عمرو بن بحر بن محبوب
الاسم المختصر: الجاحظ
ترجمة الراوي(4 مصدر)
لسان الميزان▼
عمرو بن بحر الجاحظ : صاحب التصانيف
الجزء 6 · الصفحة 189
5780 - عمرو بن بحر الجاحظ : صاحب التصانيف ، روى عنه أبو بكر بن أبي داود فيما قيل . قال ثعلب : ليس بثقة ولا مأمون . قلت : وكان من أئمة البدع ، انتهى . قال الجاحظ في كتاب البيان : لما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أخبروا به - وصرت إليه ، وقد كان أمر اليزيدي بالنظر فيها ليخبره عنها - قال لي : قد كان بعض من يرتضى عقله ويصدق خبره خبرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة وكثرة الفائدة ، فقلنا : قد تربي الصفة على العيان ، فلما رأيتها ، رأيت العيان قد أربى على الصفة ، فلما فليتها أربى الفلي على العيان . وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه ، ولا يفتقر إلى المحتجين ، وقد جمع استقصاء المعاني ، واستيفاء جميع الحقوق ، مع اللفظ الجزل والمخرج السهل ، فهو سوقي ملوكي وعامي خاصي . قلت : وهذه والله صفة كتب الجاحظ كلها ، فسبحان من أضله على علم . قال المسعودي : توفي سنة خمس وخمسين . وقيل : سنة ست وخمسين . مات الجاحظ بالبصرة ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه . وحكى يموت بن المزرع عن الجاحظ - وكان خاله - أنه دخل إليه ناس ، وهو عليل فسألوه عن حاله فقال : عليل من مكانين من الإفلاس والدين ثم قال : أنا في علل متناقضة يتخوف من بعضها التلف وأعظمها علي نيف وتسعون يعني عمره . وقال أبو العيناء : قال الجاحظ : كان الأصمعي منانيا . فقال له العباس بن رستم : لا والله ، ما كان منانيا ، ولكن تذكر حين جلست إليه تسأله ، فجعل يأخذ نعله بيده ، وهي مخصوفة بحديد ويقول : نعم قناع القدري ، نعم قناع القدري . فعلمت أنه يعنيك ، فقمت وتركته . وروى الجاحظ عن حجاج الأعور وأبي يوسف القاضي وخلق كثير وروايته عنهم في أثناء كتابه في الحيوان . وحكى ابن خزيمة أنه دخل عليه هو وإبراهيم بن محمود ... وذكر قصة . وحكى الخطيب بسند له : أنه كان لا يصلي . وقال الصولي : مات سنة خمسين ومائتين . وقال إسماعيل بن محمد الصفار : سمعت أبا العيناء يقول : أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك ، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي ، فإنه أباه وقال : هذا كذب ، سمعها الحاكم من عبد العزيز بن عبد الملك الأعور . قلت : ما علمت ما أراد بحديث فدك . وقال الخطابي : هو مغموص في دينه . وذكر أبو الفرج الأصبهاني أنه كان يرمى بالزندقة ، وأنشد في ذلك أشعارًا . وقد وقفت على رواية ابن أبي داود عنه ، ذكرتها في غير هذا الموضع ، وهو في الطيوريات . قال ابن قتيبة في اختلاف الحديث : " ثم نصير إلى الجاحظ ، وهو أحسنهم للحجة استثارة ، وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يعظم ، وتصغير العظيم حتى يصغر ، ويكمل الشيء وينقصه ، فنجده مرة يحتج للعثمانية على الرافضة ، ومرة للزيدية على أهل السنة ، ومرة يفضل عليا ومرة يؤخره . ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ، ويتبعه : قال الجماز ، ويذكر من الفواحش ما يجل رسول الله عن أن يذكر في كتاب ذكر أحد منهم فيه ، فكيف في ورقة ، أو بعد سطر أو سطرين . ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين ، فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز للحجة ، كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون ، وتشكيك الضعفة ، ويستهزئ بالحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم . وذكر الحجر الأسود وأنه كان أبيض فسوده المشركون . قال : وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا ، وأشياء من أحاديث أهل الكتاب ، وهو مع هذا أكذب الأمة وأوضعهم لحديث وأنصرهم لباطل " . وقال النديم : قال المبرد : ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة : الجاحظ وإسماعيل القاضي والفتح بن خاقان . وقال النديم لما حكى قول الجاحظ : " لما قرأ المأمون كتبي قال : هي كتب لا يحتاج إلى حضور صاحبها عندي " : إن الجاحظ حسن هذا اللفظ تعظيما لنفسه وتفخيما لتأليفه ، وإلا فالمأمون لا يقول ذلك . وحكي عن ميمون بن هارون أنه قال : قال لي الجاحظ: أهديت كتاب الحيوان لابن الزيات فأعطاني خمسة آلاف دينار ، وأهديت كتاب البيان والتبين لابن أبي دؤاد فأعطاني خمسة آلاف دينار ، وأهديت كتاب النخل والزرع لإبراهيم الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار ، قال : فلست أحتاج إلى شراء ضيعة ولا غيرها . وسرد النديم كتبه وهي مائة ونيف وسبعون كتابًا في فنون مختلفة . وقال ابن حزم في الملل والنحل : كان أحد المجان الضلال ، غلب عليه الهزل ، ومع ذلك فإنا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتًا لها ، وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره . وقال أبو منصور الأزهري في مقدمة تهذيب اللغة : وممن تكلم في اللغات بما حصره لسانه ، وروى عن الثقات ما ليس من كلامهم : الجاحظ ، وكان أوتي بسطة في القول وبيانا عذبا في الخطاب ومجالا في الفنون ، غير أن أهل العلم ذموه ، وعن الصدق دفعوه . وقال ثعلب : كان كذابا على الله وعلى رسوله وعلى الناس .
