جعفر بن أبي علي : يحيى بن خالد بن برمك
الاسم المختصر: جعفر بن يحيى البرمكي
ترجمة الراوي(3 مصدر)
تاريخ الإسلام▼
جعفر البرمكي . الوزير جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ، أبو الفضل ، أصله من الفرس
الجزء 4 · الصفحة 823
41 - جعفر البرمكي . الوزير جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ، أبو الفضل ، أصله من الفرس ، كان مليحا ، جميلا ، لسنا ، بليغا ، عالما ، أديبا ، يضرب بجوده المثل ، وكان مسرفا على نفسه ، غارقا في بحر اللذات ، والمعاصي ، تمكن من الرشيد ، وبلغ من الجاه والرفعة ما لا مزيد عليه ، وولي هو وأبوه وإخوته الأعمال الجليلة ، وكثرت عليهم الأموال . وقد مر في الحوادث من أخباره ، وأنه قتل في صفر سنة سبع ، وقد ولي نيابة الملك على دمشق ، فقدمها في سنة ثمانين ومائة . ومن ألفاظه : قال مرة للرشيد : إذا أقبلت الدنيا عليك ، فأعط ، فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت فأعط ، فإنها لا تبقى . قال محمد بن جرير : هاجت العصبية بالشام وتفاقم الأمر ، فاغتم الرشيد ، فعقد لجعفر ، وقال : إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا ، فسار إليهم جعفر ، فأصلح بينهم ، وقتل فيهم ، ولم يدع لهم رمحا ولا قوسا ، فهجم الأمر ، واستخلف على دمشق عيسى بن المعلى ، وانصرف . قال الخطيب : كان جعفر عند الرشيد بحالة لم يشاركه فيها أحد ، وجوده ، وسخاؤه أشهر من أن يذكر ، وكان من ذوي اللسن والبلاغة ، يقال : إنه وقع في ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ، ونظر في جميعها ، فلم يخرج شيئا منها عن موجب الفقه ، وكان أبوه يحيى قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علمه ، وفقهه . وعن ثمامة بن أشرس قال : ما رأيت أبلغ من جعفر بن يحيى ، والمأمون . قيل : اعتذر رجل إلى جعفر ، فقال : قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا ، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك . قال محمد بن عبد الله بن طهمان : حدثني أبي قال : كان أبو علقمة الثقفي صاحب " الغريب " عند جعفر بن يحيى ، فقال وقد أقبلت عليه خنفساة : أليس يقال إن الخنفساة إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا ؟ قالوا : بلى ، فقال : يا غلام أعطه ألف دينار ، فأعطاه ، فنحوها عنه ، قال : فعادت إليه ، فقال : يا غلام أعطه ألفا أخرى . قال جحظة : حدثني ميمون بن مهران قال : حدثني الرشيدي قال : حدثني مهذب حاجب العباس بن محمد : أن العباس نالته إضاقة ، وكثر الغرماء ، فأخرج سفطا فيه جوهر شراؤه ألف ألف درهم ، فحمله إلى جعفر بن يحيى ، فالتقاه جعفر ، فقال : أريد على هذا خمس مائة ألف حتى تأتي الغلة ، فقال : أفعل ، ورفع السفط . فلما رجع العباس بن محمد إلى منزله ، وجد السفط قد سبقه ، ومعه ألف ألف درهم ، ثم من الغد دخل جعفر إلى الرشيد فكلمه فيه ، فأمر له بثلاث مائة ألف دينار . قال ابن المرزبان : حدثنا أبو يعقوب النخعي ، قال : حدثنا علي بن زيد كاتب العباس ابن المأمون قال : حدثني إسحاق الموصلي ، عن أبيه قال : حج الرشيد ومعه جعفر ، وأنا معهم ، فلما صرنا إلى المدينة ، قال لي جعفر : أحب أن تنظر لي جارية لا يكون مثلها في الغناء والظرف ، فأرشدت إلى جارية لم أر مثلها ، وغنت فأجادت ، فقال لي صاحبها : لا أبيعها بأقل من أربعين ألف دينار . قلت : قد أخذتها ، وأشترط عليك نظرة ، قال : لك ذلك . فأتيت جعفرا ، فقلت : أصبت صاحبتك على غاية الكمال ، فاحمل المال ، فحملنا المال على حمالين ، وجاء جعفر مستخفيا ، فدخلنا على الرجل وأخرجها ، فلما رآها جعفر أعجب بها ، فغنت ، فازداد بها عجبا ، وقال : افصل أمرها ، فقلت لمولاها : خذ المال ، فقالت الجارية : يا مولاي في أي شيء أنت ؟ قال : قد عرفت ما كنا فيه من النعمة ، وقد نقصت عن ذلك ، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك ، فتنبسطي في شهواتك ، فقالت : لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا ، فاذكر العهد ، وقد كان حلف أن لا يأكل لها ثمنا ، فتغرغرت عين الرجل بالدموع ، وقال : اشهدوا أنها حرة لوجه الله ، وأني قد تزوجتها ، وأمهرتها داري ، فقال جعفر بن يحيى : انهض بنا ، فدعوت الحمالين ليحملوا الذهب ، فقال جعفر : والله لا صحبنا منه درهما ، وقال لمولاها : أنفقه عليكما . وقيل : لما نكبت البرامكة ، وجد في خزائن جعفر جرة فيها ألف دينار في الدينار مائة دينار سكته : وأصفر من ضرب دار الملو ك يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا متى يعطه معسر يوسر مثنى بن محمد ، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن مؤدب البرامكة قال : أمر جعفر أن تضرب له دنانير ، زنة الدينار ثلاث مائة مثقال ، وتصير عليه صورته . وهو مراد أبي العتاهية بقوله : يلوح على وجهه جعفر قال صاحب " الأغاني " : أخبرنا عبد الله بن الربيع الربيعي : قال : حدثني أحمد بن إسماعيل ، عن محمد بن جعفر بن يحيى قال : شهدت أبي وهو يحدث جدي يحيى ، وأنا صغير ، عن بعض خلواته مع الرشيد فقال : يا أبة ، أخذ أمير المؤمنين بيدي ، ثم أقبل في الحجر يخترقها ، حتى انتهى إلى حجرة ففتحت له ، ورجع من كان معنا ، ثم صرنا إلى حجرة ، ففتحها بيده ، ودخلنا معا ، وأغلقها من داخل ، ثم صرنا إلى رواق ، وفي صدره مجلس مغلق ، فقعد على بابه ونقره ، فسمعنا حسا ، ثم نقر ، فسمعت صوت عود ، فغنت جارية ، ما ظننت أن الله خلق مثلها في حسن الغناء ، فقال لها : غني صوتي ، فغنت : ومحبب شهد الرفاق وقبله غنى الجواري حاسرا ، ومنقبا لبس الدلال وقام ينقر دفه نقرا أقر به العيون وأطربا إن النساء رأينه فعشقنه وشكون شدة ما بهن فكذبا فطربت والله ، ثم غنت فرقصنا معا ، ثم قال لي : انهض بنا ، فلما صرنا في الدهليز ، قال : أتعرف هذه ؟ قلت : لا ، قال : هي علية بنت المهدي ، والله لئن لفظت به لأقتلنك . فقال له جدي : فقد والله لفظت به ، والله ليقتلنك . قيل : أنشدت جعفرا امرأة كلابية : إني مررت على العقيق وأهله يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضرهم إذ مر فيهم جعفر أن لا يكون ربيعهم ممطورا وروى الإسكافي ، عن إسحاق الموصلي قال : قال لي الرشيد بعد قتل جعفر وصلبه : اخرج بنا ننظر إليه ، فلما عاينه أنشأ يقول : تقاضاك دهرك ما أسلفا وكدر عيشك بعد الصفا ولا تعجبن فإن الزمان رهين بتفريق ما ألفا الحارث بن أبي أسامة ، حدثنا إسماعيل بن محمد - ثقة - قال : لما بلغ ابن عيينة قتل جعفر البرمكي حول وجهه إلى الكعبة ، وقال : اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا ، فاكفه مؤونة الآخرة . ابن المرزباني ، عن هاشم بن سعيد البلدي ، عن أبيه قال : لما صلب جعفر ، وقف الرقاشي الشاعر ، وأنشأ يقول : أما والله لولا خوف واش وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى حساما فله السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا لدولة آل برمك السلام فطلبه الرشيد فأحضر ، فقال : كم كان يعطيك جعفر ؟ قال : في السنة ألف دينار ، فأمر له بألفي دينار . وقال الكوكبي : حدثني أبو بكر وجه الهرة ، قال : حدثني غسان بن محمد القاضي ، عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة ، قال : دخلت على أمي يوم النحر ، وعندها امرأة برزة جلدة في أثواب رثة ، فقالت لي : أتعرف هذه ؟ قلت : لا ، قالت : هذه عبادة أم جعفر البرمكي ، فسلمت عليها ، ورحبت بها ، وقلت : يا فلانة حدثينا ببعض أمركم ، قالت : أذكر لك جملة فيها عبرة ، لقد هجم علي مثل هذا العيد ، وعلى رأسي أربع مائة جارية ، وأنا أزعم أن ابني جعفرا عاق لي ، وقد أتيتكم يقنعني جلد شاتين ، أجعل أحدهما شعارا ، والآخر دثارا . قال عبد الله بن روح المدائني : ولدت يوم قتل جعفر البرمكي ، وهو أول صفر سنة سبع وثمانين ومائة . قال ابن جرير : وعاش سبعا وثلاثين سنة . وقد ذكرنا من أخباره في حوادث السنة المذكورة ، سامحه الله .
