على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد
الاسم المختصر: ابن حزم
ترجمة الراوي(3 مصدر)
لسان الميزان▼
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي ، أبو محمد القرطبي ، ثم اللبلي ، بفتح اللام وسكون الموحدة ، ثم لام ، الفقيه الحافظ الظاهري ، صاحب التصانيف
الجزء 5 · الصفحة 488
5321 - ( ز ) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي ، أبو محمد القرطبي ، ثم اللبلي ، بفتح اللام وسكون الموحدة ، ثم لام ، الفقيه الحافظ الظاهري ، صاحب التصانيف . ولد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، ونشأ في نعمة ورياسة ، وكان أبوه من الوزراء ، وولي هو وزارة بعض الخلفاء من بني أمية بالأندلس ، ثم ترك . واشتغل في صباه بالأدب والمنطق والعربية ، وقال الشعر ، وترسل ، ثم أقبل على العلم فقرأ " الموطأ " وغيره . ثم تحول شافعيا ، فمضى على ذلك وقت ، ثم انتقل إلى مذهب الظاهر ، وتعصب له ، وصنف فيه ، ورد على مخالفيه . وكان واسع الحفظ جدا ، إلا أنه لثقته بحافظته ، كان يهجم بالقول في التعديل والتجريح ، وتبيين أسماء الرواة ، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة ، وقد تتبع كثيرًا منها الحافظ قطب الدين الحلبي ، ثم المصري ، من " المحلى " خاصة ، وسأذكر منها أشياء . سمع ابن حزم من أبي عمر بن الجسور ، ويحيى بن مسعود بن وجه الحية ، ويونس بن عبد الله بن مغيث ، وحمام بن أحمد ، ومحمد بن سعيد بن بنان ، وعبد الله بن الربيع ، وعبد الله بن يوسف بن نامي ، وأبي عمر الطلمنكي ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ، في آخرين . روى عنه الحميدي ، فأكثر عنه ، وتلمذ له ، ونشر ذكره بالمشرق ، وولده أبو رافع الفضل ، وآخرون . وروى عنه بالإجازة سريج بن محمد بن سريج المقبري ، فكان خاتمة من روى عنه ، وكان أول سماعه في سنة أربعمائة . قال صاعد بن أحمد الربعي : كان ابن حزم ، أجمع أهل الأندلس كلهم لعلوم الإسلام ، وأوسعهم معرفة ، وله مع ذلك توسع في علم اللسان ، وحظ من البلاغة ، ومعرفة بالسير والأنساب . أخبرني ولده أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تآليفه أربعمائة مجلد ، يحتوي على نحو ثمانين ألف ورقة ، وكان أبوه وزر للمنصور بن أبي عامر ، ثم للمظفر بن المنصور ، ثم وزر هو للمستظهر بن المؤيد ، ثم ترك . وقال الحميدي : كان حافظًا للحديث وفقهه ، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة ، متفننًا في علوم جمة ، عاملًا بعلمه ، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء ، وسرعة الحفظ ، والتدين ، وكرم النفس . وكان له في الأثر باع واسع ، وما رأيت من يقول الشعر أسرع منه ، وقد جمعت شعره على حروف المعجم . وقد تتبع أغلاطه في الاستدلال والنظر ، عبد الحق بن عبد الله الأنصاري في كتاب سماه " الرد على المحلى " . وقال اليسع المؤرخ الغافقي : كان محفوظه البحر العجاج ، ولقد حفظ على المسلمين علومهم ، وأربى على أهل كل دين ، وألف " الملل والنحل " . حدثني عمر بن واجب قال : كنا ببلنسية ندرس الفقه ، فدخل أبو محمد فسمع ، ثم سأل عن شيء من الفقه فأجيب ، فاعترض ، فقيل له : ليس هذا من منتخلاتك ، فقام وقعد ، ودخل منزله وحلف ، فما كان بعد أشهر قريبة ، يعني : قصدنا إلى ذلك الموضع ، فناظر أحسن مناظرة . قلت : وكان ذلك جرى له بعد القصة التي ذكرها عبد الله بن محمد بن العربي ، والد القاضي أبي بكر ، فإنه حكى أن ابن حزم ذكر له : أنه شهد جنازة فدخل المسجد ، فجلس قبل أن يصلي ، فقيل له : قم فصل تحية المسجد ، ففعل ، ثم حضر أخرى فبدأ بالصلاة ، فقيل له : اجلس ليس هذا وقت صلاة ، وكان بعد العصر ، فحصل له خزي . فقال للذي رباه : دلني على دار الفقيه ، فقصده وقرأ عليه " الموطأ " ، ثم جد في الطلب بعد ذلك ، إلى أن صار منه ما صار ، ولم يزل مستظهرًا ، إلى أن قدم أبو الوليد الباجي من العراق ، وقد توسع في علم النظر ، ولقي الأئمة ، فناظر ابن حزم ، فانتصف منه ، ولهما مناظرات مدونة في جزء . ثم تعصب عليه فقهاء المالكية بأمراء تلك الديار ، فمقتوه وآذوه وطردوه ، وحرقوا كتبه علانية ، وله في ذلك : فإن يحرقوا القرطاس لا يحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري [ الأبيات ] . قال : وهذا القدر لا يعرف لأحد من علماء الإسلام ، إلا لابن جرير الطبري . وقال مؤرخ الأندلس أبو مروان بن حيان : كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه ونسب وأدب ، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة ، وكان لا يخلو في فنونه من غلط ، لجرأته في التسور على كل فن . ومال أولًا إلى قول الشافعي ، وناضل عنه ، حتى نسب إلى الشذوذ ، واستهدف لكثير من فقهاء عصره . ثم عدل إلى الظاهر ، فجادل عنه ، ولم يكن يلطف في صدعه بما عنده : بتعريض ولا تدريج ، بل يصك به معارضه صك الجندل ، وينشقه في أنفه إنشاق الخردل . فتمالأ عليه فقهاء عصره ، وأجمعوا على تضليله ، وشنعوا عليه ، وحذروا أكابرهم من فتنته ، ونهوا عوامهم عن الاقتراب منه . فطفقوا يقصونه ، وهو مصر على طريقته ، حتى كمل له من تصانيفه وقر بعير ، لم يتجاوز أكثرها عتبة بابه ، لزهد العلماء فيها ، حتى لقد أحرق بعضها بإشبيلية ومزقت علانية . ولم يكن مع ذلك سالمًا من اضطراب رأيه ، وكان لا يظهر عليه أثر علمه حتى يسأل ، فيتفجر منه علم لا تكدره الدلاء . وكان مما يزيد في بغض الناس له ، تعصبه لبني أمية ، ماضيهم وباقيهم ، واعتقاده بصحة إمامتهم ، حتى نسب إلى النصب . وكان لابن حزم ابن عم ، يقال له : عبد الوهاب بن العلاء بن سعيد بن حزم ، يكنى : أبا العلاء ، وكان من الوزراء ، وبينهما منافسة ومخالفة ، فوقف على شيء من تآليف أبي محمد ، فكتب إليه رسالة بليغة يعيب ذاك المؤلف ، قد ساقها ابن بسام في " الذخيرة " . قال : فكتب أبو محمد له الجواب ونصه : سمعت وأطعت لقول الله تعالى : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وسلمت وانقدت لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صل من قطعك ، واعف عمن ظلمك " ، ورضيت بقول الحكيم : كفاك انتصارا ممن آذاك إعراضك عنه . وأنشد بعدها أبياتًا منها : كفاني ذكر الناس لي ولمآثري وما لك فيهم يا ابن عمي ذاكر وما لك فيهم من صديق فتشتفي وما لك فيهم من عدو تناكر وقولي مسموع له ومصدق وقولك منبث مع الريح طائر وقال القاضي أبو بكر بن العربي : ابتدأ ابن حزم أولا ، فتعلق بمذهب الشافعي ، ثم انتسب إلى داود ، ثم خلع الكل واستقل ، وزعم أنه إمام الأئمة ، يضع ويرفع ويحكم ويشرع ، واتفق كونه بين أقوام لا بصر لهم إلا بالمسائل ، فيطالبهم بالدليل ، ويتضاحك بهم ... وذكر بقية الحط عليه في كتاب " العواصم والقواصم " . ومما يعاب به ابن حزم وقوعه في الأئمة الكبار بأقبح عبارة ، وأبشع رد ، وقد وقعت بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرات ومنافرات . وقال أبو العباس بن العريف الصالح الزاهد : لسان ابن حزم ، وسيف الحجاج شقيقان . وقال الغزالي في شرح الأسماء الحسنى : وجدت لأبي محمد بن حزم كلاما في الأسماء ، يدل على عظم حفظه ، وسيلان ذهنه . وقال عز الدين بن عبد السلام : ما رأيت في كتب الإسلام مثل " المحلى " لابن حزم ، والمغني للشيخ الموفق . ذكر نبذة من أغلاطه في وصف الرواة : قال في الكلام على حديث : " لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر " ، الرواية في هذا الباب ساقطة مطروحة مكذوبة ، فذكر منها طريق يسار مولى ابن عمر ، عن كعب بن مرة ، قال : ويسار مجهول مدلس ، وكعب لا يدرى من هو . قال القطب : يسار قال أبو زرعة : مدني ثقة . وقال ابن حزم في حديث عائشة : " قلت : يا رسول ، قصرت ، وأتممت ، وصمت ، وأفطرت ، قال : " أحسنت يا عائشة " ، انفرد به العلاء بن زهير ، وهو مجهول . قال القطب : أخرج الحديث النسائي والدارقطني ، وروى عن العلاء : وكيع وأبو نعيم والفريابي ، وغيرهم ، وقال ابن معين : ثقة . قال ابن حزم : حديث أم سلمة : " كنت ألبس أوضاحًا من ذهب ... " الحديث ، عتاب مجهول . قال القطب : أخرج الحديث أبو داود ، عن محمد بن عيسى بن الطباع ، عن عتاب ، وهو ابن بشير ، عن ثابت بن عجلان ، عن عطاء ، عنها . وعتاب هو ابن بشير الجزري ، روى عنه إسحاق بن راهويه ، ومحمد بن سلام البيكندي ، وغيرهما . وأخرج له البخاري ، وأخرج الحديث المذكور الحاكم في " المستدرك " ، وقال ابن معين : ثقة . قال ابن حزم في الحديث الذي أخرجه النسائي من طريق المرقع بن صيفي ، عن جده رياح بن الربيع : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل : أدرك خالدًا ، فقل له : لا تقتل ذرية ولا عسيفًا " المرقع مجهول . قال القطب : روى عنه ولده عمر ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ويونس بن أبي إسحاق ، وأبو الزناد ، وموسى بن عقبة . وذكره ابن حبان في " الثقات " ، فليس بمجهول . وله من ذلك شيء كثير ، والله الموفق . مات أبو محمد في شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة ، وقيل : في التي بعدها . ذكرته لأن الذهبي أخل به وهو على شرطه ، فقد ذكر من أنظاره ، وممن هو فوقه ، جماعة كثيرة ، منهم : إمام الظاهر داود بن علي ، وذكر علي أولى من ذكر داود ، والله أعلم .