تاريخ الإسلام▼
عمرو بن بحر بن محبوب ، أبو عثمان الجاحظ . البصري المتكلم المعتزلي ، صاحب التصانيف المشهورة
الجزء 5 · الصفحة 1193
346 - عمرو بن بحر بن محبوب ، أبو عثمان الجاحظ . البصري المتكلم المعتزلي ، صاحب التصانيف المشهورة . أخذ عن أبي إسحاق النظام ، وغيره ، وحدث عن أبي يوسف القاضي ، وثمامة بن أشرس ، وحجاج بن محمد . وعنه أبو العيناء محمد بن القاسم ، ويموت بن المزرع ، وأبو بكر بن أبي داود ، وأبو سعيد العدوي ، وغيرهم . وكان واسع النقل كثير الاطلاع ، من أذكياء بني آدم وأفرادهم وشياطينهم . قال أبو العباس ثعلب : ليس بثقة ولا مأمون . قال الخطيب : حدثنا علي بن أحمد النعيمي من حفظه ، قال : حدثنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : دخلت على عمرو بن بحر الجاحظ فقلت له : حدثني بحديث ، فقال : حدثنا الحجاج بن محمد ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " . وأما ما رواه محمد بن عبد الله الشيباني الكذاب فقال : حدثنا ابن أبي داود ، قال : أتيت منزل الجاحظ ، فاطلع إلي من خوخة فقال : من هذا ؟ قلت : رجل من أصحاب الحديث . فقال : ومتى عهدتني أقول بالحشوية ؟ قلت : إني ابن أبي داود . قال : مرحبا بك وبأبيك . فنزل وفتح لي وقال : ادخل ، أيش تريد ؟ فقلت : حدثني بحديث . قال : اكتب : حدثنا حجاج ، عن حماد ، عن ثابت ، عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على طنفسة . فقلت : حدثني حديثا آخر . فقال : ابن أبي داود لا يكذب . قال يموت بن المزرع : كان جد الجاحظ جمالا أسود . وعن الجاحظ قال : نسيت كنيتي ثلاثة أيام ، فأتيت أهلي فقلت : بمن أكنى ؟ قالوا : بأبي عثمان . وقال المبرد : حدثني الجاحظ قال : وقفت أنا وأبو حرب على قاص ، فأردت الولوع به ، فقلت لمن حوله : إنه رجل صالح لا يحب الشهرة ، فتفرقوا عنه . فقال لي : الله حسيبك ، إذا لم ير الصياد طيرا كيف يمد شبكته . وذكر المبرد أنه ما رأى أحرص على العلم من ثلاثة : الجاحظ ، وكان إذا وقع بيده كتاب قرأه كله ؛ وإسماعيل القاضي ، ما دخلت إليه إلا وبيده كتاب ينظر فيه ؛ والفتح بن خاقان ، كان يحمل الكتاب في خفه ، فإذا قام من بين يدي المتوكل لأمر نظر فيه وهو يمشي ، وكذلك في رجوعه . وقال يموت بن المزرع : سمعت خالي الجاحظ يقول : أمليت على إنسان مرة : أنا عمرو ، فاستملى : أبا بشر وكتب أبا زيد . وقال إسماعيل ابن الصفار : حدثنا أبو العيناء قال : أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك ، فأدخلنا على الشيوخ ببغداد ، فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي ، فإنه قال : لا يشبه آخر هذا الحديث أوله . فلم يقبله . قال الصفار : كان أبو العيناء يحدث بهذا بعدما تاب . وأنشد المبرد للجاحظ : إن حال لون الرأس عن حاله ففي خضاب الرأس مستمتع هب من له شيب له حيلة فما الذي يحتاله الأصلع ؟ وقال رجل للجاحظ : كيف حالك ؟ فقال : يتكلم الوزير برأيي ، وصلات الخليفة متواترة إلي ، وآكل من لحم الطير أسمنها ، وألبس من ألينها ، وأنا صابر حتى يأتي الله بالفرج . فقال له : الفرج ما أنت فيه . قال : بل أحب أن لي الخلافة ، ويختلف إلي محمد بن عبد الملك ، يعني الوزير ، فهذا هو الفرج . وقال أبو العيناء : أنشدنا الجاحظ : يطيب العيش أن تلقى حكيما وفضل العلم يعرفه الأديب سقام الحرص ليس له دواء وداء الجهل ليس له طبيب وقد عمر الجاحظ وبقي كلحم على وضم . قال المبرد : دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت : كيف أنت ؟ قال : كيف يكون من نصفه مفلوج ونصفه الآخر منقرس ، لو طار عليه الذباب لآلمه ، والآفة في هذا أني قد جزت التسعين . وعن عبدان الطبيب قال : دخلنا على الجاحظ نعوده فأتى إليه رسول المتوكل يطلبه ، فقال : وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل ولعاب سائل ؟ ما تقولون في رجل له شقان ، أحدهما لو غرز بالمسال ما أحس والآخر يمر به الذباب فيغوث . وأكثر ما أشكوه الثمانون . قال ابن زبر في الوفيات : توفي سنة خمسين . وقال الصولي : سنة خمس وخمسين . قال أبو هفان : ثلاثة لم أر قط ولا سمعت أحب إليهم من الكتب والعلوم : الجاحظ ، لم يقع بيده كتاب إلا استوفى مطالعته ، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ، ويبيت فيها للنظر ، والفتح بن خاقان ، كان يمشي والكتاب في كمه ينظر فيه ، وإسماعيل القاضي ، ما جئت إليه إلا رأيته يطالع ، أو نحو ذلك .