سير أعلام النبلاء▼
أَخُوهُ الْفَضْلُ
الجزء 9 · الصفحة 59
18 - الْبَرْمَكِيُّ الْوَزِيرُ الْمَلِكُ أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ ابْنُ الْوَزِيرِ الْكَبِيرِ أَبِي عَلِيٍّ يَحْيَى ابْنِ الْوَزِيرِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ الْفَارِسِيُّ . كَانَ خَالِدٌ مِنْ رِجَالِ الْعَالَمِ ، تَوَصَّلَ إِلَى أَعْلَى الْمَرَاتِبِ فِي دَوْلَةِ أَبِي جَعْفَرٍ ، ثُمَّ كَانَ ابْنُهُ يَحْيَى كَامِلَ السُّؤْدُدِ ، جَلِيلَ الْمِقْدَارِ ، بِحَيْثُ إِنَّ الْمَهْدِيَّ ضَمَّ إِلَيْهِ وَلَدَهُ الرَّشِيدَ ، فَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ وَأَدَّبَهُ ، فَلَمَّا أَفَضْتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الرَّشِيدِ ، رَدَّ إِلَى يَحْيَى مَقَالِيدَ الْأُمُورِ وَرَفَعَ مَحِلَّهُ ، وَكَانَ يُخَاطِبُهُ يَا أَبِي ، فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْوُزَرَاءِ ، وَنَشَأَ لَهُ أَوْلَادٌ صَارُوا مُلُوكًا ، وَلَا سِيَّمَا جَعْفَرَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا جَعْفَرٌ ؟ ، لَهُ نَبَأٌ عَجِيبٌ ، وَشَأْنٌ غَرِيبٌ ، بَقِيَ فِي الِارْتِقَاءِ فِي رُتْبَةٍ ، شَرَكَ الْخَلِيفَةَ فِي أَمْوَالِهِ وَلَذَّاتِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِي الْمَمَالِكِ ، ثُمَّ انْقَلَبَ الدَّسْتُ فِي يَوْمٍ ، فَقُتِلَ ، وَسُجِنَ أَبُوهُ وَإِخْوَتُهُ إِلَى الْمَمَاتِ ، فَمَا أَجْهَلَ مَنْ يَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا ! وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ يَقُولُ : الدُّنْيَا دُوَلٌ ، وَالْمَالُ عَارِيَّةٌ ، وَلَنَا بِمَنْ قَبْلَنَا أُسْوَةٌ ، وَ[فِينَا] لِمَنْ بَعْدَنَا عِبْرَةٌ . قَالَ إِسْحَاقُ الْمَوْصِلِيُّ : كَانَتْ صِلَةُ يَحْيَى إِذَا رَكِبَ لِمَنْ سَأَلَهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، أَتَيْتُهُ ، وَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ ضِيقًا ، فَقَالَ : مَا أَصْنَعُ بِكَ ؟ مَا عِنْدِي شَيْءٌ ، وَلَكِنِّي قَدْ جَاءَنِي خَلِيفَةُ صَاحِبِ مِصْرَ يَسْأَلُ أَنْ أَسْتَهْدِيَ صَاحِبَهُ شَيْئًا ، فَأَبَيْتُ ، فَأَلَحَّ ، وَبَلَغَنِي أَنَّ لَكَ جَارِيَةً بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ ، فَهُوَ ذَا أَسْتَهْدِيهِ إِيَّاهَا ، فَلَا تَنْقُصْهَا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ شَيْئًا . قَالَ : فَمَا شَعُرْتُ إِلَّا وَالرَّجُلُ قَدْ أَتَى ، فَسَاوَمَنِي بِالْجَارِيَةِ ، فَبَذَلَ عِشْرِينَ أَلْفًا ، فَلِنْتُ فَبِعْتُهَا . فَلَمَّا أَتَيْتُ يَحْيَى ، عَنَّفَنِي ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا خَلِيفَةُ صَاحِبِ فَارِسَ قَدْ جَاءَنِي في نَحْوَ هَذَا ، فَخُذْ جَارِيَتَكَ مِنِّي ، فَإِذَا سَاوَمَكَ ، لَا تَنْقُصْهَا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ . قَالَ : فَأَتَانِي ، فَبِعْتُهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفًا ، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى يَحْيَى ، قَالَ : أَلَمْ نُؤَدِّبْكَ ؟ خُذْ جَارِيَتَكَ . قُلْتُ : قَدْ أَفَدْتُ بِهَا خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَيَّ ؟ ! هِيَ حُرَّةٌ ، وَإِنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا . قِيلَ : إِنَّ وَلَدًا لِيَحْيَى قَالَ لَهُ وَهُمْ فِي الْقُيُودِ : يَا أَبَةِ بَعْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْأَمْوَالِ صِرْنَا إِلَى هَذَا ؟ قَالَ : يَا بُنَيَّ دَعْوَةُ مَظْلُومٍ غَفَلْنَا عَنْهَا ، لَمْ يَغْفَلِ اللَّهُ عَنْهَا . مَاتَ يَحْيَى مَسْجُونًا بِالرَّقَّةِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً . فَأَمَّا جَعْفَرٌ ، فَكَانَ مِنْ مِلَاحِ زَمَانِهِ ، كَانَ وَسِيمًا أَبْيَضَ جَمِيلًا فَصِيحًا مُفَوَّهًا ، أَدِيبًا ، عَذْبَ الْعِبَارَةِ ، حَاتِمِيَّ السَّخَاءِ ، وَكَانَ لَعَّابًا غَارِقًا فِي لَذَّاتِ دُنْيَاهُ ، وَلِيَ نِيَابَةَ دِمَشْقَ ، فَقَدِمَهَا فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ، فَكَانَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهَا ، وَيُلَازِمُ هَارُونَ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ ، فَأَعْطِ ، فَإِنَّهَا لَا تَفْنَى ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ ، فَأَعْطِ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاجَتِ الْعَصَبِيَّةُ بِالشَّامِ ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ ، فَاغْتَمَّ الرَّشِيدُ ، فَعَقَدَ لِجَعْفَرٍ ، وَقَالَ : إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ أَوْ أَخْرُجَ ، فَسَارَ فَقَتَلَ فِيهِمْ ، وَهَذَّبَهُمْ ، وَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ رُمْحًا وَلَا قَوْسًا ، فَهَجَمَ الْأَمْرُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ عِيسَى بْنَ الْمُعَلَّى ، وَرَدَّ . قَالَ الْخَطِيبُ : كَانَ جَعْفَرٌ عِنْدَ الرَّشِيدِ بِحَالَةٍ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ ، وُجُودُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرُ ، وَكَانَ مِنْ ذَوِي اللَّسْنِ وَالْبَلَاغَةِ ، يُقَالُ : إِنَّهُ وَقَّعَ لَيْلَةً بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ زِيَادَةً عَلَى أَلْفِ تَوْقِيعٍ ، وَنَظَرَ فِي جَمِيعِهَا ، فَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا مِنْهَا عَنْ مُوجَبِ الْفِقْهِ . كَانَ أَبُوهُ قَدْ ضَمَّهُ إِلَى الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ حَتَّى فَقِهَ . وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَبْلَغَ مِنْ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ وَالْمَأْمُونِ . قِيلَ : اعْتَذَرَ إِلَى جَعْفَرٍ رَجُلٌ ، فَقَالَ : قَدْ أَغْنَاكَ اللَّهُ بِالْعُذْرِ مِنَّا عَنِ الِاعْتِذَارِ إِلَيْنَا ، وَأَغْنَانَا بِالْمَوَدَّةِ لَكَ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِكَ قَالَ جَحْظَةُ : حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، حَدَّثَنِي الرَّشِيدِيُّ ، حَدَّثَنِي مُهَذَّبٌ حَاجِبُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي أَخَا الْمَنْصُورِ - أَنَّ الْعَبَّاسَ نَالَتْهُ إِضَاقَةٌ ، فَأَخْرَجَ سَفَطًا فِيهِ جَوْهَرٌ بِأَلْفِ أَلْفٍ ، فَحَمَلَهُ إِلَى جَعْفَرٍ ، وَقَالَ : أُرِيدُ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ . قَالَ : نَعَمْ وَأَخَذَ السَّفَطَ . فَلَمَّا رَجَعَ الْعَبَّاسُ إِلَى دَارِهِ ، وَجَدَّ السَّفَطَ قَدْ سَبَقَهُ وَمَعَهُ أَلْفُ أَلْفٍ . وَدَخَلَ جَعْفَرٌ عَلَى الرَّشِيدِ ، فَخَاطَبَهُ فِي الْعَبَّاسِ ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيِّ ، قَالَ : حَجَّ الرَّشِيدُ وَجَعْفَرٌ وَأَنَا مَعَهُمْ ، فَقَالَ لِي جَعْفَرٌ : انْظُرْ لِي جَارِيَةً لَا مِثْلَ لَهَا فِي الْغِنَاءِ وَالظُّرْفِ . قَالَ : فَأُرْشِدْتُ إِلَى جَارِيَةٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا ، وَغَنَّتْ ، فَأَجَادَتْ ، فَقَالَ مَوْلَاهَا : لَا أَبِيعُهَا بِأَقَلِّ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ . قُلْتُ : قَدْ أَخَذْتُهَا ، فَأُعْجِبَ بِهَا جَعْفَرٌ ، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ : يَا مَوْلَايَ فِي أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ ؟ قَالَ : قَدْ عَرَفْتِ مَا كُنَّا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ ، فَأَرَدْتُ أَنَّ تَصِيرِي إِلَى هَذَا الْمَلِكِ ، فَتَسْعَدِي . قَالَتْ : لَوْ مَلَكْتُ مِنْكَ مَا مَلَكْتَ مِنِّي ، مَا بِعْتُكَ بِالدُّنْيَا ، فَاذْكُرِ الْعَهْدَ - وَقَدْ كَانَ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَهَا ثَمَنًا - فَتَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ : اشْهَدُوا أَنَّهَا حُرَّةٌ ، وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا ، وَأَمْهَرْتُهَا دَارِي . فَقَالَ جَعْفَرٌ : انْهَضْ بِنَا . فَدَعَوْتُ الْحَمَّالِينَ لِنَقْلِ الذَّهَبِ ، فَقَالَ جَعْفَرٌ : وَاللَّهِ لَا صَحِبَنَا مِنْهُ دِرْهَمٌ . وَقَالَ لِمَوْلَاهَا : أَنْفِقْهُ عَلَيْكُمَا . قِيلَ : كَانَ فِي خَزَائِنَ جَعْفَرٍ دَنَانِيُرُ زِنَةُ الْوَاحِدِ مِائَةُ مِثْقَالٍ ، كَانَ يَرْمِي بِهَا إِلَى أَصْطِحَةِ النَّاسِ سِكَّتَهُ . وَأَصْفَرَ مِنْ ضَرْبِ دَارِ الْمُلُوكِ يَلُوحُ عَلَى وَجْهِهِ جَعْفَرُ يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ وَاحِدًا مَتَى يُعْطَهُ مُعْسِرٌ يُوسِرُ وَقِيلَ : بَلِ الشِّعْرُ لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ ، وَكَانَ عَلَى الدِّينَارِ صُورَةُ جَعْفَرٍ . قَالَ صَاحِبُ " الْأَغَانِي " : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ أَبِي يَحْدُثُ جِدِّي وَأَنَا صَغِيرٌ ، قَالَ : أَخَذَ بِيَدِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَقْبَلَ يَخْتَرِقُ الْحُجَرَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حُجْرَةٍ ، فَفَتَحَهَا ، وَدَخَلْنَا فَأَغْلَقَهَا ، وَقَعَدْنَا عَلَى بَابٍ وَنَقَرَهُ ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ عُودٍ ، فَغَنَّتِ امْرَأَةٌ ، فَأَجَادَتْ ، فَطَرِبْتُ وَاللَّهِ ، ثُمَّ غَنَّتْ ، فَرَقَصْنَا مَعًا ، وَخَرَجْنَا ، فَقَالَ لِي : أَتَعْرِفُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : عُلَيَّةُ أُخْتِي ، وَاللَّهِ لَئِنْ لَفَظْتَ بِهِ ، لَأَقْتُلَنَّكَ ، فَقَالَ لَهُ جَدِّي : فَقَدْ لَفَظْتَ بِهِ ، وَاللَّهِ لِيَقْتُلْنَكَ . وَقِيلَ : إِنَّ امْرَأَةً كِلَابِيَةٍ أَنْشَدَتْ جَعْفَرًا : إِنِّي مَرَرْتُ عَلَى الْعَقِيقِ وَأَهْلِهِ يَشْكُونَ مِنْ مَطَرِ الرَّبِيعِ نَزُورَا مَا ضَرَّهُمُ إِذْ مَرَّ فِيهِمْ جَعْفَرٌ أَنْ لَا يَكُونَ رَبِيعُهُمْ مَمْطُورَا قَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ مَصْرَعِ جَعْفَرٍ عَلَى أَقْوَالٍ : فَقِيلَ : إِنَّ جِبْرِيلَ ابْنَ بَخْتَيْشُوعَ الطَّبِيبَ قَالَ : إِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ الرَّشِيدِ ، فَدَخَلَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ ، وَكَانَ يَدْخُلُ بِلَا إِذْنٍ ، فَسَلَّمَ ، فَرَدَّ الرَّشِيدُ رَدًّا ضَعِيفًا ، فَوَجَمَ يَحْيَى ، فَقَالَ هَارُونُ : يَا جِبْرِيلُ ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ بِلَا إِذْنٍ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَمَا بَالُنَا ؟ فَوَثَبَ يَحْيَى ، وَقَالَ : قَدَّمَنِي اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قِبَلَكَ ، وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا شَيْءٌ خَصَصْتَنِي بِهِ ، وَالْآنَ فَتُبْتُ ، فَاسْتَحْيَى الرَّشِيدُ ، وَقَالَ : مَا أَرَدْتُ مَا تَكْرَهُ ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ . وَقِيلَ : إِنَّ ثُمَامَةَ قَالَ : أَوَّلُ مَا أَنْكَرَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ رَفَعَ رِسَالَةً إِلَى الرَّشِيدِ يَعِظُهُ ، وَفِيهَا : إِنَّ يَحْيَى لَا يُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا . فَأَوْقَفَ الرَّشِيدُ يُحْيِي عَلَى الرِّسَالَةِ ، وَقَالَ : أَتَعْرِفُ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هُوَ مُنَّهمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَسَجَنَهُ ، فَلَمَّا نُكِبَتِ الْبَرَامِكَةُ ، أَحْضَرَهُ ، وَقَالَ : أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ . قَالَ : أَتَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَضَعْتَ فِي رِجْلِي الْقَيْدَ ، وَحُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيَالِي بِلَا ذَنْبٍ سِوَى قَوْلِ حَاسِدٍ يَكِيدُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ ، وَيُحِبُّ الْإِلْحَادَ وَأَهْلَهُ . فَأَطْلَقَهُ ، وَقَالَ : أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا أُبْغِضُكَ فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ ، وَقَالَ : أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : انْتَقَمَ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَكَ ، فَقَالَ النَّاسُ فِي الْبَرَامِكَةِ وَكَثَّرُوا . وَقِيلَ : إِنْ يَحْيَى دَخَلَ بَعْدُ عَلَى الرَّشِيدِ ، فَقَالَ لِلْغِلْمَانِ : لَا تَقُومُوا لَهُ . فَارْبَدَّ لَوْنُ يَحْيَى . وَقِيلَ : بَلْ سَبَبُ قَتْلِ جَعْفَرٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَلَّمَ لَهُ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ الْعَلَوِيَّ ، فَرَقَّ لَهُ ، وَأَطْلَقَهُ سِرًّا ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَنْعِتُهُ إِلَى الرَّشِيدِ ، وَأَنَّهُ رَآهُ بِحُلْوَانَ ، فَأَعْطَى الرَّجُلَ مَالًا . وَقِيلَ : بَلْ أَنْشَأَ جَعْفَرٌ دَارًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَأَسْرَفَ . وَقِيلَ : اعْتَمَرَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ ، فَتَعَلَّقَ بِالْأَسْتَارِ ، وَقَالَ : رَبِّ ذُنُوبِي عَظِيمَةٌ ، فَإِنْ كُنْتَ مُعَاقِبِي ، فَاجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَمَالِي وَوَلَدِي حَتَّى أَبْلُغَ رِضَاكَ ، فَقَدَحَ الْأَمِيرُ ابْنُ مَاهَانَ عِنْدَ الرَّشِيدِ فِي مُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ ، وَأَعْلَمَهُ طَاعَةَ أَهْلِ خُرَاسَانَ لَهُ ، وَأَنَّهُ يُكَاتِبُهُمْ ، فَاسْتَوْحَشَ الرَّشِيدُ مِنْهُ ، وَرَكِبَهُ دَيْنٌ ، فَاخْتَفَى مِنَ الْغُرَمَاءِ ، فَتَوَهَّمَ الرَّشِيدُ أَنَّهُ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ ، ثُمَّ ظَهَرَ ، فَسَجَنَهُ فَهَذَا أَوَّلُ نَكْبَتِهِمْ ، فَأَتَتْ أُمُّهُ تُلَاطِفُ الرَّشِيدَ ، فَقَالَ : يَضْمَنُهُ أَبُوهُ ، فَضَمِنَهُ . وَغَضِبَ الرَّشِيدُ أَيْضًا عَلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى لِتَرْكِهِ الشُّرْبَ مَعَهُ ، وَكَانَ الْفَضْلُ يَقُولُ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يُنْقِصُ مُرُوءَتِي ، لَتَرَكْتُهُ ، وَكَانَ مَشْغُوفًا بِالسَّمَاعِ ، وَكَانَ جَعْفَرٌ يُنَادِمُ الرَّشِيدَ ، وَيَأْمُرُهُ أَبُوهُ بِالْإِقْلَالِ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا يَسْمَعُ ، وَقَالَ يَحْيَى : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَا أَكْرَهُ مَدَاخِلَ جَعْفَرٍ مَعَكَ ، فَلَوِ اقْتَصَرْتَ بِهِ عَلَى الْإِمْرَةِ دُونَ الْعِشْرَةِ ، قَالَ : يَا أَبَتِ لَيْسَ ذَا بِكَ ، بَلْ تُرِيدُ أَنْ تُقَدِّمَ الْفَضْلَ عَلَيْهِ . ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ أَظُنُّهُ عَنْ عَمِّهِ زَاهِرِ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ سَبَبَ هَلَاكِ الْبَرَامِكَةِ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْ جَعْفَرٍ ، وَأُخْتِهِ عَبَّاسَةَ ، وَكَانَ يُحْضِرُهُمَا مَجْلِسَ الشَّرَابِ ، فَيَقُومُ هُوَ فَقَالَ : أُزَوِّجُكَهَا عَلَى أَنْ لَا تَمَسَّهَا . قَالَ : فَكَانَا يَثْمَلَانِ ، وَيَذْهَبُ الرَّشِيدُ ، وَيَثِبُ جَعْفَرٌ عَلَيْهَا ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ غُلَامًا ، فَوَجَّهَتْهُ إِلَى مَكَّةَ ، فَاخْتَفَى الْأَمْرُ ، ثُمَّ ضَرَبَتْ جَارِيَةً لَهَا ، فَوَشَتْ بِهَا . فَلَمَّا حَجَّ الرَّشِيدُ ، هَمَّ بِقَتْلِ الطِّفْلِ ، ثُمَّ تَأَثَّمَ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْحِيرَةِ ، بَعَثَ إِلَى مَسْرُورٍ الْخَادِمِ ، وَمَعَهُ أَبُو عِصْمَةَ وَأَجْنَادٌ ، فَأَحَاطُوا بِجَعْفَرٍ لَيْلًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَسْرُورٌ ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِ لَهْوٍ ، فَأَخْرَجَهُ بِعُنْفٍ وَقَيَّدَهُ بِقَيْدِ حِمَارٍ ، وَأَتَى بِهِ فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِقَتْلِهِ . وَعَنْ مَسْرُورٍ قَالَ : وَقَعَ عَلَى رِجْلِي يُقَبِّلُهَا ، وَقَالَ : دَعْنِي أَدْخُلُ ، فَأُوصِي . قُلْتُ : لَا سَبِيلَ إِلَى ذَا ، فَأَوْصِ بِمَا شِئْتَ ، فَأَوْصَى ، وَأَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ ، ثُمَّ ذَبَحْتُهُ بَعْدَ أَنْ رَاجَعْتُ فِيهِ الرَّشِيدَ ، وَجِئْتُهُ بِرَأْسِهِ ، وَوَجَّهَ الرَّشِيدُ جُنْدًا إِلَى أَبِيهِ ، فَأَحَاطُوا بِهِ وَبِأَوْلَادِهِ وَمَوَالِيهِ ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَمْلَاكُهُمْ ، وَبُعِثَتْ جُثَّةُ جَعْفَرٍ إِلَى بَغْدَادَ ، فَصُلِبَ ، وَنُودِيَ : أَلَا لَا أَمَانَ لِمَنْ آوَى بَرْمَكِيًّا ، وَصَلَبَ الرَّشِيدُ أَنَسَ بْنَ أَبِي شَيْخٍ عَلَى الزَّنْدَقَةِ ، وَكَانَ مُخْتَصًّا بِالْبَرَامِكَةِ . عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ قَالَ : خَلَا جَعْفَرٌ يَوْمًا بِنُدَمَائِهِ ، وَأَنَا فِيهِمْ ، وَتَضَمَّخَ بِالطِّيبِ ، فَجَاءَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ ، فَدَخَلَ فَارْبَدَّ وَجْهُ جَعْفَرٍ ، فَدَعَا عَبْدُ الْمَلِكِ غُلَامَهُ ، فَنَزَعَ سَوَادَهُ وَقَلَنْسُوَتَهُ ، وَأَتَى مَجْلِسَنَا ، فَأَلْبَسُوهُ حَرِيرًا ، وَأُطْعِمَ وَشَرِبَ ، فَقَالَ : وَاللَّهُ مَا شَرِبْتُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ ، فَأَخْفِ عَلَيَّ ، وَنَادَمَ أَحْسَنَ مُنَادَمَةً ، وَسُرِّيَ عَنْ جَعْفَرٍ ، وَقَالَ : اذْكُرْ حَوَائِجَكَ ، فَإِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ مُقَابَلَةَ مَا كَانَ مِنْكَ . قَالَ : فِي قَلْبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ مُوجِدَةٌ ، فَتُخْرِجُهَا . قَالَ : قَدْ رَضِيَ عَنْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ : وَعَلَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ . قَالَ : قُضِيَ دَيْنُكَ . قَالَ : وَابْنِي إِبْرَاهِيمُ أُحِبُّ أَنْ أُزَوِّجَهُ . قَالَ : قَدْ زَوَّجَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَالِيَةِ بِنْتَهُ . قَالَ : وَأُوثِرُ أَنْ يُوَلَّى بَلَدًا . قَالَ : قَدْ وَلَّاهُ أَمِيرُ الْمُومِنِينَ مِصْرَ . فَخَرَجَ ، وَنَحْنُ مُتَعَجِّبُونَ مِنْ إِقْدَامِ جَعْفَرٍ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ ، وَرَكِبَ إِلَى الرَّشِيدِ ، فَأَمْضَى لَهُ الْجَمِيعَ . قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ : بَلَغَ مِنْ أَمْرِ جَعْفَرٍ أَنَّ الرَّشِيدَ اتَّخَذَ لَهُ ثُوبَا لَهُ زِيقَانِ يَلْبَسُهُ هُوَ وَهُوَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ صَبْرٌ ، وَكَانَتْ عَبَّاسَةُ أُخْتُ الرَّشِيدِ أَعَزُّ امْرَأَةٍ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مَتَى غَابَتْ أَوْ غَابَ جَعْفَرٍ ، تَنَغَّصَ ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ : سَأُزَوِّجُكَهَا لِمُجَرَّدِ النَّظَرِ ، فَاحْذَرْ أَنْ تَخْلُوَ بِهَا ، فَزَوَّجَهُ . فَقِيلَ : إِنَّهَا أَحَبَّتْهُ ، وَرَاوَدَتْهُ ، فَأَبَى ، وَأَعْيَتْهَا الْحِيلَةُ ، فَبَعَثَتْ إِلَى وَالِدَةِ جَعْفَرٍ : أَنِ ابْعَثِينِي إِلَى ابْنَكِ كَأَنَّنِي جَارِيَةٌ لَكِ ، تُتْحِفِينَهُ بِهَا ، فَأَبَتْ ، فَقَالَتْ : لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي ، لِأَقُولُنَّ عَنْكِ : إِنَّكَ دَعَوْتِينِي إِلَى هَذَا ، وَلَئِنْ وَلَدْتُ مِنَ ابْنِكِ ، لَيَكَوْنَنَّ لَكُمُ الشَّرَفُ ، فَأَجَابَتْهَا . قَالَ : فَاقْتَضَّهَا ، فَقَالَتْ : كَيْفَ رَأَيْتَ خَدِيعَةَ بَنَاتِ الْخُلَفَاءِ ، فَأَنَا مَوْلَاتُكَ ، فَطَارَ السُّكَّرُ مَنْ رَأَسِهُ ، وَقَامَ ، وَقَالَ لِأُمِّهِ : بِعْتِينِي وَاللَّهِ رَخِيصًا . وَحَبِلَتْ مِنْهُ ، فَلَمَّا وَلَدَتْ ، وَكَّلَتْ بِالْوَلَدِ خَادِمًا وَمُرْضِعًا ، وَبَعَثَتْهُمْ إِلَى مَكَّةَ ، ثُمَّ وَشَتْ بِهَا زُبَيْدَةُ ، فَحَجَّ ، وَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ ، فَأَضْمَرَ السُّوءَ لِلْبَرَامِكَةِ ، وَأَشَارَ أَبُو نُوَاسٍ إِلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلَا قُلْ لِأَمِينَ اللَّ هِ وَابْنِ الْقَادَةِ السَّاسَهْ إِذَا مَا نَاكِثٌ سَرَّ كَ أَنْ تُعْدِمَهُ رَاسَهْ فَلَا تَقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ وَزَوِّجْهُ بِعَبَّاسَهْ وَسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ذَنْبِ الْبَرَامِكَةِ ، فَقَالَ : مَا كَانَ مِنْهُمْ ، بَعْضُ مَا يُوجِبُ مَا فَعَلَ الرَّشِيدُ ، لَكِنْ طَالَتْ أَيَّامُهُمْ ، وَكُلُّ طَوِيلٍ يُمَلُّ . وَقِيلَ : رُفِعَتْ قِصَّةٌ إِلَى الرَّشِيدِ فِيهَا : قُلْ لَأَمِينِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَمَنْ إِلَيْهِ الْحُكْمُ وَالْعَقْدُ هَذَا ابْنُ يَحْيَى قَدْ غَدَا مَالِكَا مِثْلُكَ مَا بَيْنَكُمَا حَدُّ أَمْرُكَ مَرْدُودٌ إِلَى أَمْرِهِ وَأَمْرُهُ مَا إِنْ لَهُ رَدُّ وَقَدْ بَنَى الدَّارَ الَّتِي مَا بَنَى الْفُرْسُ لَهَا مِثْلًا وَلَا الْهِنْدُ الدُّرُ وَالْيَاقُوتُ حَصْبَاؤُهَا وَتُرْبُهَا الْعَنْبَرُ وَالنَّدُّ وَنَحْنُ نَخْشَى أَنَّهُ وَارِثٌ مُلْكَكَ إِنْ غَيَّبَكَ اللَّحْدُ فَقَرَأَهَا ، وَأَثَّرَتْ فِيهِ . وَقِيلَ : إِنَّ أُخْتَهُ قَالَتْ لَهُ : مَا رَأَيْتُ لَكَ سُرُورًا مُنْذُ قَتَلْتَ جَعْفَرًا ، فَلِمَ قَتَلْتَهُ ؟ قَالَ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ قَمِيصِي يَعْلَمُ السَّبَبَ ، لَمَزَّقْتُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَاشِمِيِّ خَطِيبِ الْكُوفَةِ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أُمِّي يَوْمَ الْأَضْحَى ، وَعِنْدَهَا عَجُوزٌ فِي أَثْوَابٍ رَثَّةٍ ، فَقَالَتْ : تَعْرِفُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَتْ : هَذِهِ وَالِدَةُ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا ، وَرَحَّبْتُ بِهَا ، وَقُلْتُ : حَدِّثِينَا بِبَعْضِ أَمْرِكُمْ قَالَتْ : لَقَدْ هَجَمَ عَلَيَّ مِثْلُ هَذَا الْعِيدِ ، وَعَلَى رَأْسِي أَرْبَعُمِائَةٍ جَارِيَةٍ ، وَأَنَا أَزْعُمُ أَنَّ ابْنَيْ عَاقٌّ لِي ، وَقَدْ أَتَيْتُكُمْ يُقْنِعُنِي جِلْدُ شَاتَيْنِ ، أَجْعَلُ أَحَدَهُمَا فِرَاشًا لِي . قَالَ : فَأَعْطَيْتُهَا خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَكَادَتْ تَمُوتُ فَرَحًا . لَمْ يَزَلْ يَحْيَى وَآلِهِ مَحْبُوسِينَ وَحَالُهُمْ حَسَنَةٌ إِلَى أَنْ سَخِطَ الرَّشِيدُ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ ، فَعَمَّهُمْ بِسُخْطِهِ ، وَجَدَّدَ لَهُمُ التُّهَمَةَ ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ . وَدَامَتْ جُثَّةُ جَعْفَرٍ مُعَلَّقَةً مُدَّةً ، وَعُلِّقَتْ أَطْرَافُهُ بِأَمَاكِنَ ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ . وَقِيلَ : لَمْ يُحْبَسْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى . وَفِي تَارِيخِ ابْنِ خِلِّكَانَ : أَنَّ الرَّشِيدَ دَعَا يَاسِرًا غُلَامَهُ ، فَقَالَ : قَدِ انْتَخَبْتُكَ لِأَمْرٍ لَمْ أَرَ لَهُ الْأَمِينَ وَلَا الْمَأْمُونَ ، فَحَقِّقْ ظَنِّي . قَالَ : لَوْ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِ نَفْسِي ، لَفَعَلْتُ . قَالَ : ائْتِنِي بِرَأْسِ جَعْفَرٍ ، فَوَجَمَ لَهَا ، قَالَ : وَيْلَكَ مَا لَكَ ؟ قَالَ : الْأَمْرُ عَظِيمٌ ، لَيْتَنِي مُتُّ قَبْلَ هَذَا . قَالَ : امْضِ ، وَيْلَكَ . فَمَضَى ، فَأَتَى جَعْفَرًا ، فَقَالَ : يَا يَاسِرُ سَرَرْتِنِي بِإِقْبَالِكَ لَكِنْ سُؤْتَنِي بِدُخُولِكَ بِلَا إِذْنٍ . قَالَ : الْأَمْرُ وَرَاءَ ذَلِكَ يَا جَعْفَرُ ، قَدْ أُمِرْتُ بِكَذَا ، قَالَ الْمِسْكِينُ - وَأَقْبَلَ يُقَبِّلُ قَدَمَهُ ، وَقَالَ : دَعْنِي أَدْخُلُ وَأُوصِي . قَالَ : لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ ، فَأَوْصِ . فَقَالَ : لِي عَلَيْكَ حَقٌّ ، فَارْجِعْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقُلْ : قَتَلْتهُ ، فَإِنْ نَدِمَ ، كَانَتْ حَيَاتِي عَلَى يَدِكَ . قَالَ : لَا أَقْدِرُ ، قَالَ : فَآتِي مَعَكَ إِلَى مُخَيَّمِهِ ، وَأَسْمَعُ كَلَامَهُ ، وَقَوْلَكَ لَهُ . قَالَ : أَمَّا هَذَا ، فَنَعَمْ . وَذَهَبَ بِهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ يَاسِرُ ، قَالَ : مَا وَرَاءَكَ ؟ فَذِكْرُ لَهُ قَوْلَ جَعْفَرٍ ، فَشَتَمَهُ ، وَقَالَ : لَئِنْ رَاجَعَتْنِي ، لِأُقَدِّمَنَّكَ قَبْلَهُ . فَخَرَجَ ، وَضَرَبَ عُنُقَهُ ، وَأَتَاهُ بِرَأْسِهِ ، فَقَالَ : يَا يَاسِرُ ، جِئْنِي بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ . فَلَمَّا أَتَاهُ بِهِمَا ، قَالَ : اضْرِبَا عُنُقَهُ ، فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ أَرَى قَاتِلَ جَعْفَرٍ . وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةُ : قَوْلًا لِمَنْ يَرْتَجِي الْحَيَاةَ أَمَا فِي جَعْفَرٍ عِبْرَةٌ وَيَحْيَاهُ كَانَا وَزِيرَيْ خَلِيفَةِ اللَّهِ هَا رَوْنَ هُمَا مَا هُمَا وَزِيرَاهُ فَذَالِكُمْ جَعْفَرٌ بِرُمَّتَهِ فِي حَالِقٍ رَأْسَهُ وَنِصْفَاهُ وَالشَّيْخُ يَحْيَى الْوَزِيرُ أَصْبَحَ قَدْ نَحَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَقْصَاهُ شُتِّتَ بَعْدَ الْجَمِيعِ شَمْلُهُمُ فَأَصْبَحُوا فِي الْبِلَادِ قَدْ تَاهُوا كَذَاكَ مَنْ يُسْخِطُ الْإِلَهَ بِمَا يُرْضِي بِهِ الْعَبْدَ يَجْزِهِ اللَّهُ سُبْحَانَ مَنْ دَانَتِ الْمُلُوكُ لَهُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو طُوبَى لِمَنْ تَابَ قَبْلَ عَثْرَتِهِ فَتَابَ قَبْلَ الْمَمَاتِ طُوبَاهُ قَالَ الْمُحَدِّثُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُوحٍ الْمَدَائِنِيُّ : وُلِدْتُ يَوْمَ قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى ، وَهُوَ أَوَّلُ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ عَاشَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَمَاتَ أَخُوهُ الْفَضْلُ فِي سَنَةِ اثْنَتيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَكَانَ أَخًا لِلرَّشِيدِ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَأُمُّهُ بَرْبَرِيَّةٌ وَكَانَ قَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ ، وَكَانَ مِنْ نُبَلَاءَ الرِّجَالِ ، وَكَانَ أَكْرَمَ وَأَجْوَدَ مِنْ جَعْفَرٍ ، لَكِنَّهُ كَانَ ذَا تِيهٍ وَكِبْرٍ عَظِيمٍ ، وَصَلَ مَرَّةً عَمْرَو بْنَ جَمِيلٍ التَّمِيمِيَّ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَعَاشَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَلَهُ عِدَّةُ إِخْوَةٍ .