تاريخ الإسلام▼
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد ، مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي ، الفارسي الأصل ، ثم الأندلسي القرطبي ، الأمام أبو محمد
الجزء 10 · الصفحة 74
166 - علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد ، مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي ، الفارسي الأصل ، ثم الأندلسي القرطبي ، الأمام أبو محمد . وجده خلف أول من دخل الأندلس . وُلد أبو محمد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، وسمع من أبي عمر أحمد بن الجَسور ، ويحيى بن مسعود ، ويونس بن عبد الله القاضي ، وحمام بن أحمد القاضي ، ومحمد بن سعيد بن نبات ، وعبد الله بن ربيع التميمي ، وعبد الله بن محمد بن عثمان ، وأبي عمر أحمد بن محمد الطلمَنْكي ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ، وعبد الله بن يوسف بن نامي ، وجماعة . روى عنه أبو عبد الله الحُميدي ، وابنه أبو رافع الفضل ، وجماعة . وروى عنه بالإجازة أبو الحسن شُريح بن محمد ، وغيره . وأول سماعه من ابن الجَسور في حدود سنة أربعمائة . وكان إليه المنتهى في الذكاء والحفظ وكثرة العلم . كان شافعي المذهب ، ثم انتقل إلى نفي القياس والقول بالظاهر . وكان متفننا في علوم جمة ، عاملا بعلمه ، زاهدا بعد الرياسة التي كانت لأبيه ، وله من الوزارة وتدبير المُلك . جمع من الكتب شيئا كثيرا ، ولا سيما كتب الحديث . وصنّف في فقه الحديث كتابا سمّاه كتاب " الإيصال إلى فهْم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع " ، أورد فيه قول الصحابة فمن بعدهم في الفقه ، والحجة لكل قول . وهو كتاب كبير . وله كتاب " الإحكام لأصول الأحكام " في غاية التقصّي ، وكتاب " الفصل في الملل والنِّحَل " ، وكتاب " إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم مما لا يحتمل التأويل " ، وهو كتاب لم يُسبق إليه في الحُسن . وكتاب " المُجلّى في الفقه " مجلّد ، وكتاب " المحلى في شرح المجلَّى " ثمانية أسفار في غاية التقصي . وله كتاب " التقريب لحدّ المنطق والمدخل إليه " بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية . وكان شيخه في المنطق محمد بن الحسن المَذحِجي القرطبي المعروف بابن الكتاني ، وكان شاعرا طبيبا مات بعد الأربعمائة . قال الغزالي : وقد وجدت في أسماء الله تعالى كتابا ألّفه أبو محمد بن حزم الأندلسي يدل على عِظم حِفظه وسَيَلان ذهنه . وقال أبو القاسم صاعد بن أحمد : كان ابن حزمٍ أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام ، وأوسعهم معرفة مع توسّعه في علم اللسان ، ووفور حظّه من البلاغة والشعر ، والمعرفة بالسير والأخبار . أخبرني ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه أبي محمد من تآليفه نحو أربعمائة مجلد ، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة . وقال الحميدي : كان ابن حزم حافظا للحديث وفقهه ، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة ، متفننا في علوم جمة ، عاملا بعلمه . وما رأينا مثله فيما اجتمع له مع الذكاء ، وسرعة الحفظ ، وكرم النفس والتديّن . وكان له في الآداب والشعر نفس واسع ، وباع طويل . وما رأيت من يقول الشعر على البديه أسرع منه . وشعره كثير جمعته على حروف المعجم . وقال أبو القاسم صاعد : كان أبوه أبو عمر من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر ، مدبّر دولة المؤيد بالله ابن المستنصر ، ثم وزر للمظفّر بن المنصور . ووزر أبو محمد للمستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام ، ثم نبذ هذه الطريقة ، وأقبل على العلوم الشرعية ، وعُني بعلم المنطق ، وبرع فيه ، ثم أعرض عنه وأقبل على علوم الإسلام حتى نال من ذلك ما لم ينله أحد بالأندلس قبله . وقد حطّ أبو بكر ابن العربي في كتاب " القواصم والعواصم " على الظاهرية ، فقال : هي أمة سخيفة ، تسوّرت على مرتبة ليست لها ، وتكلّمت بكلامٍ لم تفهمه تلقفوه من إخوانهم الخوارج حين حكّم علي يوم صفّين فقالت : لا حكم إلا لله . وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن ، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف كان من بادية إشبيلية يُعرف بابن حزم ، نشأ وتعلّق بمذهب الشافعي ، ثم انتسب إلى داود ، ثم خلع الكل ، واستقل بنفسه وزعم أنه إمام الأمة ، يضع ويرفع ، ويحكم ويُشرّع ، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه ، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرا للقلوب عنهم ، وخرج عن طريق المشبَّهة في ذات الله وصفاته ، فجاء فيه بطَوامٍّ ، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل ، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا ، فتضاحك مع أصحابه منهم ، وعضدته الرياسة بما كان عنده من أدب ، وبشُبَهٍ كان يوردها على الملوك ، فكانوا يحملونه ويحمونه بما كان يلقي إليهم من شُبه البدع والشرك . وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة ، ونار ضلالهم لافحة ، فقاسيتهم مع غير أقران ، وفي عدم أنصار إلى حسادٍ يطؤون عقبي ، تارة تذهب لهم نفسي ، وأخرى ينكشر لهم ضرسي وأنا ما بين إعراض عنهم ، أو تشغيب بهم ، وقد جاءني رجل بجزء لابن حزم سماه " نكت الإسلام " ، فيه دواهي ، فجرّدت عليه نواهي ، وجاءني آخر برسالة في الاعتقاد ، فنقضتها برسالة " الغُرّة " . والأمر أفحش من أن يُنقض ، يقولون : لا قول إلا ما قال الله ولا نتبع إلا رسول الله . فإن الله لم يأمر بالاقتداء بأحدٍ ، ولا بالاهتداء بهدْي بشر فيجب أن يتحققوا أنهم ليس لهم دليل ، وإنما هي سخافة في تهويل ، فأوصيكم بوصيتين : أن لا تستدلوا عليهم ، وأن تطالبوهم بالدليل ؛ فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغّب عليك ، وإذا طالبته بالدليل لم يجد إليه سبيلا . فأما قولهم : لا قول إلا ما قال الله ؛ فحق ، ولكن أرني ما قال الله . وأما قولهم : لا حكم إلا لله فغير مسلّم على الإطلاق ، بل من حكم الله أن يجعل الحكم لغيره فيما قاله وأخبر به ، صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : " وإذا حاصرْت أهل حصنٍ فلا تُنزلهم على حكم الله ، فإنك لا تدري ما حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك " ، وصح أنه قال : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء " . الحديث . وقال اليسع بن حزم الغافقي ، وذكر أبا محمد بن حزم فقال : أما محفوظه فبحرٌ عجّاج ، وماء ثجّاج ، يخرج من بحره مرجان الحكم ، وينبت بثجّاجه ألفاف النعم في رياض الهمم . لقد حفظ علوم المسلمين ، وأربى على كل أهل دين ، وألف " الملل والنحل " . وكان في صباه يلبس الحرير ، ولا يرضى من المكانة إلا بالسرير . أنشد المعتمد ، فأجاد ، وقصد بَلَنسية ، وبها المظفّر أحد الأطواد . حدثني عنه عمر بن واجب قال : بينما نحن عند أبي ببلنسية ، وهو يدرّس المذهب ، إذا بأبي محمد بن حزم يسمعنا ويتعجب، ثم سأل الحاضرين عن سؤال من الفقه جُووِب عليه ، فاعترض فيه ، فقال له بعض الحُضّار : هذا العلم ليس من منتحلاتك . فقام وقعد ، ودخل منزله فعكف ، ووكف منه وابلٌ فما كف . وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع ، فناظر أحسن مناظرة قال فيها : أنا أتبع الحق ، وأجتهد ، ولا أتقيّد بمذهبٍ . وقال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام : ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل " المحلّى " لابن حَزم ، و" المغني " للشيخ الموفّق . قلت : وقد امتُحن ابن حزم وشرّد عن وطنه ، وجرت له أمور ، وتعصّب عليه المالكية لطول لسانه ووقوعه في الفقهاء الكبار ، وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرات يطول شرحها . ونفرت عنه قلوب كثير من الناس لحطّه على أئمتهم وتخطئته لهم بأفجّ عبارة ، وأفظ محاورة ، وعملوا عليه عند ملوك الأندلس وحذّروهم منه ومن غائلته ، فأقْصته الدولة وشرّدته عن بلاده ، حتى انتهى إلى بادية لبلة ، فتوفي بها في شعبان ليومين بقيا منه . وقيل : توفي في قرية له . قال أبو العباس ابن العريف : كان يقال : لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان . وقال أبو الخطاب بن دحّية : كان ابن حزم قد برص من أكل اللبان ، وأصابته زمانة ، وعاش اثنتين وسبعين سنة إلا شهرا . قال أبو بكر محمد بن طرخان بن بُلْتِكين : قال لي الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد ابن العربي : توفي أبو محمد بن حزم بقريته ، وهي على خليج البحر الأعظم ، في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين . وقال لي أبو محمد ابن العربي : أخبرني أبو محمد بن حزم أن سبب تعلّمه الفقه ، أنه شهد جنازة ، فدخل المسجد فجلس ولم يركع ، فقال له رجل : قم صلِّ تحية المسجد . وكان قد بلغ ستا وعشرين سنة . قال : فقمت وركعت . فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة دخلت المسجد بادرت بالركوع ، فقيل لي : اجلس اجلس ، ليس ذا وقت صلاة ؛ يعني بعد العصر ، فانصرفت وقد خُزيت ، وقلت للأستاذ الذي رباني : دلني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحّون . فقصدته وأعلمته بما جرى علي فدلني على " موطأ " مالك . فبدأت به عليه قراءة من ثاني يوم ، ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام ، وبدأتُ بالمناظرة . ثم قال ابن العربي : صحبت ابن حزم سبعة أعوام ، وسمعت منه جميع مصنّفاته ، سوى المجلد الأخير من كتاب " الفِصَل " ، وهو ست مجلدات ، وقرأنا عليه من كتاب " الإيصال " أربع مجلدات في سنة ست وخمسين ، وهو أربعة وعشرون مجلدا ، ولي منه إجازة غير مرة . وقال أبو مروان بن حيّان : توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة . ثم قال : كان رحمه الله حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب ، وما يتعلق بأذيال الأدب ، مع المشاركة في أنواع التعليم القديمة من المنطق والفلسفة . وله كتب كثيرة لم يخل فيها من غَلطٍ لجُراءته في التسوّر على الفنون ، لا سيما المنطق ، فإنهم زعموا أنه زلّ هناك ، وضلّ في سلوك المسائل ، وخالف أرسطوطاليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه ، ولا ارتاض . ومال أولا إلى النظر على رأي الشافعي ، وناضل عن مذهبه حتى وُسم به ، فاستُهدف بذلك لكثير من الفقهاء ، وعيب بالشذوذ ، ثم عدَل إلى قول أصحاب الظاهر ، فنقّحه ، وجادل عنه ، وثبت عليه إلى أن مات . وكان يحمل علمه هذا ، ويُجادل عنه من خالفه على استرسال في طباعه ، ومذْل بأسراره ، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله تعالى على العلماء لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فلم يك يلطّف صدعه بما عنده بتعريض ولا بتدريج ، بل يصكّ به من عارضه صك الجَندل ، وينشقه إنشاق الخردل ، فتنفر عنه القلوب ، وتوقع به الندوب ، حتى استهدف إلى فقهاء وقته ، فتمالؤوا عليه ، وأجمعوا على تضليله ، وشنّعوا عليه ، وحذّروا سلاطينهم من فتنته ، ونهوا عوامّهم عن الدنو منه ، فطفق الملوك يُقصونه عن قربهم ، ويسيِّرونه عن بلادهم ، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بلدة من بادية لَبلة ، وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع ، يبثّ علمه فيمن ينتابه من بادية بلده ، من عامة المقتبسين ، منهم من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة ، يحدثهم ، ويفقههم ، ويُدارسهم . كمل من مصنفاته وِقر بعير ، لم يعد أكثرها عتبة باديته لزهد الفقهاء فيها ، حتى أنه أحرق بعضها بإشبيلية ومزّقت علانية . وأكثر معايبه - زعموا عند المنصِف له - جهله بسياسة العلم التي هي أعوص إيعابه ، وتخلّفه عن ذلك على قوة سبحه في غماره ، وعلى ذلك فلم يكن بالسليم من اضطراب رأيه ، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه ، إلى أن يُحرّك بالسؤال ، فيتفجر منه بحر علم لا تكدّره الدلاء ، وكان مما يزيد في شنآنه تشيّعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم ، واعتقاده لصحة إمامتهم ، حتى نسب إلى النصب لغيرهم . إلى أن قال : ومن تواليفه كتاب " الصادع في الردّ على من قال بالتقليد " ، وكتاب " شرح أحاديث الموطأ " ، وكتاب " الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد " ، وكتاب " التلخيص والتخليص في المسائل النظرية " ، وكتاب " منتقى الإجماع " ، وكتاب " كشف الالتباس لما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس " . قلت : ذكر في الفرائض من " المحلى " أنه صنّف كتابا في أجزاء ضخمة في ما خالف فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي جمهور العلماء ، وما انفرد به كل واحد منهم ، ولم يسبق إلى ما قاله . ومن أشعاره : هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركنا فجائعه تبقى ولذاته تفنى إذا أمكنت فيه مسرّة ساعة تولّت كمر الطرف واستخلفت حُزنا إلى تبِعاتٍ في المَعاد وموقفٍ نودّ لديه أننا لم نكن كنا حصلنا على هم وإثم وحسرة وفات الذي كنا نلذ به عنا حنين لما ولى وشُغلٌ بما أتى وهمٌّ لما نخشى فعيشك لا يًهنا كأن الذي كنا نسُرّ بكونه إذا حققته النفس لفظٌ بلا معنى وله يفتخر : أنا الشمس في جو العلوم منيرةٌ ولكنّ عيبي أن مطلعي الغرْبُ ولو أنني من جانب الشرق طالع لجدّ على ما ضاع من ذكري النهب ولي نحو أكناف العراق صَبابةٌ ولا غَرو أن يستوحش الكِلَف الصبّ فإن يُنزل الرحمن رحْلي بينهم فحينئذٍ يبدو التأسُّف والكَرْبُ هنالك يُدرى أن للبعد قصة وأن كساد العلم آفته القرب فواعجبا من غاب عنهم تشوقوا له ، ودنوّ المرء من دارهم ذنب وله : مناي من الدنيا علوم أبثها وأنشرها في كل باد وحاضر دعاءٌ إلى القرآن والسنن التي تناسى رجالٌ ذكرها في المحاضر وله وهو يماشي ابن عبد البر ، وقد أقبل شابٌّ مليح ، فأعجب ابن حزم ، فقال أبو عمر : لعل ما تحت الثياب ليس هناك! فقال : وذي عَذَلٍ فيمن سباني حسنه يُطيل ملامي في الهوى ويقول أمن حسن وجه لاح لم تر غيره ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل فقلت له : أسرفْت في اللوم فاتّئد فعندي رد لو أشاء طويل ألم تر أني ظاهريّ وأنني على ما بدا حتى يقوم دليل ومن شعره : لا تشمتن حاسدي إن نكبة عرضت فالدهر ليس على حال بمترك ذو الفضل كالتبر طورا تحت ميفعةٍ وتارةً في ذرى تاج على ملك ومن شعره يصف ما أحرق المعتضد بن عباد له من الكتب : فإن تحرِقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمّنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلّت ركائبي وينزل إن أنزل ويُدفن في قبري دعوني من إحراق رقّ وكاغّدٍ وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري وإلا فعودوا في المكاتب بدْأةً فكم دون ما تبغون لله من ستر كذاك النصارى يحرقون إذا عَلَت أكفهم القرآن في مدن الثغر وقد ذُكر لابن حزم قول من قال : أجلّ المصنفات " الموطأ " . فأنكر ذلك ، وقال : أولى الكتب بالتعظيم " الصحيحان " ، وكتاب سعيد بن السكن ، و" المنتقى " لابن الجارود ، و" المنتقى " لقاسم بن أصبغ ، ثم بعد هذه الكتب " كتاب أبي داود " ، و" كتاب النَّسائي " ، و" مصنّف قاسم بن أصبغ " ، و" مصنّف الطحَاوي " ، و" مسند البزّار " ، و" مسند ابن أبي شيبة " ، و" مسند أحمد " ، " ومسند ابن راهويه " ، و" مسند الطيالسي " ، و" مسند أبي العباس النسوي " ، و" مسند ابن سنْجر " ، و" مسند عبد الله بن محمد المسندي " ، و" مسند يعقوب بن شيبة " ، و" مسند ابن المديني " ، و" مسند ابن أبي غرزة " ، وما جرى مجرى هذه الكتب التي أفردت لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلّم صِرفا ، وللفظه نصا . ثم بعد ذلك الكتب التي فيها كلامه عليه السلام ، وكلام غيره ، مثل " مصنّف عبد الرزاق " و" مصنف ابن أبي شيبة " ، و" مصنف بقيّ بن مَخْلد " ، وكتاب محمد بن نصر المروزي ، وكتابي ابن المنذر الأكبر والأصغر . ثم " مصنف حمّاد بن سلمة " ، و" مصنّف سعيد بن منصور " ، و" مصنّف وكيع " ، و" مصنّف الفِريابي " ، و" موطأ مالك " ، و" موطأ ابن أبي ذئب " ، و" موطأ ابن وهْب " ، و" مسائل أحمد بن حنبل " ، وفقه أبي عبيد ، وفقه أبي ثور . ولأبي بكر أحمد بن سليمان المرواني يمدح ابن حزم رحمه الله : لما تحلّى بخلق كالمسك أو نشر عودِ نجل الكرام ابن حزم وفاق في العلم عودي فتواه جدّد ديني جدواه أورق عُودي أقول إذ غبت عنه يا ساعة السعد عودي
سير أعلام النبلاء▼
ابْنُ حَزْمٍ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ ، الْبَحْرُ ، ذُو الْفُنُونِ وَالْمَعَارِفِ أَبُو مُحَمَّدٍ ، عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ صَالِحِ بْنِ خَلَفِ بْنِ مَعْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ ، الْفَارِسِيُّ الْأَصْلِ ، ثُمَّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ الْيَزِيدِيُّ مَوْلَى الْأَمِيرِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَعْرُوفُ بِيَزِيدَ الْخَيْرِ ، نَائِبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عمر عَلَى دِمَشْقَ ، الْفَقِيهُ الْحَافِظُ ، الْمُتَكَلِّمُ ، الْأَدِيبُ ، الْوَزِيرُ الظَّاهِرِيُّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ . فَكَانَ جَدُّهُ يَزِيدُ مَوْلًى لِلْأَمِيرِ يَزِيدَ أَخِي مُعَاوِيَةَ . وَكَانَ جَدُّهُ خَلَفُ بْنُ مَعْدَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ فِي صَحَابَةِ مَلِكِ الْأَنْدَلُسِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ ، الْمَعْرُوفِ بِالدَّاخِلِ
الجزء 18 · الصفحة 184
99 - ابْنُ حَزْمٍ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ ، الْبَحْرُ ، ذُو الْفُنُونِ وَالْمَعَارِفِ أَبُو مُحَمَّدٍ ، عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ صَالِحِ بْنِ خَلَفِ بْنِ مَعْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ ، الْفَارِسِيُّ الْأَصْلِ ، ثُمَّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ الْيَزِيدِيُّ مَوْلَى الْأَمِيرِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَعْرُوفُ بِيَزِيدَ الْخَيْرِ ، نَائِبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عمر عَلَى دِمَشْقَ ، الْفَقِيهُ الْحَافِظُ ، الْمُتَكَلِّمُ ، الْأَدِيبُ ، الْوَزِيرُ الظَّاهِرِيُّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ . فَكَانَ جَدُّهُ يَزِيدُ مَوْلًى لِلْأَمِيرِ يَزِيدَ أَخِي مُعَاوِيَةَ . وَكَانَ جَدُّهُ خَلَفُ بْنُ مَعْدَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ فِي صَحَابَةِ مَلِكِ الْأَنْدَلُسِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ ، الْمَعْرُوفِ بِالدَّاخِلِ . وُلِدَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِقُرْطُبَةَ فِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . وَسَمِعَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِمِائَةٍ وَبَعْدَهَا مِنْ طَائِفَةٍ ، مِنْهُمْ : يَحْيَى بْنُ مَسْعُودِ بْنِ وَجْهِ الْجَنَّةِ ؛ صَاحِبُ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ، فَهُوَ أَعْلَى شَيْخٍ عِنْدَهُ ، وَمِنْ أَبِي عُمَرَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ، وَيُونُسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ الْقَاضِي ، وَحُمَامِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ التَّمِيمِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، وَأَبِي عُمَرَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّلَمَنْكِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ نَامِي ، وَأَحْمَدَ بْنِ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ . وَيَنْزِلُ إِلَى أَنْ يَرْوِيَ عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذْرِيِّ . وَأَجْوَدُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْكُتُبِ سُنَنُ النَّسَائِيِّ ، يَحْمِلُهُ عَنِ ابْنِ رَبِيعٍ ، عَنِ ابْنِ الْأَحْمَرِ ، عَنْهُ . وَأَنْزَلُ مَا عِنْدَهُ صَحِيحُ مُسْلِمٍ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ خَمْسَةُ رِجَالٍ ، وَأَعْلَى مَا رَأَيْتُ لَهُ حَدِيثٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَكِيعٌ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ . حَدَّثَ عَنْهُ : ابْنُهُ أَبُو رَافِعٍ الْفَضْلُ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ ، وَوَالِدُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ ، وَطَائِفَةٍ . وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ مَرْوِيَّاتِهِ بِالْإِجَازَةِ أَبُو الْحَسَنِ شُرَيْحُ بْنُ مُحَمَّدٍ . نَشَأَ فِي تَنَعُّمٍ وَرَفَاهِيَةٍ ، وَرُزِقَ ذَكَاءً مُفْرِطًا ، وَذِهْنًا سَيَّالًا ، وَكُتُبًا نَفِيسَةً كَثِيرَةً ، وَكَانَ وَالِدُهُ مِنْ كُبَرَاءِ أَهْلِ قُرْطُبَةَ ، عَمِلَ الْوِزَارَةَ فِي الدَّوْلَةِ الْعَامِرِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ وَزَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي شَبِيبَتِهِ ، وَكَانَ قَدْ مَهَرَ أَوَّلًا فِي الْأَدَبِ وَالْأَخْبَارِ وَالشِّعْرِ ، وَفِي الْمَنْطِقِ وَأَجْزَاءِ الْفَلْسَفَةِ ، فَأَثَّرَتْ فِيهِ تَأْثِيرًا لَيْتَهُ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَقَدْ وَقَفْتُ لَهُ عَلَى تَأْلِيفٍ يَحُضُّ فِيهِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالْمَنْطِقِ ، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى الْعُلُومِ ، فَتَأَلَّمْتُ لَهُ ؛ فَإِنَّهُ رَأَسٌ فِي عُلُومِ الْإِسْلَامِ ، مُتَبَحِّرٌ فِي النَّقْلِ ، عَدِيمُ النَّظِيرِ عَلَى