عمرو بن بحر الجاحظ
الجزء 6 · الصفحة 132
378 - عمرو بن بحر الجاحظ . قيل : توفي سنة خمس خمسين ، وقد ذكر .
سير أعلام النبلاء▼
الْجَاحِظُ الْعَلَّامَةُ الْمُتَبَحِّرُ ، ذُو الْفُنُونِ ، أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ بَحْرِ بْنِ مَحْبُوبٍ الْبَصْرِيُّ الْمُعْتَزِلِيُّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ
الجزء 11 · الصفحة 526
149 - الْجَاحِظُ الْعَلَّامَةُ الْمُتَبَحِّرُ ، ذُو الْفُنُونِ ، أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ بَحْرِ بْنِ مَحْبُوبٍ الْبَصْرِيُّ الْمُعْتَزِلِيُّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ . أَخَذَ عَنِ النَّظَّامِ . وَرَوَى عَنْ : أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي ، وَثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ . رَوَى عَنْهُ : أَبُو الْعَيْنَاءِ ، وَيَمُوتُ بْنُ الْمُزَرَّعِ ابْنُ أُخْتِهِ ، وكَانَ أَحَدَ الْأَذْكِيَاءِ . قَالَ ثَعْلَبٌ : مَا هُوَ بِثِقَةٍ . وَقَالَ يَمُوتُ : كَانَ جَدُّهُ جَمَّالًا أَسْوَدَ . وَعَنِ الْجَاحِظِ : نَسِيتُ كُنْيَتِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، حَتَّى عَرَفَنِي أَهْلِي . قُلْتُ : كَانَ مَاجِنًا قَلِيلَ الدِّينِ ، لَهُ نَوَادِرُ . قَالَ الْمُبَرِّدُ : دَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : كَيْفَ أَنْتَ ؟ قَالَ : كَيْفَ مَنْ نِصْفُهُ مَفْلُوجٌ ، وَنِصْفُهُ الْآخَرُ مُنَقْرَسٌ ؟ لَوْ طَارَ عَلَيْهِ ذُبَابٌ لَآلَمَهُ ، وَالْآفَةُ فِي هَذَا أَنِّي جُزْتُ التِّسْعِينَ . وَقِيلَ : طَلَبَهُ الْمُتَوَكِّلُ ، فَقَالَ : وَمَا يَصْنَعُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِشِقٍّ مَائِلٍ ، وَلُعَابٍ سَائِلٍ ؟ !! . قَالَ ابْنُ زَبْرٍ : مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . وَقَالَ الصُّولِيُّ : مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . قُلْتُ : كَانَ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ ، وَتَصَانِيفُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا . قِيلَ : لَمْ يَقَعْ بِيَدِهِ كِتَابٌ قَطُّ إِلَّا اسْتَوْفَى قِرَاءَتَهُ ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَكْتَرِي دَكَاكِينَ الْكُتْبِيِّينَ ، وَيَبِيتُ فِيهَا لِلْمُطَالَعَةِ ، وَكَانَ بَاقِعَةً فِي قُوَّةِ الْحِفْظِ . وَقِيلَ : كَانَ الْجَاحِظُ يَنُوبُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ الصُّولِيِّ مُدَّةً فِي دِيوَانِ الرَّسَائِلِ . وَقَالَ فِي مَرَضِهِ لِلطَّبِيبِ : اصْطَلَحَتِ الْأَضْدَادُ عَلَى جَسَدِي ، إِنْ أَكَلْتُ بَارِدًا أَخَذَ بِرِجْلِي ، وَإِنْ أَكَلْتُ حَارًّا أَخَذَ بِرَأْسِي . وَمِنْ كَلَامِ الْجَاحِظِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ : الْمَنْفَعَةُ تُوجِبُ الْمَحَبَّةَ ، وَالْمَضَرَّةُ تُوجِبُ الْبِغْضَةَ ، وَالْمُضَادَّةُ عَدَاوَةٌ ، وَالْأَمَانَةُ طُمَأْنِينَةٌ ، وَخِلَافُ الْهَوَى يُوجِبُ الِاسْتِثْقَالَ ، وَمُتَابَعَتُهُ تُوجِبُ الْأُلْفَةَ . الْعَدْلُ يُوجِبُ اجْتِمَاعَ الْقُلُوبِ ، وَالْجَوْرُ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ . حُسْنُ الْخُلُقِ أُنْسٌ ، وَالِانْقِبَاضُ وَحْشَةٌ . التَّكَبُّرُ مَقْتٌ ، وَالتَّوَاضُعُ مِقَةٌ ، الْجُودُ يُوجِبُ الْحَمْدَ ، وَالْبُخْلُ يُوجِبُ الذَّمَّ ، التَّوَانِي يُوجِبُ الْحَسْرَةَ ، وَالْحَزْمُ يُوجِبُ السُّرُورَ ، وَالتَّغْرِيرُ نَدَامَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ إِفْرَاطٌ وَتَقْصِيرٌ ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ نَتَائِجُهَا إِذَا أُقِيمَتْ حُدُودُهَا ; فَإِنَّ الْإِفْرَاطَ فِي الْجُودِ تَبْذِيرٌ ، وَالْإِفْرَاطَ فِي التَّوَاضُعِ مَذَلَّةٌ ، وَالْإِفْرَاطَ فِي الْغَدْرِ يَدْعُو إِلَى أَنْ لَا تَثِقَ بِأَحَدٍ ، وَالْإِفْرَاطَ فِي الْمُؤَانَسَةِ يَجْلِبُ خُلَطَاءَ السُّوءِ . وَلَهُ : وَمَا كَانَ حَقِّي - وَأَنَا وَاضِعٌ هَذَيْن الْكِتَابَيْنِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُكَثِّرُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَيُعِزُّهُ ، وَفِي فَضْلِ مَا بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ ، وَعَبْدِ شَمْسٍ وَمَخْزُومٍ - إِلَّا أَنْ أَقْعُدَ فَوْقَ السِّمَاكَيْنِ ، بَلْ فَوْقَ الْعَيُّوقِ ، أَوْ أتَّجِرَ فِي الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ، وَأَقُودُ الْعَنْقَاءَ بِزِمَامٍ إِلَى الْمَلِكِ الْأَكْبَرِ . وَلَهُ كِتَابُ " الْحَيَوَانِ " سَبْعُ مُجَلَّدَاتٍ ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ كِتَابَ " النِّسَاءِ " وَهُوَ فَرْقٌ مَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَكِتَابَ " الْبِغَالِ " وَقَدْ أُضِيفَ إِلَيْهِ كِتَابٌ سَمَّوْهُ كِتَابَ " الْجِمَالِ " . لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْجَاحِظِ ، وَلَا يُقَارِبُهُ . قَالَ رَجُلٌ لِلْجَاحِظِ : أَلَكَ بِالْبَصْرَةِ ضَيْعَةٌ ؟ قَالَ : فَتَبَسَّمَ ، وَقَالَ : إِنَّمَا إِنَاءٌ وَجَارِيَةٌ وَمَنْ يَخْدِمُهَا ، وَحِمَارٌ ، وَخَادِمٌ . أَهْدَيْتُ كِتَابَ " الْحَيَوَانِ " إِلَى ابْنِ الزَّيَّاتِ ، فَأَعْطَانِي أَلْفَيْ دِينَارٍ ، وَأَهْدَيْتُ إِلَى فُلَانٍ فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ ، يَعْنِي : أَنَّهُ فِي خَيْرٍ وَثَرْوَةٍ . قَالَ يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرَّعِ : سَمِعْتُ خَالِي ، يَقُولُ : أَمْلَيْتُ عَلَى إِنْسَانٍ مَرَّةً : أَخْبَرَنَا عَمْرٌو ، فَاسْتَمْلَى : أَخْبَرَنَا بِشْرٌ ، وَكَتَبَ : أَخْبَرَنَا زَيْدٌ . قُلْتُ : يَظْهَرُ مِنْ شَمَائِلَ الْجَاحِظِ أَنَّهُ يَخْتَلِقُ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَيْنَاءِ ، قَالَ : أَنَا وَالْجَاحِظُ وَضَعْنَا حَدِيثَ فَدَكَ فَأَدْخَلْنَاهُ عَلَى الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ ، فَقَبِلُوهُ إِلَّا ابْنَ شَيْبَةَ الْعَلَوِيَّ ; فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يُشْبِهُ آخِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَوَّلَهُ . ثُمَّ قَالَ الصَّفَّارُ : كَانَ أَبُو الْعَيْنَاءِ يُحَدِّثُ بِهَذَا بَعْدَمَا تَابَ . قِيلَ لِلْجَاحِظِ : كَيْفَ حَالُكَ ؟ قَالَ : يَتَكَلَّمُ الْوَزِيرُ بِرَأْيِي ، وَصِلَاتُ الْخَلِيفَةِ مُتَوَاتِرَةٌ إِلَيَّ ، وَآكُلُ مِنَ الطَّيْرِ أَسْمَنَهَا ، وَأَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ أَلْيَنَهَا ، وَأَنَا صَابِرٌ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِالْفَرَجِ . قِيلَ : بَلِ الْفَرَجُ مَا أَنْتَ فِيهِ . قَالَ : بَلْ أُحِبُّ أَنْ أَلِيَ الْخِلَافَةَ ، وَيَخْتَلِفُ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَعْنِي الْوَزِيرَ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : سَقَامُ الْحِرْصِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ وَدَاءُ الْجَهْلِ لَيْسَ لَهُ طَبِيبٌ وَقَالَ : أَهْدَيْتُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كِتَابَ " الْحَيَوَانِ " ، فَأَعْطَانِي خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ . وَأَهْدَيْتُ كِتَابَ " الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ " إِلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي داود ، فَأَعْطَانِي كَذَلِكَ ، وَأَهْدَيْتُ كِتَابَ " الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ " إِلَى إِبْرَاهِيمَ الصُّولِيِّ ، فَأَعْطَانِي مِثْلَهَا . فَرَجَعْتُ إِلَى الْبَصْرَةِ ، وَمَعِي ضَيْعَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَحْدِيدٍ ، وَلَا إِلَى تَسْمِيدٍ . وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ حَدِيثًا وَاحِدًا . وَتَصَانِيفُ الْجَاحِظِ كَثِيرَةٌ جِدًّا : مِنْهَا " الرَّدُّ عَلَى أَصْحَابِ الْإِلْهَامِ " ، و " الرَّدُّ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ " ، و " الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى " ، " الطُّفَيْلِيَّةُ " ، " فَضَائِلُ التُّرْكِ " ، " الرَّدُّ عَلَى الْيَهُودِ " ، " الْوَعِيدُ " ، " الْحُجَّةُ وَالنُّبُوَّةُ " ، " الْمُعَلِّمِينَ " ، " الْبُلْدَانُ " ، " حَانُوتُ عَطَّارٍ " ، " ذَمُّ الزِّنَى " وَأَشْيَاءُ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ كِتَابَةً ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ طَارِقٍ ، أَخْبَرَنَا السَّلَفِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ الطُّيُورِيِّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ إِمْلَاءً ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ بِصُورَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ زَبْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ : أَتَيْتُ الْجَاحِظَ ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ ، فَاطَّلَعَ عَلَيَّ مِنْ كُوَّةٍ فِي دَارِهِ ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ : رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . فَقَالَ : أَوَ مَا عَلِمْتَ أَنِّي لَا أَقُولُ بِالْحَشْوِيَّةِ ؟ فَقُلْتُ : إِنِّي ابْنُ أَبِي دَاوُدَ . فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ وَبِأَبِيكَ ، ادْخُلْ . فَلَمَّا دَخَلْتُ ، قَالَ لِي : مَا تُرِيدُ ؟ فَقُلْتُ : تُحَدِّثُنِي بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ . فَقَالَ : اكْتُبْ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى طِنْفِسَةٍ . فَقُلْتُ : زِدْنِي حَدِيثًا آخَرَ ، فَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَنْ يَكْذِبَ . قُلْتُ : كَفَانَا الْجَاحِظُ الْمَؤُونَةَ ، فَمَا رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ ، وَلَا هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الْحَدِيثِ ، بَلَى فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ ، فَرُبَّمَا جَازَفَ ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلَّامَةٌ ، صَاحِبُ فُنُونٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ .
تاريخ بغداد▼
عمرو بن بحر بن محبوب ، أبو عثمان الجاحظ
الجزء 14 · الصفحة 124
6622 - عمرو بن بحر بن محبوب ، أبو عثمان الجاحظ . المصنف الحسن الكلام ، البديع التصانيف ، كان من أهل البصرة ، وأحد شيوخ المعتزلة ، وقدم بغداد فأقام بها مدة ، وقد أسند عنه أبو بكر بن أبي داود الحديث ، وهو كناني ، قيل : صليبة ، وقيل : مولى ، وكان تلميذ أبي إسحاق النظام . وذكر يموت بن المزرع أن الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب ، مولى أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني ، ثم الفقيمي ، وهو أحد النساء ، وكان جد الجاحظ أسود ، وكان جمالا لعمرو بن قلع ، قال يموت : والجاحظ خال أمي . حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي إملاء من حفظه ، قال : حدثنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد ، قال : حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ، قال : دخلت على عمرو بن بحر الجاحظ ، فقلت له : حدثني بحديث ، فقال : حدثنا حجاج بن محمد ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أقيمت الصلاة ، فلا صلاة إلا المكتوبة ، قال النعيمي : لا أعلم لحجاج بن محمد ، عن حماد بن سلمة غير هذا . حدثني أحمد بن محمد العتيقي بلفظه , قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني بالكوفة ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي داود ، قال : كنت بالبصرة ، فأتيت منزل الجاحظ عمرو بن بحر ، فاستأذنت عليه ، فاطلع علي من خوخة ، فقال : من هذا ؟ فقلت : رجل من أصحاب الحديث ، فقال : ومتى عهدتني أقول بالحشوية ؟ فقلت : إني ابن أبي داود ، فقال : مرحبا بك وبأبيك ، فنزل ففتح لي ، وقال : ادخل ، أيش تريد ؟ فقلت : تحدثني بحديث ، قال : اكتب : حدثنا حجاج ، عن حماد ، عن ثابت ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على طنفسة ، قلت : حديث آخر ، فقال ابن أبي داود لا يكذب . قرئ على محمد بن الحسن الأهوازي وأنا أسمع فأقر به ، قيل له : حدثكم أبو علي أحمد بن محمد الصولي بالأهواز ، قال : حدثنا دعامة بن الجهم ، قال : حدثنا عمرو بن بحر الجاحظ ، قال : حدثنا أبو يوسف القاضي ، قال : تغديت عند هارون الرشيد ، فسقطت من يدي لقمة ، وانتثر ما كان عليها من الطعام ، فقال : يا يعقوب خذ لقمتك ، فإن المهدي حدثني ، عن أبيه المنصور , عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن عبد الله ، عن أبيه عبد الله بن عباس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أكل ما سقط من الخوان فرزق أولادًا كانوا صباحا . أخبرني محمد بن الحسين الأزرق ، قال : أخبرنا محمد بن الحسن بن زياد الموصلي أنه سمع أبا بكر العمري ، قال : سمعت الجاحظ يقول : نسيت كنيتي ثلاثة أيام فأتيت أهلي ، فقلت : بمن أكنى ؟ فقالوا : بأبي عثمان . أخبرني الصيمري ، قال : حدثنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ، قال : حدثني محمد بن العباس ، قال : حدثني محمد بن يزيد المبرد ، قال : سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه : أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام ، ومن علم إلى عمل ، ومن قدرة إلى عفو ، ومن نعمة إلى شكر . أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي ، قال : أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني ، قال : أخبرنا يحيى بن علي ، قال : حدثني أبي ، قال : قلت للجاحظ : إني قرأت في فصل من كتابك المسمى كتاب البيان والتبيين : إن مما يستحسن من النساء اللحن في الكلام ، واستشهدت ببيتي مالك بن أسماء ، يعني : قوله [ من الخفيف ] : وحديث ألذه هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا قال : هو كذاك قلت : أفما سمعت بخبر هند بنت أسماء بن خارجة مع الحجاج حين لحنت في كلامها ، فعاب ذلك عليها ، فاحتجت ببيتي أخيها ، فقال لها : إن أخاك أراد أن المرأة فطنة ، فهي تلحن بالكلام إلى غير المعنى في الظاهر ، لتستر معناه وتوري عنه ، وتفهمه من أرادت بالتعريض كما قال الله تعالى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ولم ترد الخطأ من الكلام والخطأ لا يستحسن من أحد ، فوجم الجاحظ ساعة ، ثم قال : لو سقط إلي هذا الخبر لما قلت ما تقدم ، فقلت له : فأصلحه ، فقال : الآن وقد سار الكتاب في الآفاق هذا لا يصلح ، أو نحو هذا من الكلام . أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي ، قال : أنشدنا الحسن بن عبد الله البغوي ، قال : أنشدنا علي بن أحمد بن هشام ، قال : أنشدنا أبو العيناء للجاحظ [ من الوافر ] : يطيب العيش أن تلقى حكيما غذاه العلم والظن المصيب فيكشف عنك حيرة كل جهل وفضل العلم يعرفه الأديب سقام الحرص ليس له شفاء وداء الجهل ليس له طبيب أخبرني الصيمري ، قال : حدثنا المرزباني ، قال : أخبرنا أبو بكر الجرجاني ، قال : أنشدنا المبرد للجاحظ [ من السريع ] : إن حال لون الرأس عن حاله ففي خضاب الرأس مستمتع هب من له شيب له حيلة فما الذي يحتاله الأصلع أخبرنا الصيمري ، قال : حدثنا المرزباني ، قال : حدثنا أحمد بن محمد المكي ، قال : حدثني أبو العيناء ، عن إبراهيم بن رباح ، قال : أتاني جماعة من الشعراء فأنشدوني ، كل واحد منهم يدعي أنه مدحني بهذه الأبيات ، وأعطي كل واحد منهم عليها وهي [ من المتقارب ] : بدا حين أثرى بإخوانه ففلل عنهم شباة العدم وذكره الدهر صرف الزمان فبادر قبل انتقال النعم فتى خصه الله بالمكرمات فمازج منه الحيا بالكرم إذا همة قصرت عن يد تناولها بجزيل الهمم ولا ينكت الأرض عند السؤال ليقطع زواره عن نعم قال إبراهيم : فكان اللاحقي منهم ، وأحسبها له ، ثم آخر من جاءني الجاحظ وأنا والي الأهواز ، فأعطيته عليها مالا ، ثم كنت عند ابن أبي دؤاد ، فدخل إلينا الجاحظ فالتفت إلي ابن أبي دؤاد ، فقال : يا أبا إسحاق ، قد امتدحت بأشعار كثيرة ما سمعت بشيء وقع في قلبي وقبلته نفسي مثل أبيات مدحني بها أبو عثمان ، ثم أنشدنيها بحضرته [ من المتقارب ] : بدا حين أثرى بإخوانه فقلت : وجد أيدك الله مقالا , قال : وعجبت من عمرو وسكوته ، ولم أذكر من ذلك شيئا . أخبرني الحسن بن محمد الخلال ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : حدثنا محمد بن يحيى النديم ، قال : حدثنا يموت بن المزرع ، قال : قال لنا عمرو بن بحر الجاحظ : ما غلبني أحد قط إلا رجل وامرأة ، فأما الرجل ، فإني كنت مجتازا في بعض الطرق ، فإذا أنا برجل قصير بطين ، كبير الهامة ، طويل اللحية ، متزر بمئزر ، وبيده مشط يسقي به شقه ويمشطها به ، فقلت في نفسي : رجل قصير بطين ألحى فاستزريته ، فقلت : أيها الشيخ ، قد قلت فيك شعرا ، قال : فترك المشط من يده ، وقال : قل ، فقلت [ من الوافر ] : كأنك صعوة في أصل حش أصاب الحش طش بعد رش فقال لي : اسمع جواب ما قلت : فقلت : هات ، فقال : كأنك كندب في ذنب كبش تدلدل هكذا والكبش يمشي وأما المرأة فإني كنت مجتازا في بعض الطرقات ، فإذا أنا بامرأتين ، وكنت راكبا على حمارة فضرطت الحمارة ، فقالت إحداهما للأخرى : وي حمارة الشيخ تضرط فغاظني قولها ، فأعننت ، ثم قلت لها : إنه ما حملتني أنثى قط إلا ضرطت فضربت بيدها على كتف الأخرى ، وقالت : كانت أم هذا منه تسعة أشهر في جهد جهيد . أخبرني الصيمري , قال : حدثني المرزباني , قال : أخبرنا أبو بكر الجرجاني ، قال : أخبرنا المبرد لأبي كريمة البصري يقول للجاحظ [ من البسيط ] : لم يظلم الله عمرا حين صيره من كل شيء سوى آدابه عاري بتت حبال وصالي كفه قطعت لما استعنت به في بعض أوطاري فكنت في طلبي من عنده فرجا كالمستغيث من الرمضاء بالنار إني أعيذك والمعتاذ محترس من شؤم عمرو بعز الخالق الباري فإن فعلت فحظ قد ظفرت به وإن أبيت فقد أعلنت أسراري أخبرني الصيمري ، قال : حدثنا المرزباني ، قال : حدثني أبو بكر الجرجاني ، قال : حدثنا المبرد ، قال : حدثني الجاحظ ، قال : وقفت أنا ، وأبو حرب على قاص فأردت الولع به ، فقلت لمن حوله : إنه رجل صالح لا يحب الشهرة ، فتفرقوا عنه ، فتفرقوا ، فقال لي : حسيبك الله إذا لم ير الصياد طيرا كيف يمد شبكته . أخبرني القاضي أبو العلاء الواسطي ، قال : أخبرنا أبو عبد الله النيسابوري ، قال : سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن بالويه يقول : سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول : قال لي إبراهيم بن محمود ونحن ببغداد : ألا تدخل على عمرو بن بحر الجاحظ؟ فقلت : ما لي وله ؟ فقال : إنك إذا انصرفت إلى خراسان سألوك عنه ، فلو دخلت عليه وسمعت كلامه ، ثم لم يزل بي حتى دخلت عليه يوما ، فقدم إلينا طبقا عليه رطب ، فتناولت منه ثلاث رطبات وأمسكت ، ومر فيه إبراهيم ، فأشرت إليه أن يمسك فرمقني الجاحظ ، فقال لي : دعه يا فتى ، فقد كان عندي في هذه الأيام بعض إخواني ، فقدمت إليه الرطب فامتنع ، فحلفت عليه فأبى إلا أن يبر قسمي بثلاثمِائَة رطبة . أخبرنا علي بن أبي علي ، قال : حدثنا محمد بن العباس الخزاز ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثنا أبو عمر أحمد بن أحمد السوسنجردي العسكري ، قال : حدثني ابن أبي الذيال المحدث بسر من رأى ، قال : حضرت وليمة حضرها الجاحظ وحضرت صلاة الظهر فصلينا ، وما صلى الجاحظ ، وحضرت صلاة العصر فصلينا ، وما صلى الجاحظ ، فلما عزمنا على الانصراف ، قال الجاحظ لرب المنزل : إني ما صليت لمذهب أو لسبب أخبرك به ، فقال له : أو فقيل له : ما أظن أن لك مذهبا في الصلاة إلا تركها . أخبرني الصيمري ، قال : حدثني المرزباني ، قال : أخبرني محمد بن يحيى ، قال : حدثني أبو العيناء ، قال : كان الجاحظ يأكل مع محمد بن عبد الملك الزيات ، فجاءوا بفالوذجة ، فتولع محمد بالجاحظ ، وأمر أن يجعل من جهته ما رق من الجام ، فأسرع في الأكل فتنطف ما بين يديه ، فقال ابن الزيات : تقشعت سماؤك قبل سماء الناس ، فقال له الجاحظ : لأن غيمها كان رقيقا . وقال : أخبرنا أبو العيناء ، قال : كنت عند ابن أبي دؤاد بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيدا ، وكان في أسبابه وناحيته وعند ابن أبي دؤاد محمد بن منصور ، وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخوزستان ، فقال ابن أبي دؤاد للجاحظ : ما تأويل هذه الآية وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ فقال : تلاوتها تأويلها أعز الله القاضي ، فقال : جيئوا بحداد ، فقال : أعز الله القاضي ليفك عني أو ليزيدني ؟ فقال : بل ليفك عنك ، فجيء بالحداد فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أمره قليلا ، ففعل ، فلطمه الجاحظ ، فقال : اعمل عمل شهر في يوم ، وعمل يوم في ساعة ، وعمل ساعة في لحظة ، فإن الضرر على ساقي وليس بجذع ولا ساجة ، فضحك ابن أبي دؤاد وأهل المجلس منه ، وقال ابن أبي دؤاد لمحمد بن منصور : أنا أثق بظرفه ، ولا أثق بدينه . أخبرني محمد بن الحسن الأهوازي ، قال : حدثنا إيزديار بن سليمان الفارسي ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبا سعيد الجنديسابوري يقول : سمعت الجاحظ يصف اللسان ، قال : هو أداة يظهر بها البيان ، وشاهد يعبر عن الضمير ، وحاكم يفصل الخطاب ، وناطق يرد به الجواب ، وشافع تدرك به الحاجة ، وواصف تعرف به الأشياء ، وواعظ ينهى عن القبيح ، ومعز يرد الأحزان ، ومعتذر يدفع الضغينة ، ومله يونق الأسماع ، وزارع يحرث المودة ، وحاصد يستأصل العداوة ، وشاكر يستوجب المزيد ، ومادح يستحق الزلفة ، ومؤنس يذهب بالوحشة . أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نعيم الضبي ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر المزكي ، قال : حدثنا علي بن القاسم الأديب الخوافي ، قال : حدثني بعض إخواني أنه دخل على عمرو بن بحر الجاحظ ، فقال : يا أبا عثمان كيف حالك ؟ فقال له الجاحظ : سألتني عن الجملة فاسمعها مني واحدا واحدا : حالي أن الوزير يتكلم برأيي ، وينفذ أمري ، ويؤاثر الخليفة الصلات إلي ، وآكل من لحم الطير أسمنها ، وألبس من الثياب ألينها ، وأجلس على ألين الطري ، وأتكئ على هذا الريش ، ثم أصبر على هذا حتى يأتي الله بالفرج ، فقال الرجل : الفرج ما أنت فيه ، قال : بل أحب أن تكون الخلافة لي ، ويعمل محمد بن عبد الملك بأمري ، ويختلف إلي ، فهذا هو الفرج . أخبرنا الحسن بن أبي طالب ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم بن أبي سهل الحلواني ، وأخبرني الصيمري ، قال : حدثنا المرزباني ، قال : أخبرنا أبو بكر الجرجاني قالا : حدثنا المبرد ، قال : دخلت على الجاحظ في آخر أيامه ، وهو عليل ، فقلت له : كيف أنت ؟ فقال : كيف يكون من نصفه مفلوج ، ولو نشر بالمناشير ما حس به ، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه ، والآفة في جميع هذا أني قد جزت التسعين ، ثم أنشدنا [ من الوافر ] : أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت أيام الشباب لقد كذبتك نفسك ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب أخبرني الصيمري ، قال : حدثنا المرزباني ، قال : حدثني أحمد بن يزيد بن محمد المهلبي ، عن أبيه ، قال : قال لي المعتز بالله : يا يزيد ورد الخبر بموت الجاحظ ، فقلت لأمير المؤمنين : طول البقاء ودوام العز ، قال : وذلك في سنة خمس وخمسين ومائتين ، قال المعتز : لقد كنت أحب أن أشخصه إلي ، وأن يقيم عندي ، فقلت له : إنه كان قبل موته عضلا بالفالج . قال أحمد بن يزيد : وفيه يقول أبو شراعة [ من مجزوء الكامل ] : في العلم للعلماء إن يتفهموه واعظ وإذا نسيت وقد جمعت علا عليك الحافظ ولقد رأيت الظرف دهرا ما حواه لافظ حتى أقام طريقه عمرو بن بحر الجاحظ ثم انقضى أمد به وهو الرئيس الفائظ قرأت في كتاب عمرو بن محمد بن الحسن البصير ، عن محمد بن يحيى الصولي ، قال : مات الجاحظ في المحرم سنة خمس وخمسين ومائتين .
جرح وتعديل(12 عالم)
وقال إسماعيل بن محمد الصفار : سمعت أبا العيناء يقول : أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك ، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي ، فإنه أباه وقال : هذا كذب ، سمعها الحاكم من عبد العزيز بن عبد الملك الأعور
وذكر أبو الفرج الأصبهاني أنه كان يرمى بالزندقة ، وأنشد في ذلك أشعارا
قال الجاحظ في كتاب البيان : لما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أخبروا به - وصرت إليه ، وقد كان أمر اليزيدي بالنظر فيها ليخبره عنها - قال لي : قد كان بعض من يرتضى عقله ويصدق خبره خبرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة وكثرة الفائدة ، فقلنا : قد تربي الصفة على العيان ، فلما رأيتها ، رأيت العيان قد أربى على الصفة ، فلما فليتها أربى الفلي على العيان . وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه ، ولا يفتقر إلى المحتجين ، وقد جمع استقصاء المعاني ، واستيفاء جميع الحقوق ، مع اللفظ الجزل والمخرج السهل ، فهو سوقي ملوكي وعامي خاصي . قلت : وهذه والله صفة كتب الجاحظ كلها ، فسبحان من أضله على علم
وقال ابن حزم في الملل والنحل : كان أحد المجان الضلال ، غلب عليه الهزل ، ومع ذلك فإنا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتا لها ، وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره
قال ابن قتيبة في اختلاف الحديث : " ثم نصير إلى الجاحظ ، وهو أحسنهم للحجة استثارة ، وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يعظم ، وتصغير العظيم حتى يصغر ، ويكمل الشيء وينقصه ، فنجده مرة يحتج للعثمانية على الرافضة ، ومرة للزيدية على أهل السنة ، ومرة يفضل عليا ومرة يؤخره . ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ، ويتبعه : قال الجماز ، ويذكر من الفواحش ما يجل رسول الله عن أن يذكر في كتاب ذكر أحد منهم فيه ، فكيف في ورقة ، أو بعد سطر أو سطرين . ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين ، فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز للحجة ، كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون ، وتشكيك الضعفة ، ويستهزئ بالحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم . وذكر الحجر الأسود وأنه كان أبيض فسوده المشركون . قال : وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا ، وأشياء من أحاديث أهل الكتاب ، وهو مع هذا أكذب الأمة وأوضعهم لحديث وأنصرهم لباطل "
وقال الخطابي : هو مغموص في دينه
وحكى الخطيب بسند له : أنه كان لا يصلي
قلت : وكان من أئمة البدع
وقال ثعلب : كان كذابا على الله وعلى رسوله وعلى الناس
قال ثعلب : ليس بثقة ولا مأمون
قال المسعودي : توفي سنة خمس وخمسين . وقيل : سنة ست وخمسين . مات الجاحظ بالبصرة ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه
وقال أبو منصور الأزهري في مقدمة تهذيب اللغة : وممن تكلم في اللغات بما حصره لسانه ، وروى عن الثقات ما ليس من كلامهم : الجاحظ ، وكان أوتي بسطة في القول وبيانا عذبا في الخطاب ومجالا في الفنون ، غير أن أهل العلم ذموه ، وعن الصدق دفعوه
وقال النديم : قال المبرد : ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة : الجاحظ وإسماعيل القاضي والفتح بن خاقان . وقال النديم لما حكى قول الجاحظ : " لما قرأ المأمون كتبي قال : هي كتب لا يحتاج إلى حضور صاحبها عندي " : إن الجاحظ حسن هذا اللفظ تعظيما لنفسه وتفخيما لتأليفه ، وإلا فالمأمون لا يقول ذلك