تاريخ بغداد▼
جعفر بن يحيى بن خالد ، أبو الفضل البرمكي
الجزء 8 · الصفحة 30
3559 - جعفر بن يحيى بن خالد ، أبو الفضل البرمكي . كان من علو القدر ونفاذ الأمر وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها ، وكان سمح الأخلاق ، طلق الوجه ، ظاهر البشر . فأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر ، وأبين من أن يظهر . وكان أيضا من ذوي الفصاحة ، والمذكورين باللسن والبلاغة . ويقال : إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ، ونظر في جميعها فلم يخرج شيء منها عن موجب الفقه . وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علمه وفقهه ، وغضب الرشيد عليه في آخر أمره فقتله ، ونكب البرامكة لأجله . أخبرنا الحسين بن علي الصيمري قال : حدثنا محمد بن عمران بن موسى ، أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال : حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال : زعم الجاحظ أن ثمامة بن أشرس النميري قال : ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون . أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي قال : أخبرنا أحمد بن نصر بن عبد الله الذارع قال : حدثنا زكريا - يعني ابن جعفر - قال : حدثنا العباس بن الفضل قال : اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكي ، فقال له جعفر : قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا ، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك . أخبرنا أبو القاسم سلامة بن الحسين المقرئ قال : أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال : حدثنا الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال : حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان قال : حدثني أبي قال : كان أبو علقمة الثقفي صاحب الغريب عند جعفر بن يحيى في بعض لياليه التي يسمر فيها ، فأقبلت خنفساءة إلى أبي علقمة فقال : أليس يقال : إن الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا : قالوا : بلى . قال جعفر بن يحيى : يا غلام ، أعطه ألف دينار . قال : فنحوها عنه فعادت إليه ، فقال : يا غلام ، أعطه ألف دينار . فأعطاه ألفي دينار . قال : وأنشد جعفرا مرثية ابن أبي حفصة لمعن بن زائدة التي يقول فيها ( من الوافر ) : كأن الشمس يوم أصيب معن من الإظلام ملبسة جلالا فاستجادها جعفر فوهب له عشرة آلاف درهم . أخبرنا علي بن أبي علي قال : حدثنا محمد بن عمران بن موسى الكاتب قال : حدثنا علي بن سليمان الأخفش قال : حدثني بعض أصحابنا قال : خرج عبد الملك بن صالح مشيعا لجعفر بن يحيى البرمكي ، فعرض عليه حاجاته ، فقال له : قصارى كل مشيع الرجوع ، وأريد - أعز الله الأمير - أن تكون لي كما قال بطحاء العذري ( من الطويل ) : وكوني على الواشين لداء شغبة فإني على الواشي ألد شغوب فقال جعفر : بل أكون لك كما قال جميل [ من الرمل ] : وإذا الواشي وشى يوما بها نفع الواشي بما جاء يضر أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال : حدثنا محمد بن عمران المرزباني قال : حدثنا أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي قال : سمعت علي بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي يحدث قال : كان أحمد بن الجنيد الإسكافي أخص الناس بجعفر بن يحيى بن خالد البرمكي ، فكان الناس يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر . قال : وإن رقاع الناس كثرت في خف أحمد بن الجنيد ، فلم يزل كذلك إلى أن تهيأ له الخلوة بجعفر ، فقال له : يا جعلني الله فداك ، قد كثرت رقاع الناس معي ، وأشغالك كثيرة وأنت اليوم خال ، فإن رأيت أن تنظر فيها ؟ فقال له جعفر : على أن تقيم عندي اليوم ، فقال له أحمد : نعم . فصرف دوابه وأقام ، فلما تغدوا جاءه بالرقاع ، فقال له جعفر : هذا وقت ذا ؟ دعنا اليوم . فأمسك عنه أحمد وانصرف في ذلك اليوم ، ولم ينظر في الرقاع ، فلما كان بعد أيام خلا به فأذكره الرقاع ، فقال : نعم ، على أن تقيم عندي اليوم . فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول ، حتى فعل به ذلك ثلاثا ، فلما كان في آخر يوم أذكره فقال : دعني الساعة ، وناما ، فانتبه جعفر قبل أحمد ، فقال لخادم له : اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه ، وانظر لا يعلم أحمد . فذهب الغلام وجاء بالرقاع ، فوقع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها ، ووكد ذلك ، ثم أمر الخادم أن يردها في الخف ، فردها ، وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم ، ولم يقل له فيها شيئا ، وانصرف أحمد ، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما ، ثم قال لكاتب له : ويحك ! هذه الرقاع قد أخلقت في خفي ، وهذا - يعني جعفرا - ليس ينظر فيها ، فخذها تصفحها وجدد ما أخلق منها ، فأخذها الكاتب فنظر فيها فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أهلها وأكثر ، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه ، ومن أنه قد قضى حاجته ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتد بها عليه . أخبرني أبو القاسم الأزهري قال : حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال : حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال : حدثنا أبو يعقوب النخعي , قال : حدثنا علي بن زيد كاتب العباس بن المأمون قال : حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال : حدثني أبي قال : حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي قال : وكنت معهم ، فلما صرنا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم قال لي جعفر بن يحيى : أحب أن تنظر لي جارية ، ولا تبقي غاية في حذاقتها بالغناء والضرب والكمال في الظرف والأدب ، وجنبني قولهم صفراء . قال : فوضعتها على يد من يعرف . قال : فأرشدت إلى جارية لرجل ، فدخلت عليه فرأيت رسوم النعمة ، وأخرجها إلي فلم أر أجمل منها ، ولا أصبح ولا آدب . قال : ثم تغنت لي أصواتا فأجادتها . قال : فقلت لصاحبها : قل ما شئت . قال : أقول لك قولا لا أنقص منه درهما . قال : قلت : قل . قال : أربعين ألف دينار . قال : قلت : قد أخذتها واشترطت عليك نظرة . قال : ذاك لك . قال : فأتيت جعفر بن يحيى فقلت : قد أصبت حاجتك على غاية الكمال ، والظرف والأدب والجمال ، ونقاء اللون ، وجودة الضرب والغناء ، وقد اشترطت نظرة ، فاحمل المال ومر بنا . قال : فحملنا المال على حمالين ، وجاء جعفر مستخفيا ، فدخلنا على الرجل فأخرجها ، فلما رآها جعفر أعجب بها ، وعرف أن قد صدقته ، ثم غنته فازداد بها عجبا ، فقال لي : اقطع أمرها . فقلت لمولاها : هذا المال قد نقدناه ووزناه ، فإن قنعت وإلا فوجه إلي من شئت لينتقده . فقال : لا ، بل أقنع بما قلتم . قال : فقالت الجارية : يا مولاي ، في أي شيء أنت ؟ فقال : قد عرفت ما كنا فيه من النعمة ، وما كنت فيه من انبساط اليد ، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا ، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك وإرادتك . فقالت الجارية : والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها ، وبعد فاذكر العهد ، وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا ، قال : فتغرغرت عين المولى وقال : اشهدوا أنها حرة لوجه الله ، وأني قد تزوجتها وأمهرتها داري . فقال لي جعفر : انهض بنا . قال : فدعوت الحمالين ليحملوا المال . قال : فقال جعفر : لا ، والله لا يصحبنا منه درهم . قال : ثم أقبل على مولاها فقال : هو لك مباركا لك فيه ، أنفقه عليها وعليك . قال : وقمنا فخرجنا . أخبرنا سلامة بن الحسين المقرئ قال : أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال : حدثنا إبراهيم بن حماد قال : حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال : حدثني محمد بن أحمد بن المبارك العبدي قال : حدثني عبد الله بن علي أبو محمد قال : لما غضب على البرامكة أصيب في خزانة لجعفر بن يحيى في جرة ألف دينار ، في كل دينار مائة دينار ، على أحد جانبي كل دينار منها ( من المتقارب ) : وأصفر من ضرب دار الملوك يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا متى يعطه معسرا يوسر وأخبرنا سلامة بن الحسين وعمر بن محمد بن عبيد الله المؤدب ؛ قالا : حدثنا علي بن عمر قال : حدثنا إبراهيم بن حماد قال : حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال : حدثني مثنى بن محمد المذحجي قال : حدثني أبو عبد الرحمن مؤدب محمد بن عمران بن يحيى بن خالد قال : أمر جعفر بن يحيى أن تضرب دنانير ، في كل دينار ثلاثمائة مثقال ، ويصور عليها صورة وجهه ، فضربت ، فبلغ أبا العتاهية ، فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الألطاف فوجه به إلى جعفر ، وكتب إليه رقعة في آخرها ( من المتقارب ) : وأصفر من ضرب دار الملوك يلوح على وجهه جعفر ثلاث مئين يكن وزنه متى يلقه معسر يوسر فأمر بقبض ما على الطبق ، وصير عليه دينارا من تلك الدنانير ورده إليه . أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين بن محمد الجازري قال : حدثنا المعافى بن زكريا الجريري إملاء قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال : حدثني أبو بكر الضرير وجه الهرة قال : حدثني غسان بن محمد القاضي ، عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة قال : دخلت على أمي في يوم أضحى وعندها امرأة برزة في أثواب دنسة رثة ، فقالت لي : أتعرف هذه ؟ قلت : لا . قالت : هذه عبادة أم جعفر بن يحيى بن خالد . فسلمت عليها ورحبت بها ، وقلت لها : يا فلانة ، حدثيني ببعض أمركم . قالت : أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر وموعظة لمن فكر ، لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة ، وأنا أزعم أن جعفرا ابني عاق بي ، وقد أتيتكم في هذا اليوم ، والذي يقنعني جلدا شاتين ؛ أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا . أخبرنا عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ قال : حدثنا أبي قال : حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني قال : أخبرنا الحارث بن محمد قال : حدثني العباس بن الفضل ، عن إسماعيل بن علي قال : قال أبو قابوس النصراني : دخلت على جعفر بن يحيى البرمكي في يوم بارد فأصابني البرد ، فقال : يا غلام ، اطرح عليه كساء من أكسية النصارى . فطرح علي كساء خز قيمته ألف . قال : فانصرفت إلى منزلي ، فأردت أن ألبسه في يوم عيد فلم أصب له في منزلي ثوبا يشاكله ، فقالت لي بنية لي : اكتب إلى الذي وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثياب . فكتبت إليه [ من الطويل ] : أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا رأيت مباهاة لنا في الكنائس ولو كان ذاك المطرف الخز جبة لباهيت أصحابي بها في المجالس فلا بد لي من جبة من جبابكم ومن طيلسان من جياد الطيالس ومن ثوب قوهي وثوب غلالة ولا بأس إن أتبعت ذاك بخامس إذا تمت الأثواب في العيد خمسة كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس لعمرك ما أفرطت فيما سألته وما كنت لو أفرطت فيه بآيس وذاك لأن الشعر يزداد جده إذا ما البلى أبلى جديد الملابس قال : فبعث إليه حين قرأ شعره بتخوت خمسة ، من كل نوع تختا . قال : فوالله ما انقضت الأيام حتى قتل جعفر بن يحيى وصلب ، فرأينا أبا قابوس قائما تحت جذعه يزمزم ، فأخذه صاحب الخبر وأدخله على الرشيد ، فقال له : ما كنت قائلا تحت جذع جعفر ؟ قال : فقال أبو قابوس : أينجيني منك الصدق ؟ قال : نعم . قال : ترحمت والله عليه ، وقلت في ذلك [ من الوافر ] : أمين الله هب فضل بن يحيى لنفسك أيها الملك الهمام وما طلبي إليك العفو عنه وقد قعد الوشاة بنا وقاموا أرى سبب الرضى فيه قويا على الله الزيادة والتمام نذرت علي فيه صيام حول فإن وجب الرضى وجب الصيام وهذا جعفر بالجسر تمحو محاسن وجهه ريح قتام أقول له وقمت لديه نصبا إلى أن كاد يفضحني القيام أما والله لولا خوف واش وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا كما للناس بالركن استلام قال : فأطرق هارون مليا ، ثم قال : رجل أولى جميلا فقال فيه جميلا ، يا غلام ، ناد بأمان أبي قابوس وأن لا يعرض له . ثم قال لحاجبه : إياك أن تحجبه عني ، صر متى شئت إلينا في مهمك . أخبرني الأزهري قال : أخبرنا محمد بن العباس قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف قال : أخبرني أبو النضر هاشم بن سعيد بن علي البلدي قال : أخبرني أبي قال : لما صلب الرشيد جعفر بن يحيى وقف الرقاشي الشاعر فقال : أما والله لولا خوف واش وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى حساما فله السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا لدولة آل برمك السلام فقيل للرشيد فأمر به فأحضر ، فقال له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : تحركت نعمته في قلبي فلم أصبر . قال : كم كان أعطاك ؟ قال : كان يعطيني في كل سنة ألف دينار . فأمر له بألفي دينار . أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد قال : أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال : حدثنا الحسين بن القاسم قال : أخبرني الحسن بن سعيد العنبري قال : حدثني حماد بن إسحاق ، عن أبيه قال : قال أبو يزيد الرياحي : كنت قائما عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكي أتفكر في زوال ملكه وحاله التي صار إليها ، إذ أقبلت امرأة راكبة لها رواء وهيئة ، فوقفت على جعفر فبكت وأحرقت ، وتكلمت فأبلغت ، فقالت : أما والله لئن أصبحت للناس آية لقد بلغت فيهم الغاية ، ولئن زال ملكك وخانك دهرك ولم يطل عمرك لقد كنت المغبوط حالا الناعم بالا ، يحسن بك الملك وينفس بك الهلك أن تصير إلى حالك هذه ، ولقد كنت الملك بحقه ، في جلالته ونطقه ، فاستعظم الناس فقدك ، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك ، فنسأل الله الصبر على عظيم الفجيعة وجليل الرزية التي لا تستعاض بغيرك ، والسلام عليك وداع غير قال ولا ناس لذكرك . ثم أنشأت تقول [ من البسيط ] : العيش بعدك مر غير محبوب ومذ صلبت ومقنا كل مصلوب أرجو لك الله ذا الإحسان إن له فضلا علينا وعفوا غير محسوب ثم سكتت ساعة وتأملته ، ثم أنشأت تقول [ من الوافر ] : عليك من الأحبة كل يوم سلام الله ما ذكر السلام لئن أمسى صداك برأي عين على خشب حباك بها الإمام فمن ملك إلى ملك برغم من الأملاك أسلمك الهمام أخبرنا أبو علي بن الحسين بن محمد الجازري قال : حدثنا المعافى بن زكريا قال : حدثنا محمد بن مزيد قال : حدثنا الزبير بن بكار . وأخبرنا محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز - واللفظ له - قال : أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي قال : حدثنا محمد بن أبي الأزهر النحوي قال : حدثنا الزبير بن بكار قال : حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال : لما قتل جعفر بن يحيى ، وصلب بباب الجسر رأسه وفي الجانب الآخر جسده ، وقفت امرأة على حمار فاره فنظرت إلى رأسه ، فقالت بلسان فصيح : والله لئن صرت اليوم آية ، لقد كنت في المكارم غاية . ثم أنشأت تقول [ من الطويل ] : ولما رأيت السيف خالط جعفرا ونادى مناد للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنما قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا وما هي إلا دولة بعد دولة تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى ثم إنها حركت الحمار الذي كان تحتها ، فكأنها كانت ريحا لم يعرف لها أثر . أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه قال : أخبرنا محمد بن العباس الخزاز قال : أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن خلف المرزبان قال : أنشدونا للعباس بن الأحنف : ولما رأيت السيف خالط جعفرا وذكر هذه الأبيات الأربعة كما سقناها سواء . أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال : حدثنا عمر بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثني إسماعيل بن محمد - ثقة - قال : لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى وما نزل بالبرامكة ، حول وجهه إلى الكعبة وقال : اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا ، فاكفه مؤونة الآخرة . أخبرني الحسن بن أبي بكر قال : كتب إلي محمد بن إبراهيم الجوري من شيراز يذكر أن أحمد بن حمدان بن الخضر أخبره قال : حدثنا أحمد بن يونس الضبي قال : حدثني أبو حسان الزيادي قال : سنة سبع وثمانين ومائة فيها قتل جعفر بن يحيى بن خالد ؛ في أول يوم من صفر بالعمر من أرض الأنبار . أخبرنا إبراهيم بن مخلد إجازة قال : أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي . وأخبرنا الأزهري قراءة قال : أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال : أخبرنا عبد الله بن إسحاق قال : أخبرنا الحارث بن محمد قال : حدثنا محمد بن سعد قال : أخبرنا محمد بن عمر الواقدي قال : سنة سبع وثمانين ومائة فيها نزل هارون بن محمد بن عبد الله العمر بناحية الأنبار منصرفا من مكة ، وغضب على البرامكة ، وقتل جعفر بن يحيى بن خالد في أول يوم من صفر وصلبه على الجسر ببغداد .
جرح وتعديل(1 عالم)
وكان لعابا غارقا في لذات دنياه
كان مليحا ، جميلا ، لسنا ، بليغا ، عالما ، أديبا ، يضرب بجوده المثل ، وكان مسرفا على نفسه ، غارقا في بحر اللذات ، والمعاصي ، تمكن من الرشيد ، وبلغ من الجاه والرفعة ما لا مزيد عليه ، وولي هو وأبوه وإخوته الأعمال الجليلة ، وكثرت عليهم الأموال .
