشَى ، ثُمَّ رَحَلَ ، فَحَمَلَ عَنْ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ ، وَمِصْرَ ، وَالشَّامِ ، وَالْجَزِيرَةِ ، وَحُلْوَانَ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَالْكُوفَةِ ، وَوَاسِطَ وَبَغْدَادَ ، وَخُرَاسَانَ - كَذَا قَالَ ، فَغَلَطَ ، لَمْ يَصِلْ إِلَى خُرَاسَانَ ، بَلْ وَلَا إِلَى هَمَذَانَ ، وَمَا أَدْرِي هَلْ دَخَلَ الْجَزِيرَةَ أَمْ لَا ؟ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَأَمَّلَ شُيُوخَهُ - ثُمَّ قَالَ : وَعَدْنَ وَالْقَيْرَوَانَ - قُلْتُ : وَمَا دَخَلَ الرَّجُلُ إِلَى الْيَمَنِ - قَالَ : وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى بَقِيٍّ ، فَقَالَتْ : إِنَّ ابْنِي فِي الْأَسْرِ ، وَلَا حِيلَةَ لِي ، فَلَوْ أَشَرْتَ إِلَى مَنْ يَفْدِيهِ ، فَإِنَّنِي وَالِهَةٌ . قَالَ : نَعَمْ ، انْصَرِفِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ . ثُمَّ أَطْرَقَ ، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِابْنِهَا ، فَقَالَ : كُنْتُ فِي يَدِ مَلِكٍ ، فَبَيْنا أَنَا فِي الْعَمَلِ ، سَقَطَ قَيْدِي . قَالَ : فَذَكَرَ الْيَوْمَ وَالسَّاعَةَ ، فَوَافَقَ وَقْتَ دُعَاءِ الشَّيْخِ . قَالَ : فَصَاحَ عَلَى الْمَرْسَمِ بِنَا ، ثُمَّ نَظَرَ وَتَحَيَّرَ ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْحَدَّادَ وَقَيَّدَنِي ، فَلَمَّا فَرَّغَهُ وَمَشَيْتُ سَقَطَ الْقَيْدُ ، فَبُهِتُوا ، وَدَعَوْا رُهْبَانَهُمْ ، فَقَالُوا : أَلَكَ وَالِدَةٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالُوا : وَافَقَ دُعَاءَهَا الْإِجَابَةُ . هَذِهِ الْوَاقِعَةُ حَدَّثَ بِهَا الْحَافِظُ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَبِي . . . فَذَكَرَهَا ، وَفِيهَا : ثُمَّ قَالُوا : قَدْ أَطْلَقَكَ اللَّهُ ، فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُقَيِّدَكَ . فَزَوَّدُونِي ، وَبَعَثُوا بِي . قَالَ : وَكَانَ بَقِيٌّ أَوَّلَ مَنْ كَثَّرَ الْحَدِيثَ بِالْأَنْدَلُسِ وَنَشَرَهُ ، وَهَاجَمَ بِهِ شُيُوخَ الْأَنْدَلُسِ ، فَثَارُوا عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُمْ كَانَ عِلْمُهُمْ بِالْمَسَائِلِ وَمَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَكَانَ بَقِيٌّ يُفْتِي بِالْأَثَرِ ، فَشَذَّ عَنْهُمْ شُذُوذًا عَظِيمًا ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ الشَّهَادَاتِ ، وَبِدَّعُوهُ ، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الزَّنْدَقَةِ ، وَأَشْيَاءَ نَزَّهَهُ اللَّهُ مِنْهَا . وَكَانَ بَقِيٌّ يَقُولُ : لَقَدْ غَرَسْتُ لَهُمْ بِالْأَنْدَلُسِ غَرْسًا لَا يُقْلَعُ إِلَّا بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ . قَالَ : وَقَالَ بَقِيٌّ : أَتَيْتُ الْعِرَاقَ ، وَقَدْ مُنِعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُحَدِّثَنِي ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلَّةٌ ، فَكَانَ يُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِ فِي زِيِّ السُّؤَالِ ، وَنَحْنُ خُلْوَةٌ ، حَتَّى اجْتَمَعَ لِي عَنْهُ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِ مِائَةِ حَدِيثٍ . قُلْتُ : هَذِهِ حِكَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَ " مُسْنَدُ " بَقِيٍّ رَوَى فِيهِ عَنْ أَلْفٍ وَثَلَاثِ مِائَةِ صَاحِبٍ وَنَيِّفٍ ، وَرَتَّبَ حَدِيثَ كُلِّ صَاحِبٍ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ ، فَهُوَ مُسْنَدٌ وَمُصَنَّفٌ ، وَمَا أَعْلَمُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ ، مَعَ ثِقَتِهِ وَضَبْطِهِ ، وَإِتْقَانِهِ وَاحْتِفَالِهِ فِي الْحَدِيثِ . وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي فَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ دُونَهُمُ ، الَّذِي قَدْ أَرْبَى فِيهِ عَلَى " مُصَنَّفِ " ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَلَى " مُصَنَّفِ " عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَعَلَى " مُصَنَّفِ " سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ . . . . ثُمَّ إِنَّهُ نَوَّهَ بِذِكْرِ " تَفْسِيرِهِ " ، وَقَالَ : فَصَارَتْ تَصَانِيفُ هَذَا الْإِمَامِ الْفَاضِلِ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ ، لَا نَظِيرَ لَهَا ، وَكَانَ مُتَخَيِّرًا لَا يُقَلِّدُ أَحَدًا ، وَكَانَ ذَا خَاصَّةٍ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَجَارِيًا فِي مِضْمَارِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَذْكُورُ فِي " تَارِيخِهِ " : كَانَ بَقِيٌّ طُوَالًا أَقْنَى ذَا لِحْيَةٍ مُضَبَّرًا قَوِيًّا جَلْدًا عَلَى الْمَشْيِ ، لَمْ يُرِ رَاكِبًا دَابَّةً قَطُّ ، وَكَانَ مُلَازِمًا لِحُضُورِ الْجَنَائِزِ ، مُتَوَاضِعًا ، وَكَانَ يَقُولُ إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا ، كَانَ تَمْضِي عَلَيْهِ الْأَيَّامُ فِي وَقْتِ طَلَبِهِ الْعِلْمَ ، لَيْسَ لَهُ عَيْشٌ إِلَّا وَرَقُ الْكُرُنْبِ الَّذِي يُرْمَى ، وَسَمِعْتُ مِنْ كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ فِي الْبُلْدَانِ مَاشِيًا إِلَيْهِمْ عَلَى قَدَمِي . قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ الْحَافِظُ : كَانَ بَقِيٌّ مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ وَأَفَاضِلِهِمْ ، وَكَانَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ لَقِيَهُ بِالْمَشْرِقِ ، وَيَصِفُ زُهْدَهُ ، وَيَقُولُ : رُبَّمَا كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ فِي أَزِقَّةِ قُرْطُبَةَ ، فَإِذَا نَظَرَ فِي مَوْضِعٍ خَالٍ إِلَى ضَعِيفٍ مُحْتَاجٍ أَعْطَاهُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ . وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الْقِبْلَةِ قَالَ : كَانَ بَقِيٌّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ ، فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ مِائَةَ رَكْعَةٍ ، وَيَصُومُ الدَّهْرَ . وَكَانَ كَثِيرَ الْجِهَادِ ، فَاضِلًا ، يُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ رَابَطَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ غَزْوَةً . وَنَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ كِتَابٍ لِحَفِيدِ بَقِيٍّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : رَحَلَ أَبِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلَاقَاةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَالَ : فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي الْمِحْنَةُ ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ ، فَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا ، فَاحْتَلَلْتُ بَغْدَادَ ، وَاكْتَرَيْتُ بَيْتًا فِي فُنْدُقٍ ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْجَامِعَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ ، فَدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيلَةٍ ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّجَالِ ، فَقِيلَ لِي : هَذَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ . فَفُرِجَتْ لى فُرْجَةٌ ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا زَكَرِيَّا : - رَحِمَكَ اللَّهُ - رَجُلٌ غَرِيبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ ، يُحِبُّ السُّؤَالَ ، فَلَا تَسْتَجْفِنِي ، فَقَالَ : قُلْ . فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيتُهُ ، فَبَعْضًا زَكَّى ، وَبَعْضًا جَرَحَ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، فَقَالَ لِي : أَبُو الْوَلِيدِ ، صَاحِبُ صَلَاةِ دِمَشْقَ ، ثِقَةٌ ، وَفَوْقَ الثِّقَةِ ، لَوْ كَانَ تَحْتَ رِدَائِهِ كِبْرٌ ، أَوْ مُتَقَلِّدًا كِبْرًا ، مَا ضَرَّهُ شَيْئًا لِخَيْرِهِ وَفَضْلِهِ ، فَصَاحَ أَصْحَابُ الْحَلْقَةِ : يَكْفِيكَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - غَيْرُكَ لَهُ سُؤَالٌ . فَقُلْتُ - وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى قَدَمٍ : اكْشِفْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ : أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَنَظَرَ إِلَيَّ كَالْمُتَعَجِّبِ ، فَقَالَ لِي : وَمِثْلُنَا ، نَحْنُ نَكْشِفُ عَنْ أَحْمَدَ ؟ ! ذَاكَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَيْرُهُمْ وَفَاضِلُهُمْ . فَخَرَجْتُ أَسْتَدِلُّ عَلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ ، فَخَرَجَ إِلَيَّ . فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : رَجُلٌ غَرِيبٌ ، نَائِي الدَّارِ ، هَذَا أَوَّلُ دُخُولِي هَذَا الْبَلَدَ ، وَأَنَا طَالِبُ حَدِيثٍ وَمُقَيَّدُ سُنَّةٍ ، وَلَمْ تَكُنْ رِحْلَتِي إِلَّا إِلَيْكَ ، فَقَالَ : ادْخُلِ الْأُصْطُوَانَ وَلَا يَقَعْ عَلَيْكَ عَيْنٌ . فَدَخَلْتُ ، فَقَالَ لِي : وَأَيْنَ مَوْضِعُكَ ؟ قُلْتُ : الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى . فَقَالَ : إِفْرِيقِيَّةُ ؟ قُلْتُ : أَبْعَدُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ ، أَجُوزُ مِنْ بَلَدِي الْبَحْرَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ ، بَلَدِي الْأَنْدَلُسُ ، قَالَ : إِنَّ مَوْضِعَكَ لَبَعِيدٌ ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْسِنَ عَوْنَ مَثْلِكَ ، غَيْرَ أَنِّي مُمْتَحَنٌ بِمَا لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكَ . فَقُلْتُ : بَلَى ، قَدْ بَلَغَنِي ، وَهَذَا أَوَّلُ دُخُولِي ، وَأَنَا مَجْهُولُ الْعَيْنِ عِنْدَكُمْ ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آتِيَ كُلَّ يَوْمٍ فِي زِيِّ السُّؤَّالِ ، فَأَقُولُ عِنْدَ الْبَابِ مَا يَقُولُهُ السُّؤَّالُ ، فَتَخْرُجُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَلَوْ لَمْ تُحَدِّثْنِي كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ ، لَكَانَ لِي فِيهِ كِفَايَةٌ . فَقَالَ لِي : نَعَمْ ، عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَظْهَرَ فِي الْخَلْقِ ، وَلَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ . فَقُلْتُ : لَكَ شَرْطُكَ ، فَكُنْتُ آخُذُ عَصًا بِيَدِي ، وَأَلُفُّ رَأْسِي بِخِرْقَةٍ مُدَنَّسَةٍ ، وَآتِي بَابَهُ فَأَصِيحُ : الْأَجْرَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - وَالسُّؤَّالُ هُنَاكَ كَذَلِكَ ، فَيَخْرُجُ إِلَيَّ ، وَيُغْلِقُ ، وَيُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِينَ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَكْثَرِ ، فَالْتَزَمْتُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْمُمْتَحِنُ لَهُ ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ ، فَظَهَرَ أَحْمَدُ ، وَعَلَتْ إِمَامَتُهُ ، وَكَانَتْ تُضْرَبُ إِلَيْهِ آبَاطُ الْإِبِلِ ، فَكَانَ يَعْرِفُ لِي حَقَّ صَبْرِي ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ حَلْقَتَهُ فَسَحَ لِي ، وَيَقُصُّ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قِصَّتِي مَعَهُ ، فَكَانَ يُنَاوِلُنِي الْحَدِيثَ مُنَاوَلَةً وَيَقْرَؤُهُ عَلَيَّ وَأَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ ، وَاعْتَلَلْتُ فِي خَلْقِ مَعَهُ . ذَكَرَ الْحِكَايَةَ بِطُولِهَا . نَقَلَهَا الْقَاسِمُ بْنُ بَشْكُوَالَ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ ، وَنَقَلْتُهَا أَنَا مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ الْحَاجِّ ، وَهِيَ مُنْكَرَةٌ ، وَمَا وَصَلَ ابْنُ مَخْلَدٍ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ إِلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ قَدْ قَطَعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَثْنَاءِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَا رَوَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا حَدِيثًا وَاحِدًا ، إِلَى أَنْ مَاتَ وَلَمَّا زَالَتِ الْمِحْنَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، وَهَلَكَ الْوَاثِقُ ، وَاسْتُخْلِفَ الْمُتَوَكِّلُ ، وَأَمَرَ الْمُحَدِّثِينَ بِنَشْرِ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا ، امْتَنَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنَ التَّحْدِيثِ ، وَصَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ ، مَا عَمِلَ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُذَاكِرُ بِالْعِلْمِ وَالْأَثَرِ ، وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَالْفِقْهِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ بَقِيٌّ سَمِعَ مِنْهُ ثَلَاثَ مِائَةِ حَدِيثٍ ، لَكَانَ طَرَّزَ بِهَا " مُسْنَدَهُ " ، وَافْتَخَرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ . فَعِنْدِي مُجَلَّدَانِ مِنْ " مُسْنَدِهِ " ، وَمَا فِيهِمَا عَنْ أَحْمَدَ كَلِمَةٌ . ثُمَّ بَعْدَهَا حِكَايَةٌ أَنْكَرُ مِنْهَا ، فَقَالَ : نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ حَفِيدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَقِيٍّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا رَأَتْ أَبِي مَعَ رَجُلٍ طُوَالٍ جِدًّا ، فَسَأَلَتْهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ تَكُونِي امْرَأَةً صَالِحَةً ، ذَاكَ الْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَنَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا عَنْ جَدِّهِ أَشْيَاءَ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا ، ثُمَّ قَالَ : كَانَ جَدِّي قَدْ قَسَّمَ أَيَّامَهُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ : فَكَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَرَأَ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ ، سُدُسَ الْقُرْآنِ ، وَكَانَ أَيْضًا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَيَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ إِلَى مَسْجِدِهِ ، فَيَخْتِمُ قُرْبَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ . وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ حِزْبِهِ مِنَ الْمُصْحَفِ صَلَاةً طَوِيلَةً جِدًّا ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى دَارِهِ - وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي مَسْجِدِهِ الطَّلَبَةُ - فَيُجَدِّدُ الْوُضُوءَ ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ ، فَإِذَا انْقَضَتِ الدُّوَلُ ، صَارَ إِلَى صَوْمَعَةِ الْمَسْجِدِ ، فَيُصَلِّي إِلَى الظُّهْرِ ، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْأَذَانِ ، ثُمَّ يَهْبِطُ ثُمَّ يَسْمَعُ إِلَى الْعَصْرِ ، وَيُصَلِّي وَيَسْمَعُ ، وَرُبَّمَا خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ ، فَيَقْعُدُ بَيْنَ الْقُبُورِ يَبْكِي وَيَعْتَبِرُ . فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَتَى مَسْجِدَهُ ، ثُمَّ يُصَلِّي ، وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيُفْطِرُ ، وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جِيرَانُهُ ، فَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ، وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ ، فَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً قَدْ أَخَذَتْهَا نَفْسُهُ ، ثُمَّ يَقُومُ . هَذَا دَأْبُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ . وَكَانَ جَلْدًا ، قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ ، قَدْ مَشَى مَعَ ضَعِيفٍ فِي مَظْلَمَةٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ ، وَمَشَى مَعَ آخَرَ إِلَى إِلْبِيرَةَ ، وَمَعَ امْرَأَةٍ ضَعِيفَةٍ إِلَى جَيَّانَ . قُلْتُ : وَهِمَ بَعْضُ النَّاسِ ، وَقَالَ : مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ . بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ، سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَرَّخَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ . وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يُقَالُ : شَهِدَ سَبْعِينَ غَزْوَةً . وَمِنْ حَدِيثِهِ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءِ اللَّهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَكِّيٍّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ ، أَنْبَأَنَا خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابٍ ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ] يُونُسَ ، حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَوْلَا أَنِّي أَنْسَى ذِكْرَ اللَّهِ ، مَا تَقَرَّبْتُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : قَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ اسْتَوْجَبَ الْأَمَانَ مِنْ سُخْطِهِ .

علل الإسناد

إثبات سماع الراوي

أحد الأعلامالإمام القدوةكان إماما مجتهدا صالحا ربانيا صادقا مخلصا

قال أحمد بن أبي خيثمة : ما كنا نسميه إلا المكنسة ، وهل احتاج بلد فيه بقي إلى أن يأتي إلى ها هنا منه أحد ؟

وألف أبو عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البر القرطبي ، الميت في عام ثمانية وثلاثين وثلاث مائة كتابا في أخبار علماء قرطبة ، ذكر فيه بقي بن مخلد ، فقال : كان فاضلا تقيا ، صواما قواما متبتلا ، منقطع القرين في عصره ، منفردا عن النظير في مصره

ولأبي عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البر القرطبي ، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ، كتاب في أخبار علماء قرطبة ، ذكر فيه بقي بن مخلد ، فقال : كان فاضلا تقيا صواما قواما متبتلا ، منقطع القرين في عصره ، منفردا عن النظير في مصره . كان أول طلبه عند محمد بن عيسى الأعشى ، ثم رحل فروى عن أهل الحرمين ، ومصر ، والشام ، والجزيرة ، وحلوان ، والبصرة ، والكوفة ، وواسط ، وبغداد ، وخراسان - كذا قال فغلط ، لم يصل إلى خراسان -قال : وعدن ، والقيروان .

وقال أبو الوليد ابن الفرضي : ملأ بقي بن مخلد الأندلس حديثا ، فأنكر عليه أصحابه الأندلسيون ، ابن خالد ، ومحمد بن الحارث وأبو زيد ما أدخله من كتب الاختلاف وغرائب الحديث ، فأغروا به السلطان ، وأخافوه به . ثم إن الله أظهره عليهم وعصمه منهم ؛ فنشر حديثه وقرأ للناس روايته . ثم تلاه ابن وضاح ، فصارت الأندلس دار حديث وإسناد . ومما انفرد به ، ولم يدخله سواه " مصنف أبي بكر بن أبي شيبة " ، وكتاب " الفقه " للشافعي بكماله ، و " تاريخ خليفة " ، وكتابه الكبير في " الطبقات " ، وكتاب " سيرة عمر بن عبد العزيز " للدورقي ؛ وليس لأحد مثل مسنده . وكان ورعا فاضلا زاهدا ، قد ظهرت له إجابات الدعوة في غير ما شيء .

وقال ابن حزم : مسند بقي روى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف ، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه ، فهو مسند ومصنف ، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث ، وله مصنف في فتاوى الصحابة والتابعين فمن دونهم ، الذي أربى فيه على مصنف أبي بكر بن أبي شيبة وعلى مصنف عبد الرزاق ، ومصنف سعيد بن منصور . ثم ذكر تفسيره وقال : فصارت تصانيف هذا الإمام الفاضل قواعد الإسلام لا نظير لها ، وكان متخيرا لا يقلد أحدا . وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل ، وجاريا في مضمار البخاري ، ومسلم ، وأبي عبد الرحمن النسائي .

وقال محمد بن حزم : أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره ، لا تفسير محمد بن جرير ، ولا غيره .

قال ابن حزم : و " مسند " بقي روى فيه عن ألف وثلاث مائة صاحب ونيف ، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه ، فهو مسند ومصنف ، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله ، مع ثقته وضبطه ، وإتقانه واحتفاله في الحديث . وله مصنف في فتاوى الصحابة والتابعين فمن دونهم ، الذي قد أربى فيه على " مصنف " ابن أبي شيبة ، وعلى " مصنف " عبد الرزاق ، وعلى " مصنف " سعيد بن منصور . . . . ثم إنه نوه بذكر " تفسيره " ، وقال : فصارت تصانيف هذا الإمام الفاضل قواعد الإسلام ، لا نظير لها ، وكان متخيرا لا يقلد أحدا ، وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل ، وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي

وكان إماما زاهدا ، صواما ، صادقا ، كثير التهجد ، مجاب الدعوة ، قليل المثل . وكان مجتهدا لا يقلد أحدا بل يفتي بالأثر .

كان إماما مجتهدا صالحا ربانيا صادقا مخلصا

وكان إماما مجتهدا صالحا ، ربانيا صادقا مخلصا ، رأسا في العلم والعمل ، عديم المثل ، منقطع القرين ، يفتي بالأثر ، ولا يقلد أحدا

الإمام القدوة

الإمام ، القدوة ، شيخ الإسلام

أحد الأعلام

أحد الأعلام

ومن مناقبه أنه كان من كبار المجاهدين في سبيل الله ، يقال : شهد سبعين غزوة

قال طاهر بن عبد العزيز الأندلسي : حملت معي جزءا من " مسند " بقي بن مخلد إلى المشرق ، فأريته محمد بن إسماعيل الصائغ ، فقال : ما اغترف هذا إلا من بحر . وعجب من كثرة علمه

وقال طاهر بن عبد العزيز : حملت معي جزءا من " مسند بقي " إلى المشرق ، فأريته محمد بن إسماعيل الصائغ ، فقال : ما اغترف هذا إلا من بحر ، وعجب من كثرة علمه .

قال ابن لبابة : كان بقي من عقلاء الناس وأفاضلهم ، وكان أسلم بن عبد العزيز يقدمه على جميع من لقيه بالمشرق ، ويصف زهده ، ويقول : ربما كنت أمشي معه في أزقة قرطبة ، فإذا نظر في موضع خال إلى ضعيف محتاج أعطاه أحد ثوبيه .

قال ابن لبابة الحافظ : كان بقي من عقلاء الناس وأفاضلهم

وذكر أبو عبيدة صاحب القبلة قال : كان بقي يختم القرآن كل ليلة في ثلاث عشرة ركعة ، وكان يصلي بالنهار مائة ركعة ، ويصوم الدهر ، وكان كثير الجهاد ، فاضلا ؛ يذكر عنه أنه رابط اثنتين وسبعين غزوة .

وذكر أبو عبيدة صاحب القبلة قال : كان بقي يختم القرآن كل ليلة ، في ثلاث عشرة ركعة ، وكان يصلي بالنهار مائة ركعة ، ويصوم الدهر . وكان كثير الجهاد ، فاضلا ، يذكر عنه أنه رابط اثنتين وسبعين غزوة

التوزيع الموضوعي للأحاديث