يُبْسٍ فِيهِ ، وَفَرْطِ ظَاهِرِيَّةٍ فِي الْفُرُوعِ لَا الْأُصُولِ . قِيلَ : إِنَّهُ تَفَقَّهَ أَوَّلًا لِلشَّافِعِيِّ ، ثُمَّ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ كُلِّهِ جَلِيِّهِ وَخَفِيِّهِ ، وَالْأَخْذِ بِظَاهِرِ النَّصِّ وَعُمُومِ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ ، وَالْقَوْلِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ ، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ كُتُبًا كَثِيرَةً ، وَنَاظَرَ عَلَيْهِ ، وَبَسَطَ لِسَانَهُ وَقَلَمَهُ ، وَلَمْ يَتَأَدَّبْ مَعَ الْأَئِمَّةِ فِي الْخِطَابِ ، بَلْ فَجَّجَ الْعِبَارَةَ ، وَسَبَّ وَجَدَّعَ فَكَانَ جَزَاؤُهُ مِنْ جِنْسِ فَعْلِهِ ، بِحَيْثُ إِنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ تَصَانِيفِه جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَهَجَرُوهَا ، وَنَفَرُوا مِنْهَا ، وَأُحْرِقَتْ فِي وَقْتٍ ، وَاعْتَنَى بِهَا آخَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَفَتَّشُوهَا انْتِقَادًا وَاسْتِفَادَةً ، وَأَخْذًا وَمُؤَاخَذَةً ، وَرَأَوْا فِيهَا الدُّرَّ الثَّمِينَ مَمْزُوجًا فِي الرَّصْفِ بِالْخَرَزِ الْمَهِينِ ، فَتَارَةً يَطْرَبُونَ ، وَمَرَّةً يَعْجَبُونَ ، وَمِنْ تَفَرُّدِهِ يَهْزَؤُونَ . وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْكَمَالُ عَزِيزٌ ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَكَانَ يَنْهَضُ بِعُلُومٍ جَمَّةٍ ، وَيُجِيدُ النَّقْلَ ، وَيُحْسِنُ النَّظْمَ وَالنَّثْرَ . وَفِيهِ دِينٌ وَخَيْرٌ ، وَمَقَاصِدُهُ جَمِيلَةٌ ، وَمُصَنَّفَاتُهُ مُفِيدَةٌ ، وَقَدْ زَهِدَ فِي الرِّئَاسَةِ وَلَزِمَ مَنْزِلَهُ مُكِبًّا عَلَى الْعِلْمِ ، فَلَا نَغْلُو فِيهِ ، وَلَا نَجْفُو عَنْهُ ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ قَبْلَنَا الْكِبَارُ : قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَجَدْتُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - كِتَابًا أَلَّفَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزَمٍ الْأَنْدَلُسِيُّ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ حِفْظِهِ وَسَيَلَانِ ذِهْنِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ صَاعِدُ بْنُ أَحْمَدَ : كَانَ ابْنُ حَزْمٍ أَجْمَعَ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ قَاطِبَةً لِعُلُومِ الْإِسْلَامِ ، وَأَوْسَعَهُمْ مَعْرِفَةً مَعَ تَوَسُّعِهِ فِي عِلْمِ اللِّسَانِ ، وَوُفُورِ حَظِّهِ مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالشِّعْرِ ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالسِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ ؛ أَخْبَرَنِي ابْنُهُ الْفَضْلُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ بِخَطِّ أَبِيهِ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنْ تَوَالِيفِهِ أَرْبَعُمِائَةِ مُجَلَّدٍ ، تَشْتَمِلُ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ ثَمَانِينَ أَلْفِ وَرَقَةٍ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ كَانَ ابْنُ حَزْمٍ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ وَفِقْهِهِ ، مُسْتَنْبِطًا لِلْأَحْكَامِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، مُتَفَنِّنًا فِي عُلُومٍ جَمَّةٍ ، عَامِلًا بِعِلْمِهِ ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ فِيمَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الذَّكَاءِ وَسُرْعَةِ الْحِفْظِ ، وَكَرَمِ النَّفْسِ وَالتَّدَيُّنِ ، وَكَانَ لَهُ فِي الْأَدَبِ وَالشِّعْرِ نَفَسٌ وَاسِعٌ وَبَاعٌ طَوِيلٌ ، وَمَا رَأَيْتُ مَنْ يَقُولُ الشِّعْرَ عَلَى الْبَدِيهِ أَسْرَعَ مِنْهُ ، وَشِعْرُهُ كَثِيرٌ جَمَعْتُهُ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَاعِدٌ : كَانَ أَبُوهُ أَبُو عُمَرَ مِنْ وُزَرَاءِ الْمَنْصُورِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ، مُدَبِّرُ دَوْلَةِ الْمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ الْمَرْوَانِيِّ ، ثُمَّ وَزَرَ لِلْمُظَفَّرِ ، وَوَزَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ لِلْمُسْتَظْهِرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِشَامٍ ، ثُمَّ نَبَذَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَعُنِيَ بِعِلْمِ الْمَنْطِقِ وَبَرَعَ فِيهِ ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ - قُلْتُ : مَا أَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى زَرَعَ فِي بَاطِنِهِ أُمُورًا وَانْحِرَافًا عَنِ السُّنَّةِ - قَالَ : وَأَقْبَلَ عَلَى عُلُومِ الْإِسْلَامِ حَتَّى نَالَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَنَلْهُ أَحَدٌ بِالْأَنْدَلُسِ قَبْلَهُ . وَقَدْ حَطَّ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ " الْقَوَاصِمِ وَالْعَوَاصِمِ " وَعَلَى الظَّاهِرِيَّةِ ، فَقَالَ : هِيَ أُمَّةٌ سَخِيفَةٌ تَسَوَّرَتْ عَلَى مَرْتَبَةٍ لَيْسَتْ لَهَا ، وَتَكَلَّمَتْ بِكَلَامٍ لَمْ نَفْهَمْهُ تَلَقَّوْهُ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الْخَوَارِجِ حِينَ حَكَّمَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمَ صِفِّينَ ، فَقَالَتْ : لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ . وَكَانَ أَوَّلَ بِدْعَةٍ لَقِيتُ فِي رِحْلَتِي الْقَوْلُ بِالْبَاطِنِ ، فَلَمَّا عُدْتُ وَجَدْتُ الْقَوْلَ بِالظَّاهِرِ قَدْ مَلَأَ بِهِ الْمَغْرِبَ سَخِيفٌ كَانَ مِنْ بَادِيَةِ إِشْبِيلِيَةَ يُعْرَفُ بِابْنِ حَزْمٍ ، نَشَأَ وَتَعَلَّقَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، ثُمَّ انْتَسَبَ إِلَى دَاوُدَ ، ثُمَّ خَلَعَ الْكُلَّ وَاسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ إِمَامُ الْأُمَّةِ يَضَعُ وَيَرْفَعُ ، وَيَحْكُمُ وَيُشَرِّعُ ، يَنْسِبُ إِلَى دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ ، وَيَقُولُ عَنِ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَقُولُوا تَنْفِيرًا لِلْقُلُوبِ مِنْهُمْ ، وَخَرَجَ عَنْ طَرِيقِ الْمُشَبِّهَةِ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ ، فَجَاءَ فِيهِ بِطَوَامَّ ، وَاتَّفَقَ كَوْنُهُ بَيْنَ قَوْمٍ لَا بَصَرَ لَهُمْ إِلَّا بِالْمَسَائِلِ ، فَإِذَا طَالَبَهُمْ بِالدَّلِيلِ كَاعُوا فَيَتَضَاحَكُ مَعَ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ ، وَعَضَّدَتْهُ الرِّئَاسَةُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَدَبٍ ، وَبِشُبَهٍ كَانَ يُورِدُهَا عَلَى الْمُلُوكِ ، فَكَانُوا يُحَمِّلُونَهُ ، وَيَحْمُونَهُ ، بِمَا كَانَ يُلْقِي إِلَيْهِمْ مِنْ شُبَهِ الْبِدَعِ وَالشِّرْكِ . وَفِي حِينِ عَوْدِي مِنَ الرِّحْلَةِ أَلْفَيْتُ حَضْرَتِي مِنْهُمْ طَافِحَةً ، وَنَارَ ضَلَالِهِمْ لَافِحَةً ، فَقَاسَيْتُهُمْ مَعَ غَيْرِ أَقْرَانٍ ، وَفِي عَدَمِ أَنْصَارٍ إِلَى حُسَّادٍ يَطَؤُونَ عَقِبِي ، تَارَةً تَذْهَبُ لَهُمْ نَفْسِي ، وَأُخْرَى يَنْكَشِرُ لَهُمْ ضِرْسِي ، وَأَنَا مَا بَيْنَ إِعْرَاضٍ عَنْهُمْ أَوْ تَشْغِيبٍ بِهِمْ ، وَقَدْ جَاءَنِي رَجُلٌ بِجُزْءٍ لِابْنِ حَزْمٍ سَمَّاهُ " نُكَتَ الْإِسْلَام " فِيهِ دَوَاهِي ، فَجَرَّدْتُ عَلَيْهِ نَوَاهِي ، وَجَاءَنِى آخَرُ بِرِسَالَةٍ فِي الِاعْتِقَادِ فَنَقَضْتُهَا بِرِسَالَةِ " الْغُرَّةِ " وَالْأَمْرُ أَفْحَشُ مِنْ أَنْ يُنْقَضَ . يَقُولُونَ : لَا قَوْلَ إِلَّا مَا قَالَ اللَّهُ ، وَلَا نَتَّبِعُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالِاقْتِدَاءِ بِأَحَدٍ ، وَلَا بِالِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِ بَشَرٍ . فَيَجِبُ أَنْ يَتَحَقَّقُوا أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ سَخَافَةٌ فِي تَهْوِيلٍ ، فَأُوصِيكُمْ بِوَصِيَّتَيْنِ : أَنْ لَا تَسْتَدِلُّوا عَلَيْهِمْ ، وَأَنْ تُطَالِبُوهُمْ بِالدَّلِيلِ ، فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا اسْتَدْلَلْتَ عَلَيْهِ شَغَّبَ عَلَيْكَ ، وَإِذَا طَالَبْتَهُ بِالدَّلِيلِ لَمْ يَجِدْ إِلَيْهِ سَبِيلًا . فَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَا قَوْلَ إِلَّا مَا قَالَ اللَّهُ ، فَحَقٌّ ، وَلَكِنْ أَرِنِي مَا قَالَ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ . فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، بَلْ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَ الْحُكْمَ لِغَيْرِهِ فِيمَا قَالَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ . صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ وَصَحَّ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ . . . " الْحَدِيثَ . قُلْتُ : لَمْ يُنْصِفِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - شَيْخَ أَبِيهِ فِي الْعِلْمِ ، وَلَا تَكَلَّمَ فِيهِ بِالْقِسْطِ ، وَبَالَغَ فِي الِاسْتِخْفَافِ بِهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ فَعَلَى عَظَمَتِهِ فِي الْعِلْمِ لَا يَبْلُغُ رُتْبَةَ أَبِي مُحَمَّدٍ ، وَلَا يَكَادُ ، فَرَحِمَهُمَا اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُمَا . قَالَ الْيَسَعُ ابْنُ حَزْمٍ الْغَافِقِيُّ وَذَكَرَ أَبَا مُحَمَّدٍ فَقَالَ : أَمَّا مَحْفُوظُهُ فَبَحْرٌ عَجَّاجٌ ، وَمَاءٌ ثَجَّاجٌ ، يَخْرُجُ مِنْ بَحْرِهِ مَرْجَانُ الْحِكَمِ ، وَيَنْبُتُ بِثَجَّاجِهِ أَلْفَافُ النِّعَمِ فِي رِيَاضِ الْهِمَمِ ، لَقَدْ حَفِظَ عُلُومَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَرْبَى عَلَى كُلِّ أَهْلِ دِينٍ ، وَأَلَّفَ " الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ " وَكَانَ فِي صِبَاهُ يَلْبَسُ الْحَرِيرَ ، وَلَا يَرْضَى مِنَ الْمَكَانَةِ إِلَّا بِالسَّرِيرِ . أَنْشَدَ الْمُعْتَمِدَ ، فَأَجَادَ ، وَقَصَدَ بَلَنْسِيَةَ وَبِهَا الْمُظَفَّرُ أَحَدُ الْأَطْوَادِ . وَحَدَّثَنِي عَنْهُ عُمَرُ بْنُ وَاجِبٍ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ أَبِي بِبَلَنْسِيَةَ وَهُوَ يُدَرِّسُ الْمَذْهَبَ ، إِذَا بِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ يَسْمَعُنَا وَيَتَعَجَّبُ ، ثُمَّ سَأَلَ الْحَاضِرِينَ مَسْأَلَةً مِنَ الْفِقْهِ ، جُووِبَ فِيهَا ، فَاعْتَرَضَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحُضَّارِ : هَذَا الْعِلْمُ لَيْسَ مِنْ مُنْتَحَلَاتِكَ ، فَقَامَ وَقَعَدَ ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَعَكَفَ وَوَكْفَ مِنْهُ وَابِلٌ فَمَا كَفَّ ، وَمَا كَانَ بَعْدَ أَشْهُرٍ قَرِيبَةٍ حَتَّى قَصَدْنَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، فَنَاظَرَ أَحْسَنَ مُنَاظَرَةٍ ، وَقَالَ فِيهَا : أَنَا أَتَّبِعُ الْحَقَّ وَأَجْتَهِدُ وَلَا أَتَقَيَّدُ بِمَذْهَبٍ . قُلْتُ : نَعِمَ ، مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ عِدَّةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، لَمْ يَسُغْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ ، كَمَا أَنَّ الْفَقِيهَ الْمُبْتَدِئَ وَالْعَامِّيَّ الَّذِي يَحْفَظُ الْقُرْآنَ أَوْ كَثِيرًا مِنْهُ لَا يَسُوغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ أَبَدًا ، فَكَيْفَ يَجْتَهِدُ ، وَمَا الَّذِي يَقُولُ ؟ وَعَلَامَ يَبْنِي ؟ وَكَيْفَ يَطِيرُ وَلَمَّا يُرَيِّشْ ؟ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : الْفَقِيهُ الْمُنْتَهِي الْيَقِظُ الْفَهِمُ الْمُحَدِّثُ ، الَّذِي قَدْ حَفِظَ مُخْتَصَرًا فِي الْفُرُوعِ ، وَكِتَابًا فِي قَوَاعِدِ الْأُصُولِ ، وَقَرَأَ النَّحْوَ ، وَشَارَكَ فِي الْفَضَائِلِ مَعَ حِفْظِهِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشَاغُلِهِ بِتَفْسِيرِهِ وَقُوَّةِ مُنَاظَرَتِهِ ، فَهَذِهِ رُتْبَةُ مَنْ بَلَغَ الِاجْتِهَادَ الْمُقَيَّدَ ، وَتَأَهَّلَ لِلنَّظَرِ فِي دَلَائِلِ الْأَئِمَّةِ ، فَمَتَى وَضَحَ لَهُ الْحَقُّ فِي مَسْأَلَةٍ ، وَثَبَتَ فِيهَا النَّصُّ ، وَعَمِلَ بِهَا أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ مَثَلًا أَوْ كَمَالِكٍ ، أَوِ الثَّوْرِيِّ ، أَوِ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَوِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، فَلْيَتْبَعْ فِيهَا الْحَقَّ وَلَا يَسْلُكِ الرُّخَصَ ، وَلْيَتَوَرَّعْ ، وَلَا يَسَعُهُ فِيهَا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ تَقْلِيدٌ ، فَإِنْ خَافَ مِمَّنْ يُشَغِّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَلْيَتَكَتَّمْ بِهَا وَلَا يَتَرَاءَى بِفِعْلِهَا ، فَرُبَّمَا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ ، وَأَحَبَّ الظُّهُورَ ، فَيُعَاقَبُ ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الدَّاخِلُ مِنْ نَفْسِهِ ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ نَطَقَ بِالْحَقِّ ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ ، فَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ يُؤْذِيهِ لِسُوءِ قَصْدِهِ ، وَحُبِّهِ لِلرِّئَاسَةِ الدِّينِيَّةِ ، فَهَذَا دَاءٌ خَفِيٌّ سَارَ فِي نُفُوسِ الْفُقَهَاءِ ، كَمَا أَنَّهُ دَاءٌ سَارَ فِي نُفُوسِ الْمُنْفِقِينَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَأَرْبَابِ الْوُقُوفِ وَالتُّرَبِ الْمُزَخْرَفَةِ ، وَهُوَ دَاءٌ خَفِيٌّ يَسْرِي فِي نُفُوسِ الْجُنْدِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْمُجَاهِدِينَ ، فَتَرَاهُمْ يَلْتَقُونَ الْعَدُوَّ ، وَيَصْطَدِمُ الْجَمْعَانِ وَفِي نُفُوسِ الْمُجَاهِدِينَ مُخَبَّآتٌ وَكَمَائِنُ مِنَ الِاخْتِيَالِ وَإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ لِيُقَالَ ، وَالْعَجَبِ وَلُبْسِ الْقَرَاقِلِ الْمُذَهَّبَةِ ، وَالْخُوَذِ الْمُزَخْرَفَةِ ، وَالْعُدَدِ الْمُحَلَّاةِ عَلَى نُفُوسٍ مُتَكَبِّرَةٍ ، وَفُرْسَانٍ مُتَجَبِّرَةٍ ، وَيَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ إِخْلَالٌ بِالصَّلَاةِ ، وَظُلْمٌ لِلرَّعِيَّةِ وَشُرْبٌ لِلْمُسْكِرِ ، فَأَنَّى يُنْصَرُونَ ؟ وَكَيْفَ لَا يُخْذَلُونَ ؟ اللَّهُمَّ فَانْصُرْ دِينَكَ ، وَوَفِّقْ عِبَادَكَ . فَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلْعَمَلِ كَسَرَهُ الْعِلْمُ وَبَكَى عَلَى نَفْسِهِ ، وَمِنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلْمَدَارِسِ وَالْإِفْتَاءِ وَالْفَخْرِ وَالرِّيَاءِ ، تَحَامَقَ وَاخْتَالَ ، وَازْدَرَى بِالنَّاسِ ، وَأَهْلَكَهُ الْعُجْبُ ، وَمَقَتَتْهُ الْأَنْفُسُ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا أَيْ : دَسَّسَهَا بِالْفُجُورِ وَالْمَعْصِيَةِ . قُلِبَتْ فِيهِ السِّينُ أَلْفًا . قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - وَكَانَ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ - : مَا رَأَيْتُ فِي كُتُبِ الْإِسْلَامِ فِي الْعِلْمِ مِثْلَ " الْمُحَلَّى " لِابْنِ حَزْمٍ ، وَكِتَابِ " الْمُغْنِي " لِلشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّينِ . قُلْتُ : لَقَدْ صَدَقَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ . وَثَالِثُهُمَا : " السُّنَنُ الْكَبِيرُ " لِلْبَيْهَقِيِّ . وَرَابِعُهَا " التَّمْهِيدُ " لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ . فَمَنْ حَصَّلَ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ ، وَكَانَ مِنْ أَذْكِيَاءِ الْمُفْتِينَ وَأَدْمَنَ الْمُطَالَعَةَ فِيهَا فَهُوَ الْعَالِمُ حَقًّا . وَلِابْنِ حَزْمٍ مُصَنَّفَاتٌ جَلِيلَةٌ أَكْبَرُهَا كِتَابُ " الْإِيصَالُ إِلَى فَهْمِ كِتَابِ الْخِصَالِ " خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفِ وَرَقَةٍ ، وَكِتَابُ " الْخِصَالُ الْحَافِظِ لِجُمَلِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ " مُجَلَّدَانِ وَكِتَابُ " الْمُجَلَّى " فِي الْفِقْهِ مُجَلَّدٌ ، وَكِتَابُ " الْمُحَلَّى فِي شَرْح الْمُجَلَّى بِالْحُجَجِ وَالْآثَارِ " ثَمَانِي مُجَلَّدَاتٍ ، كِتَابُ " حِجَّةُ الْوَدَاعِ " مِائَةٌ وَعِشْرُونَ وَرَقَةً ، كِتَابُ " قِسْمَةُ الْخُمْسِ فِي الرَّدِّ عَلَى إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي " مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " الْآثَارُ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ وَنَفْيُ التَّنَاقُضِ عَنْهَا " يَكُونُ عَشَرَةَ آلَافِ وَرَقَةٍ ، لَكِنْ لَمْ يُتِمُّهُ ، كِتَابُ " الْجَامِعُ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ " بِلَا أَسَانِيدَ ، كِتَابُ " التَّلْخِيصُ وَالتَّخْلِيصُ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ " كِتَابُ " مَا انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ " ، " مُخْتَصَرُ الْمُوَضِّحِ " لِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ الظَّاهِرِيِّ ، مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ الْخَمْسَةِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ " ، كِتَابُ " التَّصَفُّحُ فِي الْفِقْهِ " مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " التَّبْيِينُ فِي هَلْ عَلِمَ الْمُصْطَفَى أَعْيَانَ الْمُنَافِقِينَ " ثَلَاثَةُ كَرَارِيسَ ، كِتَابُ " الْإِمْلَاءُ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ " أَلْفُ وَرَقَةٍ ، كِتَابُ " الْإِمْلَاءُ فِي قَوَاعِدِ الْفِقْهِ " أَلْفُ وَرَقَةٍ أَيْضًا ، كِتَابُ " دُرُّ الْقَوَاعِد فِي فِقْهِ الظَّاهِرِيَّة " أَلْفُ وَرَقَةٍ أَيْضًا ، كِتَابُ " الْإِجْمَاعُ " مُجَيْلِيدٌ ، كِتَابُ " الْفَرَائِضُ " مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " الرِّسَالَةُ الْبَلْقَاءُ فِي الرَّدِّ عَلَى عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّقَلِيِّ " مُجَيْلِيدٌ ، كِتَابُ " الْإِحْكَامُ لِأُصُولِ الْأَحْكَامِ " مُجَلَّدَانِ ، كِتَابُ " الْفِصَلُ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ " مُجَلَّدَانِ كَبِيرَانِ ، كِتَابُ " الرَّدُّ عَلَى مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى الْفِصَلِ " لَهُ ، مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " الْيَقِينُ فِي نَقْضِ تَمْوِيهِ الْمُعْتَذِرِينَ عَنْ إِبْلِيسَ وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ " مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ ، كِتَابُ " الرَّدُّ عَلَى ابْنِ زَكَرِيَّا الرَّازِيِّ " مِائَةُ وَرَقَةٍ ، كِتَابُ " التَّرْشِيدُ فِي الرَّدِّ عَلَى كِتَابِ " الْفَرِيدِ " لِابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ فِي اعْتِرَاضِهِ عَلَى النُّبُوَّاتِ ، مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " الرَّدُّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ الْمُتَأَوِّلِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ " مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " مُخْتَصَرٌ فِي عِلَلِ الْحَدِيثِ " مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " التَّقْرِيبُ لِحَدِّ الْمَنْطِقِ بِالْأَلْفَاظِ الْعَامِّيَّةِ " مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " الِاسْتِجْلَابُ " مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " نَسَبُ الْبَرْبَرِ " مُجَلَّدٌ ، كِتَابُ " نَقْطُ الْعَرُوسِ " مُجَيْلِيدٌ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَمِمَّا لَهُ فِي جُزْءٍ أَوْ كَرَّاسٍ : " مُرَاقَبَةُ أَحْوَالِ الْإِمَامِ " ، " مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا " ، " رِسَالَةُ الْمُعَارَضَةِ " ، " قَصْرُ الصَّلَاةِ " ، " رِسَالَةُ التَّأْكِيدِ " ، " مَا وَقَعَ بَيْنَ الظَّاهِرِيَّةِ وَأَصْحَابِ الْقِيَاسِ " ، " فَضَائِلُ الْأَنْدَلُسِ " " الْعِتَابُ عَلَى أَبِي مَرْوَانَ الْخَوْلَانِيِّ " ، " رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ " ، " مَرَاتِبُ الْعُلَمَاءِ وَتَوَالِيفِهِمْ " ، " التَّلْخِيصُ فِي أَعْمَالِ الْعِبَادِ " ، " الْإِظْهَارُ لِمَا شُنِّعَ بِهِ عَلَى الظَّاهِرِيَّةِ " ، " زَجْرُ الْغَاوِي " جُزْآنِ ، " النُّبَذُ الْكَافِيَة " ، " النُّكَتُ الْمُوجَزَةُ فِي نَفْيِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَالتَّعْلِيلِ وَالتَّقْلِيدِ " مُجَلَّدٌ صَغِيرٌ " الرِّسَالَةُ اللَّازِمَةُ لِأُولِي الْأَمْرِ " ، " مُخْتَصَرُ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ " مُجَلَّدٌ ، " الدُّرَّةُ فِي مَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ " جُزْآنِ ، " مَسْأَلَةٌ فِي الرُّوحِ " ، " الرَّدُّ عَلَى إِسْمَاعِيلَ الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَلَّفَ فِي تَنَاقُضِ آيَاتٍ " ، " النَّصَائِحُ الْمُنْجِيَةُ " " الرِّسَالَةُ الصُّمَادَحِيَّةُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ " ، " مَسْأَلَةُ الْإِيمَانِ " ، " مَرَاتِبُ الْعُلُومِ " ، " بَيَانُ غَلَطِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَعْوَرِ فِي الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ " ، " تَرْتِيبُ سُؤَالَاتِ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ لِابْنِ مَعِينٍ " ، " عَدَدُ مَا لِكُلِّ صَاحِبٍ فِي مَسْنَدِ بَقِيٍّ " ، " تَسْمِيَةُ شُيُوخِ مَالِكٍ " ، " السِّيَرُ وَالْأَخْلَاقُ " جُزْآنِ ، " بَيَانُ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ " ، رِسَالَةٌ فِي ذَلِكَ إِلَى ابْنِ حَفْصُونَ ، " مَسْأَلَةُ هَلِ السَّوَادُ لَوْنٌ أَوْ لَا " ، " الْحَدُّ وَالرَّسْمُ " ، " تَسْمِيَةُ الشُّعَرَاءِ الْوَافِدِينَ عَلَى ابْنِ أَبِي عَامِرٍ " ، " شَيْءٌ فِي الْعَرُوضِ " ، " مُؤَلَّفٌ فِي الظَّاءِ وَالضَّادِ " ، " التَّعَقُّبُ عَلَى الْأَفْلِيلِيِّ فِي شَرْحِهِ لِدِيوَانِ الْمُتَنَبِّي " ، " غَزَوَاتُ الْمَنْصُورِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ " ، " تَأْلِيفٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَنَاجِيلِ النَّصَارَى " . وَلِابْنِ حَزْمٍ " رِسَالَةٌ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ " ، وَذَكَرَ فِيهَا أَسْمَاءَ كُتُبٍ لَهُ فِي الطِّبِّ مِنْهَا : " مَقَالَةُ الْعَادَةِ " وَ " مَقَالَةٌ فِي شِفَاءِ الضِّدِّ بِالضِّدِّ " ، وَ " شَرْحُ فَصُولِ بِقِرَاطٍ " ، وَكِتَابٌ " بُلْغَةُ الْحَكِيمِ " ، وَكِتَابُ " حَدُّ الطِّبِّ " وَكِتَابُ " اخْتِصَارُ كَلَامِ جَالِينُوسَ فِي الْأَمْرَاضِ الْحَادَّةِ " ، وَكِتَابٌ فِي " الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرَدَةِ " ، وَ " مَقَالَةٌ فِي الْمُحَاكَمَةِ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ " ، وَ " مَقَالَةٌ فِي النَّخْلِ " وَأَشْيَاءُ سِوَى ذَلِكَ . وَقَدِ امْتُحِنَ لِتَطْوِيلِ لِسَانِهِ فِي الْعُلَمَاءِ ، وَشُرِّدَ عَنْ وَطَنِهِ ، فَنَزَلَ بِقَرْيَةٍ لَهُ ، وَجَرَتْ لَهُ أُمُورٌ ، وَقَامَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ مُنَاظَرَاتٌ وَمُنَافَرَاتٌ ، وَنَفَّرُوا مِنْهُ مُلُوكَ النَّاحِيَةِ ، فَأَقْصَتْهُ الدَّوْلَةُ ، وَأُحْرِقَتْ مُجَلَّدَاتٌ مِنْ كُتُبِهُ ، وَتَحَوَّلَ إِلَى بَادِيَةِ لَبْلَةَ فِي قَرْيَةٍ . قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ابْنُ دِحْيَةَ : كَانَ ابْنُ حَزْمٍ قَدْ بَرِصَ مَنْ أَكَلِ اللُّبَانِ وَأَصَابَهُ زَمَانَةٌ ، وَعَاشَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً غَيْرَ شَهْرٍ . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَسْتَعْمِلُ اللُّبَانَ لِقُوَّةِ الْحِفْظِ ، فَوَلَّدَ لَهُ رَمْيَ الدَّمِ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ الْعَرِّيفِ : كَانَ لِسَانُ ابْنِ حَزْمٍ وَسَيْفُ الْحَجَّاجِ شَقِيقَيْنِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ طَرْخَانَ التُّرْكِيُّ : قَالَ لِي الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي وَالِدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ - : أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ أَنَّ سَبَبَ تَعَلُّمِهِ الْفِقْهَ أَنَّهُ شَهِدَ جِنَازَةً ، فَدَخْلَ الْمَسْجِدَ ، فَجَلَسَ وَلَمْ يَرْكَعْ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : قُمْ فَصَلِّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ . وَكَانَ قَدْ بَلَغَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً . قَالَ : فَقُمْتُ وَرَكَعْتُ ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ ، دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَبَادَرْتُ بِالرُّكُوعِ ، فَقِيلَ لِي : اجْلِسِ اجْلِسْ ، لَيْسَ ذَا وَقْتِ صَلَاةٍ - وَكَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ - قَالَ : فَانْصَرَفْتُ وَقَدْ حَزِنْتُ وَقُلْتُ لِلْأُسْتَاذِ الَّذِي رَبَّانِي : دُلَّنِي عَلَى دَارِ الْفَقِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَحُّونٍ . قَالَ : فَقَصَدْتُهُ وَأَعْلَمْتُهُ بِمَا جَرَى ، فَدَلَّنِي عَلَى " مُوَطَّأِ " مَالِكٍ ، فَبَدَأْتُ بِهِ عَلَيْهِ ، وَتَتَابَعَتْ قِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ ، وَبَدَأْتُ بِالْمُنَاظَرَةِ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ صَحِبْتُ ابْنَ حَزْمٍ سَبْعَةَ أَعْوَامٍ ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ جَمِيعَ مُصَنَّفَاتِهِ سِوَى الْمُجَلَّدِ الْأَخِيرِ مِنْ كِتَابِ " الْفِصَلِ " ، وَهُوَ سِتُّ مُجَلَّدَاتٍ ، وَقَرَأْنَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ " الْإِيصَالِ " أَرْبَعَ مُجَلَّدَاتٍ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مُجَلَّدًا ، وَلِي مِنْهُ إِجَازَةٌ غَيْرُ مَرَّةٍ . قَالَ أَبُو مَرْوَانَ بْنُ حَيَّانَ : كَانَ ابْنُ حَزْمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَامِلَ فُنُونٍ مِنْ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَجَدَلٍ وَنَسَبٍ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَذْيَالِ الْأَدَبِ ، مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي أَنْوَاعِ التَّعَالِيمِ الْقَدِيمَةِ مِنَ الْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ ، وَلَهُ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ لَمْ يَخْلُ فِيهَا مِنْ غَلَطٍ لِجَرَاءَتِهِ فِي التَّسَوُّرِ عَلَى الْفُنُونِ لَا سِيَّمَا الْمَنْطِقَ ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ زَلَّ هُنَالِكَ ، وَضَلَّ فِي سُلُوكِ الْمَسَالِكِ ، وَخَالَفَ أَرِسْطَاطَالِيسَ وَاضِعَ الْفَنِّ مُخَالَفَةَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ غَرَضَهُ ، وَلَا ارْتَاضَ ، وَمَالَ أَوَّلًا إِلَى النَّظَرِ عَلَى رَأْيِ الشَّافِعِيِّ ، وَنَاضَلَ عَنْ مَذْهَبِهِ حَتَّى وُسِمَ بِهِ ، فَاسْتُهْدِفَ بِذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَعِيبَ بِالشُّذُوذِ ، ثُمَّ عَدَلَ إِلَى قَوْلِ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ ، فَنَقَّحَهُ ، وَجَادَلَ عَنْهُ ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ مَاتَ ، وَكَانَ يَحْمِلُ عِلْمَهُ هَذَا وَيُجَادِلُ عَنْهُ مَنْ خَالَفَهُ ، عَلَى اسْتِرْسَالٍ فِي طِبَاعِهِ ، وَمَذَلٍ بِأَسْرَارِهِ ، وَاسْتِنَادٍ إِلَى الْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَلَمْ يَكُ يُلَطِّفُ صَدْعَهُ بِمَا عِنْدَهُ بِتَعْرِيضٍ وَلَا بِتَدْرِيجٍ بَلْ يَصُكُّ بِهِ مَنْ عَارَضَهُ صَكَّ الْجَنْدَلِ وَيُنْشِقُهُ إِنْشَاقَ الْخَرْدَلِ ، فَتَنْفِرُ عَنْهُ الْقُلُوبُ ، وَتُوقَعُ بِهِ النُّدُوبُ ، حَتَّى اسْتُهْدِفَ لِفُقَهَاءِ وَقْتِهِ ، فَتَمَالَؤُوا عَلَيْهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَضْلِيلِهِ ، وَشَنَّعُوا عَلَيْهِ ، وَحَذَّرُوا سَلَاطِينَهُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ ، وَنَهَوْا عَوَامَّهُمْ عَنِ الدُّنُوِّ مِنْهُ ، فَطَفِقَ الْمُلُوكُ يُقْصُونَهُ عَنْ قُرْبِهِمْ ، وَيُسَيِّرُونَهُ عَنْ بِلَادِهِمْ إِلَى أَنِ انْتَهَوْا بِهِ مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ : بَلْدَةً مِنْ بَادِيَةِ لَبْلَةَ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُرْتَدِعٍ وَلَا رَاجِعٍ ، يَبُثُّ عِلْمَهُ فِيمَنْ يَنْتَابُهُ مِنْ بَادِيَةِ بَلَدِهِ ، مِنْ عَامَّةِ الْمُقْتَبِسِينَ مِنْ أَصَاغِرِ الطَّلَبَةِ ، الَّذِينَ لَا يَخْشَوْنَ فِيهِ الْمَلَامَةَ ، يُحَدِّثُهُمْ وَيُفَقِّهُهُمْ وَيُدَارِسُهُمْ ، حَتَّى كَمَلَ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ وِقْرُ بِعِيرٍ ، لَمْ يَعْدُ أَكْثَرُهَا بَادِيَتَهُ لِزُهْدِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا ، حَتَّى لَأُحْرِقَ بَعْضُهَا بِإِشْبِيلِيَةَ ، وَمُزِّقَتْ عَلَانِيَةً ، وَأَكْثَرُ مَعَايِبِهِ - زَعَمُوا عِنْدَ الْمُنْصِفِ - جَهْلُهُ بِسِيَاسَةِ الْعِلْمِ الَّتِي هِيَ أَعْوَصُ . . . وَتَخْلُفُهُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى قُوَّةِ سَبْحِهِ فِي غِمَارِهِ ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ بِالسَّلِيمِ مِنِ اضْطِرَابِ رَأْيِهِ ، وَمَغِيبِ شَاهِدِ عِلْمِهِ عَنْهُ عِنْدَ لِقَائِهِ ، إِلَى أَنْ يُحَرَّكَ بِالسُّؤَالِ ، فَيَتَفَجَّرُ مِنْهُ بَحْرُ عِلْمٍ لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ ، وَكَانَ مِمَّا يَزِيدُ فِي شَنَآنِهِ تَشَيُّعُهُ لِأُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ مَاضِيهِمْ وَبَاقِيهِمْ ، وَاعْتِقَادُهُ لِصِحَّةِ إِمَامَتِهِمْ ، حَتَّى لَنُسِبَ إِلَى النَّصْبِ . قُلْتُ : وَمِنْ تَوَالِيفِهِ : كِتَابُ " تَبْدِيلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " وَقَدْ أَخَذَ الْمَنْطِقَ - أَبْعَدَهُ اللَّهُ مِنْ عِلْمٍ - عَنْ : مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُذْحِجِيِّ ، وَأَمْعَنَ فِيهِ ، فَزَلْزَلَهُ فِي أَشْيَاءَ . وَلِي أَنَا مَيْلٌ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ لِمَحَبَّتِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَمَعْرِفَتِهِ بِهِ ، وَإِنْ كُنْتُ لَا أُوَافِقُهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَقُولُهُ فِي الرِّجَالِ وَالْعِلَلِ ، وَالْمَسَائِلِ الْبَشِعَةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ ، وَأَقْطَعُ بِخَطَئِهِ فِي غَيْرِ مَا مَسْأَلَةٍ ، وَلَكِنْ لَا أُكَفِّرُهُ ، وَلَا أُضَلِّلُهُ ، وَأَرْجُو لَهُ الْعَفْوَ وَالْمُسَامَحَةَ وَلِلْمُسْلِمِينَ . وَأَخْضَعُ لِفَرْطِ ذَكَائِهِ وَسَعَةِ عُلُومِهِ ، وَرَأَيْتُهُ قَدْ ذَكَرَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ : أَجَلُّ الْمُصَنَّفَاتِ " الْمُوَطَّأُ " . فَقَالَ : بَلْ أَوْلَى الْكُتُبِ بِالتَّعْظِيمِ صَحِيحَا الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، وَ " صَحِيحُ " ابْنِ السَّكَنِ ، وَ " مُنْتَقَى " ابْنِ الْجَارُودِ ، وَ " الْمُنْتَقَى " لِقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ، ثُمَّ بَعْدَهَا كِتَابُ أَبِي دَاوُدَ ، وَكِتَابُ النَّسَائِيِّ ، وَ " الْمُصَنَّفُ " لِقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ، " مُصَنَّفُ " أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ . قُلْتُ : مَا ذَكَرَ " سُنَنَ " ابْنِ مَاجَهْ ، وَلَا " جَامِعَ " أَبِي عِيسَى ; فَإِنَّهُ مَا رَآهُمَا ، وَلَا أُدْخِلَا إِلَى الْأَنْدَلُسِ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ . ثُمَّ قَالَ : وَ " مُسْنَدُ " الْبَزَّارِ ، وَ " مُسْنَدُ " ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ ، وَ " مُسْنَدُ " أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَ " مُسْنَدُ " إِسْحَاقَ ، وَ " مُسْنَدُ " الطَّيَالِسِيِّ ، وَ " مُسْنَدُ " الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَ " مُسْنَدُ " ابْنِ سَنْجَرٍ ، وَ " مُسْنَدُ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيِّ ، وَ " مُسْنَدُ " يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ ، وَ " مُسْنَدُ " عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَ " مُسْنَدُ " ابْنِ أَبِي غَرَزَةَ وَمَا جَرَى مَجْرَى هَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي أُفْرِدَتْ لِكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِرْفًا ، ثُمَّ الْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا كَلَامُهُ وَكَلَامُ غَيْرِهِ مِثْلُ " مُصَنَّفِ " عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَ " مُصَنَّفِ " أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَ " مُصَنَّفِ " بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ ، وَكِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَكِتَابِ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ ، ثُمَّ " مُصَنَّفُ " حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَ " مُوَطَّأُ " مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَ " مُوَطَّأُ " ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَ " مُوَطَّأُ " ابْنِ وَهْبٍ ، وَ " مُصَنَّفُ " وَكِيعٍ ، وَ " مُصَنَّفُ " مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ ، وَ " مُصَنَّفُ " سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَ " مَسَائِلُ " أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَفِقْهُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَفِقْهُ أَبِي ثَوْرٍ . قُلْتُ : مَا أَنْصَفَ ابْنُ حَزْمٍ ; بَلْ رُتْبَةُ " الْمُوَطَّأِ " أَنْ يُذْكَرَ تِلْوَ " الصَّحِيحَيْنِ " مَعَ " سُنَنِ " أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ ، لَكِنَّهُ تَأَدَّبَ ، وَقَدَّمَ الْمُسْنَدَاتِ النَّبَوِيَّةَ الصِّرْفَ ، وَإِنَّ لِلْمُوَطَّأِ لَوَقْعًا فِي النُّفُوسِ وَمَهَابَةً فِي الْقُلُوبِ لَا يُوَازِنُهَا شَيْءٌ . كَتَبَ إِلَيْنَا الْمُعَمَّرُ الْعَالِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ مِنْ مَدِينَةِ تُونُسَ عَامَ سَبْعِمِائَةٍ ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ الْقَاضِي ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّعِينِيِّ ، أَنَّ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ حَزْمٍ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الصَّوْمُ جُنَّةٌ " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ ، عَنْ وَكِيعٍ . وَبِهِ : قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنِ ابْن عُمَرَ قَالَ : إِنَّمَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ ، وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : " مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ " . فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيٌ ، وَلَمْ يَحِلَّ . وَبِهِ : قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلْمٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَثْرَمُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا. قَالَ بَكْرٌ : فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ : لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ . وَقَعَ لَنَا هَذَا فِي " مُسْنَدِ " أَحْمَدَ ، فَأَنَا وَابْنُ حَزْمٍ فِيهِ سَوَاءٌ . وَبِهِ إِلَى ابْنِ حَزْمٍ فِيمَا أَحْرَقَ لَهُ الْمُعْتَضِدُ بْنُ عَبَّادٍ مِنَ الْكُتُبِ يَقُولُ : فَإِنْ تَحْرِقُوا الْقِرْطَاسَ لَا تَحْرِقُوا الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْقِرْطَاسُ بَلْ هُوَ فِي صَدْرِي يَسِيرُ مَعِي حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي وَيَنْزِلُ إِنْ أَنْزِلْ وَيُدْفَنُ فِي قَبْرِي دَعُونِي مِنْ إِحْرَاقِ رَقٍّ وَكَاغَدٍ وَقُولُوا بِعِلْمٍ كَيْ يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدْرِي وَإِلَّا فَعُودُوا فِي الْمَكَاتِبِ بَدْأَةً فَكَمْ دُونَ مَا تَبْغُونَ لِلَّهِ مِنْ سِتْرِ كَذَاكَ النَّصَارَى يَحْرِقُونَ إِذَا عَلَتْ أَكُفُّهُمُ الْقُرْآنَ فِي مُدُنِ الثَّغْرِ وَبِهِ لِابْنِ حَزْمٍ : أُشْهِدُ اللَّهَ وَالْمَلَائِكَ أَنِّي لَا أَرَى الرَّأْيَ وَالْمَقَايِيسَ دِينَا حَاشَ لِلَّهِ أَنْ أَقُولَ سِوَى مَا جَاءَ فِي النَّصِّ وَالْهُدَى مُسْتَبِينَا كَيْفَ يَخْفَى عَلَى الْبَصَائِرِ هَذَا وَهُوَ كَالشَّمْسِ شُهْرَةً وَيَقِينَا فَقُلْتُ مُجِيبًا لَهُ : لَوْ سَلِمْتُمْ مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي نَعْلَمُ قَطْعًا تَخْصِيصَهُ وَيَقِينَا وَتَرَطَّبْتُمْ فَكَمْ قَدْ يَبِسْتُمْ لَرَأَيْنَا لَكُمْ شُفُوفًا مُبِينَا وَلِابْنِ حَزْمٍ : مُنَايَ مِنَ الدُّنْيَا عُلُومٌ أَبُثُّهَا وَأَنْشُرُهَا فِي كُلِّ بَادٍ وَحَاضِرِ دُعَاءٌ إِلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ الَّتِي تَنَاسَى رِجَالٌ ذِكْرَهَا فِي الْمَحَاضِرِ وَأَلْزَمُ أَطْرَافَ الثُّغُورِ مُجَاهِدًا إِذَا هَيْعَةٌ ثَارَتْ فَأَوَّلُ نَافرٍ لِأَلْقَى حِمَامِي مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ بِسُمْرِ الْعَوَالِي وَالرِّقَاقِ الْبَوَاتِرِ كِفَاحًا مَعَ الْكُفَّارِ فِي حَوْمَةِ الْوَغَى وَأَكْرَمُ مَوْتٍ لِلْفَتَى قَتْلُ كَافِرِ فَيَا رَبِّ لَا تَجْعَلْ حِمَامِي بِغَيْرِهَا وَلَا تَجْعَلَنِّي مِنْ قَطِينِ الْمَقَابِرِ وَمِنْ شِعْرِهِ : هَلِ الدَّهْرُ إِلَّا مَا عَرَفْنَا وَأَدْرَكْنَا فَجَائِعُهُ تَبْقَى وَلَذَّاتُهُ تَفْنَى إِذَا أَمْكَنَتْ فِيهِ مَسَرَّةُ سَاعَةٍ تَوَلَّتْ كَمَرِّ الطَّرْفِ وَاسْتَخْلَفَتْ حُزْنًا إِلَى تَبِعَاتٍ فِي الْمَعَادِ وَمَوْقِفٍ نَوَدُّ لَدَيْهِ أَنَّنَا لَمْ نَكُنْ كُنَّا حَنِينٌ لَمَّا وَلَّى وَشُغْلٌ بِمَا أَتَى وَهَمٌّ لِمَا نَخْشَى فَعَيْشُكَ لَا يَهْنَا حَصَلْنَا عَلَى هَمٍّ وَإِثْمٍ وَحَسْرَةٍ وَفَاتَ الَّذِي كُنَّا نَلَذُّ بِهِ عَنَا كَأَنَّ الَّذِي كُنَّا نُسَرُّ بِكَوْنِهِ إِذَا حَقَّقَتْهُ النَّفْسُ لَفْظٌ بِلَا مَعْنَى وَلَهُ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَابَةِ - وَهُوَ يُمَاشِي أَبَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْبَرِّ - وَقَدْ رَأَى شَابًّا مَلِيحًا ، فَأَعْجَبَ ابْنَ حَزْمٍ ، فَقَالَ أَبُو عُمَرَ : لَعَلَّ مَا تَحْتَ الثِّيَابِ لَيْسَ هُنَاكَ ، فَقَالَ : وَذِي عَذَلٍ فِيمَنْ سَبَانِي حُسْنُهُ يُطِيلُ مَلَامِي فِي الْهَوَى وَيَقُولُ أَمِنْ حُسْنِ وَجْهٍ لَاحَ لَمْ تَرَ غَيْرَهُ وَلَمْ تَدْرِ كَيْفَ الْجِسْمُ أَنْتَ قَتِيلُ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : أَسْرَفْتَ فِي اللَّوْمِ فَاتَّئِدْ فَعِنْدِي رَدٌّ لَوْ أَشَاءُ طَوِيلُ أَلَمْ تَرَ أَنِّي ظَاهِرِيٌّ وَأَنَّنِي عَلَى مَا بَدَا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ أَنْشَدَنَا أَبُو الْفَهْمِ بْنُ أَحْمَدَ السُّلَمِيُّ ، أَنْشَدَنَا ابْنُ قُدَامَةَ ، أَنْشَدَنَا ابْنُ الْبَطِّيِّ ، أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ ، أَنْشَدَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ لِنَفْسِهِ لَا تَشْمَتَنْ حَاسِدِي إِنْ نَكْبَةٌ عَرَضَتْ فَالدَّهْرُ لَيْسَ عَلَى حَالٍ بِمُتَّرِكِ ذُو الْفَضْلِ كَالتِّبْرِ طَوْرًا تَحْتَ مَيْفَعَةٍ وَتَارَةً فِي ذُرَى تَاجٍ عَلَى مَلِكِ وَشِعْرُهُ فَحْلٌ كَمَا تَرَى ، وَكَانَ يُنْظِمُ عَلَى الْبَدِيهِ ، وَمِنْ شِعْرِهِ : أَنَا الشَّمْسُ فِي جَوِّ الْعُلُومِ مُنِيرَةً وَلَكِنَّ عَيْبِي أَنَّ مَطْلَعِيَ الْغَرْبُ وَلَوْ أَنَّنِي مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ طَالِعٌ لَجَدَّ عَلَى مَا ضَاعَ مِنْ ذِكْريَ النَّهْبُ وَلِي نَحْوَ أَكْنَافِ الْعِرَاقِ صَبَابَةٌ وَلَا غَرْوَ أَنْ يَسْتَوْحِشَ الْكَلِفُ الصَّبُّ فَإِنْ يُنْزِلِ الرَّحْمَنُ رَحْلِيَ بَيْنَهُمْ فَحِينَئِذٍ يَبْدُو التَّأَسُّفُ وَالْكَرْبُ هُنَالِكَ يُدْرَى أَنْ لِلْبُعْدِ قِصَّةً وَأَنَّ كَسَادَ الْعِلْمِ آفَتُهُ الْقُرْبُ وَلَهُ : أَنَائِمٌ أَنْتَ عَنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَمَا أَتَى عَنِ الْمُصْطَفَى فِيهَا مِنَ الدِّينِ كَمُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ اللَّذَيْنِ هُمَا شَدَّا عُرَى الدِّينِ فِي نَقْلٍ وَتَبْيِينِ أَوْلَى بِأَجْرٍ وَتَعْظِيمٍ وَمَحْمَدَةٍ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ أَتَى مِنْ رَأْيِ سُحْنُونِ يا مَنْ هَدَى بِهِمَا اجْعَلْنِي كَمِثْلِهِمَا فِي نَصْرِ دِينِكَ مَحْضًا غَيْرَ مَفْتُونِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي تَرَاجِمِ أَبْوَابِ " صَحِيحِ " الْبُخَارِيِّ : مِنْهَا مَا هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى آيَةٍ ، إِذْ لَا يَصِحُّ فِي الْبَابِ شَيْءٌ غَيْرُهَا ، وَمِنْهَا مَا يُنَبِّهُ بِتَبْوِيبِهِ عَلَى أَنَّ فِي الْبَابِ حَدِيثًا يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ مَا أَلَّفَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ ، وَمِنْهَا مَا يُبَوِّبُ عَلَيْهِ وَيَذْكُرُ نُبْذَةً مِنْ حَدِيثٍ قَدْ سَطَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَمِنْهَا أَبْوَابٌ تَقَعُ بِلَفْظِ حَدِيثٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ، وَيَذْكُرُ فِي الْبَابِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ . وَقَالَ فِي أَوَّلِ " الْإِحْكَامِ " أَمَّا بَعْدُ . . . فَإِنَّ اللَّهَ رَكَّبَ فِي النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ قُوًى مُخْتَلِفَةً ، فَمِنْهَا عَدْلٌ يُزَيِّنُ لَهَا الْإِنْصَافَ ، وَيُحَبِّبُ إِلَيْهَا مُوَافَقَةَ الْحَقِّ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَقَالَ : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ وَمِنْهَا غَضَبٌ وَشَهْوَةٌ يُزَيِّنَانِ لَهَا الْجَوْرَ وَيَعْمِيَانِهَا عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ قَالَ تَعَالَى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ وَقَالَ : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فَالْفَاضِلُ يُسَرُّ بِمَعْرِفَتِهِ ، وَالْجَاهِلُ يُسَرُّ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَةَ وَجْهِهِ وَبِمَا فِيهِ وَبَالُهُ . وَمِنْهَا فَهْمٌ يُلِيحُ لَهَا الْحَقَّ مِنْ قَرِيبٍ ، وَيُنِيرُ [ لَهَا فِي ] ظُلُمَاتِ الْمُشْكِلَاتِ ، فَتَرَى بِهِ الصَّوَابَ ظَاهِرًا جَلِيًّا ، وَمِنْهَا جَهْلٌ يَطْمِسُ عَلَيْهَا الطَّرِيقَ ، وَيُسَاوِي عِنْدَهَا بَيْنَ السُّبُلِ ، فَتَبْقَى النَّفْسُ فِي حَيْرَةٍ تَتَرَدَّدُ ، وَفِي رَيْبٍ تَتَلَدَّدُ وَيَهْجُمُ بِهَا عَلَى أَحَدِ الطُّرُقِ الْمُجَانِبَةِ لِلْحَقِّ تَهَوُّرًا وَإِقْدَامًا ، قَالَ تَعَالَى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وَمِنْهَا قُوَّةُ التَّمْيِيزِ الَّتِي سَمَّاهَا الْأَوَائِلُ الْمَنْطِقَ ، فَجَعَلَ لَهَا خَالِقُهَا بِهَذِهِ الْقُوَّةِ سَبِيلًا إِلَى فَهْمِ خِطَابِهِ ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَإِلَى إِمْكَانِ التَّفَهُّمِ ، فَبِهَا تَكُونُ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَمِنْهَا قُوَّةُ الْعَقْلِ الَّتِي تُعِينُ النَّفْسَ الْمُمَيِّزَةَ عَلَى نُصْرَةِ الْعَدْلِ ، فَمَنِ اتَّبَعَ مَا أَنَارَهُ لَهُ الْعَقْلُ الصَّحِيحُ نَجَا وَفَازَ ، وَمَنْ عَاجَ عَنْهُ هَلَكَ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ فَأَرَادَ بِذَلِكَ الْعَقْلَ ، أَمَّا مُضْغَةُ الْقَلْبِ فَهِيَ لِكُلِّ أَحَدٍ ، فَغَيْرُ الْعَاقِلِ هُوَ كَمَنْ لَا قَلْبَ لَهُ . وَكَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ كَثِيرٌ ، وَلَوْ أَخَذْتُ فِي إِيرَادِ طَرَفِهِ وَمَا شَذَّ بِهِ لَطَالَ الْأَمْرُ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بَشْكُوَالَ الْحَافِظُ فِي " الصِّلَةِ " لَهُ : قَالَ الْقَاضِي صَاعِدُ بْنُ أَحْمَدَ : كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ حَزْمٍ بِخَطِّهِ يَقُولُ : وُلِدْتُ بِقُرْطُبَةَ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ فِي رَبَضِ مُنْيَةِ الْمُغِيرَةِ ، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ آخِرَ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءَ ، آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِطَالِعِ الْعَقْرَبِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ السَّابِعُ مِنْ نُوَنْيِرْ . قَالَ صَاعِدٌ : وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ ابْنِهِ أَبِي رَافِعٍ ، أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ عَشِيَّةَ يَوْمِ الْأَحَدِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَعْبَانَ ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فَكَانَ عُمْرُهُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَمِنْ نَظْمِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ : لَمْ أَشْكُ صَدًّا وَلَمْ أُذْعِنْ بِهِجْرَانِ وَلَا شَعَرْتُ مَدَى دَهْرِي بِسُلْوَانُ أَسْمَاءُ لَمْ أَدْرِ مَعْنَاهَا وَلَا خَطَرَتْ يَوْمًا عَلَيَّ وَلَا جَالَتْ بِمَيْدَانِي لَكِنَّمَا دَائِي الْأَدْوَا الَّذِي عَصَفَتْ عَلَيَّ أَرْوَاحُهُ قِدْمًا فَأَعْيَانِي تَفَرُّقٌ لَمْ تَزَلْ تَسْرِي طَوَارِقْهُ إِلَى مَجَامِعِ أَحْبَابِي وَخِلَّانِي كَأَنَّمَا الْبَيْنُ بِي يَأْتَمُّ حَيْثُ رَأَى لِي مَذْهَبًا فهو يَتْلُونِي وَيَغْشَانِي وَكُنْتُ أَحْسَبُ عِنْدِي لِلنَّوَى جَلَدًا دَاءٌ عَنَا فِي فُؤَادِي شَجْوَهَا الْعَانِي فَقَابَلَتْنِي بِأَلْوَانٍ غَدَوْتُ بِهَا مُقَابَلًا مِنْ صَبَابَاتِي بِأَلْوَانِ . وَمِمَّنْ مَاتَ مَعَ ابْنِ حَزْمٍ فِي السَّنَةِ : الْحَافِظُ أَبُو الْوَلِيدِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرْبَنْدِيُّ وَالْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ سِرَاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ ، قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ النَّخْشَبِيُّ وَشَيْخُ الْعَرَبِيَّةِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَلِيِّ بْنُ بُرْهَانٍ بِبَغْدَادَ ، وَمُسْنَدُ الْوَقْتِ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُونَ النَّرْسِيُّ وَالْمُحَدِّثُ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَشَّابُ النَّيْسَابُورِيُّ وَالْوَزِيرُ عَمِيدُ الْمُلْكِ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكُنْدُرِيُّ . وَلِابْنِ حَزْمٍ : قَالُوا تَحَفَّظْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ كَثُرَتْ أَقْوَالُهُمْ وَأَقَاوِيلُ الْوَرَى مِحَنُ فَقُلْتُ : هَلْ عَيْبُهُمْ لِي غَيْرَ أَنِّي لَا أَقُولُ بِالرَّأْيِ إِذْ فِي رَأْيِهِمْ فِتَنُ وَأَنَّنِي مُولَعٌ بِالنَّصِّ لَسْتُ إِلَى سِوَاهُ أَنْحُو وَلَا فِي نَصْرِهِ أَهِنُ لَا أَنْثَنِي لِمَقَايِيسٍ يُقَالُ بِهَا فِي الدِّينِ بَلْ حَسْبِيَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ يَا بَرْدَ ذَا الْقَوُلِ فِي قَلْبِي وَفِي كَبِدِي وَيَا سُرُورِي بِهِ لَوْ أَنَّهُمْ فَطِنُوا دَعْهُمْ يَعَضُّوا عَلَى صُمِّ الْحَصَى كَمَدًا مَنْ مَاتَ مِنْ قَوْلِهِ عِنْدِي لَهُ كَفَنُ .
جرح وتعديل(11 عالم)
وقال القاضي أبو بكر بن العربي : ابتدأ ابن حزم أولا ، فتعلق بمذهب الشافعي ، ثم انتسب إلى داود ، ثم خلع الكل واستقل ، وزعم أنه إمام الأئمة ، يضع ويرفع ويحكم ويشرع ، واتفق كونه بين أقوام لا بصر لهم إلا بالمسائل ، فيطالبهم بالدليل ، ويتضاحك بهم ... وذكر بقية الحط عليه في كتاب " العواصم والقواصم "
وقال الغزالي في شرح الأسماء الحسنى : وجدت لأبي محمد بن حزم كلاما في الأسماء ، يدل على عظم حفظه ، وسيلان ذهنه
وقال أبو العباس بن العريف الصالح الزاهد : لسان ابن حزم ، وسيف الحجاج شقيقان
ومما يعاب به ابن حزم وقوعه في الأئمة الكبار بأقبح عبارة ، وأبشع رد ، وقد وقعت بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرات ومنافرات
ذكر نبذة من أغلاطه في وصف الرواة : قال في الكلام على حديث : " لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر " ، الرواية في هذا الباب ساقطة مطروحة مكذوبة ، فذكر منها طريق يسار مولى ابن عمر ، عن كعب بن مرة ، قال : ويسار مجهول مدلس ، وكعب لا يدرى من هو . قال القطب : يسار قال أبو زرعة : مدني ثقة . وقال ابن حزم في حديث عائشة : " قلت : يا رسول ، قصرت ، وأتممت ، وصمت ، وأفطرت ، قال : " أحسنت يا عائشة " ، انفرد به العلاء بن زهير ، وهو مجهول . قال القطب : أخرج الحديث النسائي والدارقطني ، وروى عن العلاء : وكيع وأبو نعيم والفريابي ، وغيرهم ، وقال ابن معين : ثقة . قال ابن حزم : حديث أم سلمة : " كنت ألبس أوضاحا من ذهب ... " الحديث ، عتاب مجهول . قال القطب : أخرج الحديث أبو داود ، عن محمد بن عيسى بن الطباع ، عن عتاب ، وهو ابن بشير ، عن ثابت بن عجلان ، عن عطاء ، عنها . وعتاب هو ابن بشير الجزري ، روى عنه إسحاق بن راهويه ، ومحمد بن سلام البيكندي ، وغيرهما . وأخرج له البخاري ، وأخرج الحديث المذكور الحاكم في " المستدرك " ، وقال ابن معين : ثقة . قال ابن حزم في الحديث الذي أخرجه النسائي من طريق المرقع بن صيفي ، عن جده رياح بن الربيع : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل : أدرك خالدا ، فقل له : لا تقتل ذرية ولا عسيفا " المرقع مجهول . قال القطب : روى عنه ولده عمر ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ويونس بن أبي إسحاق ، وأبو الزناد ، وموسى بن عقبة . وذكره ابن حبان في " الثقات " ، فليس بمجهول . وله من ذلك شيء كثير ، والله الموفق .
ولد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، ونشأ في نعمة ورياسة ، وكان أبوه من الوزراء ، وولي هو وزارة بعض الخلفاء من بني أمية بالأندلس ، ثم ترك . واشتغل في صباه بالأدب والمنطق والعربية ، وقال الشعر ، وترسل ، ثم أقبل على العلم فقرأ " الموطأ " وغيره . ثم تحول شافعيا ، فمضى على ذلك وقت ، ثم انتقل إلى مذهب الظاهر ، وتعصب له ، وصنف فيه ، ورد على مخالفيه . وكان واسع الحفظ جدا ، إلا أنه لثقته بحافظته ، كان يهجم بالقول في التعديل والتجريح ، وتبيين أسماء الرواة ، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة ، وقد تتبع كثيرا منها الحافظ قطب الدين الحلبي ، ثم المصري ، من " المحلى " خاصة ، وسأذكر منها أشياء . سمع ابن حزم من أبي عمر بن الجسور ، ويحيى بن مسعود بن وجه الحية ، ويونس بن عبد الله بن مغيث ، وحمام بن أحمد ، ومحمد بن سعيد بن بنان ، وعبد الله بن الربيع ، وعبد الله بن يوسف بن نامي ، وأبي عمر الطلمنكي ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ، في آخرين . روى عنه الحميدي ، فأكثر عنه ، وتلمذ له ، ونشر ذكره بالمشرق ، وولده أبو رافع الفضل ، وآخرون . وروى عنه بالإجازة سريج بن محمد بن سريج المقبري ، فكان خاتمة من روى عنه ، وكان أول سماعه في سنة أربعمائة .
وقال الحميدي : كان حافظا للحديث وفقهه ، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة ، متفننا في علوم جمة ، عاملا بعلمه ، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء ، وسرعة الحفظ ، والتدين ، وكرم النفس . وكان له في الأثر باع واسع ، وما رأيت من يقول الشعر أسرع منه ، وقد جمعت شعره على حروف المعجم
وقال اليسع المؤرخ الغافقي : كان محفوظه البحر العجاج ، ولقد حفظ على المسلمين علومهم ، وأربى على أهل كل دين ، وألف " الملل والنحل "
وقال مؤرخ الأندلس أبو مروان بن حيان : كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه ونسب وأدب ، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة ، وكان لا يخلو في فنونه من غلط ، لجرأته في التسور على كل فن . ومال أولا إلى قول الشافعي ، وناضل عنه ، حتى نسب إلى الشذوذ ، واستهدف لكثير من فقهاء عصره . ثم عدل إلى الظاهر ، فجادل عنه ، ولم يكن يلطف في صدعه بما عنده : بتعريض ولا تدريج ، بل يصك به معارضه صك الجندل ، وينشقه في أنفه إنشاق الخردل . فتمالأ عليه فقهاء عصره ، وأجمعوا على تضليله ، وشنعوا عليه ، وحذروا أكابرهم من فتنته ، ونهوا عوامهم عن الاقتراب منه . فطفقوا يقصونه ، وهو مصر على طريقته ، حتى كمل له من تصانيفه وقر بعير ، لم يتجاوز أكثرها عتبة بابه ، لزهد العلماء فيها ، حتى لقد أحرق بعضها بإشبيلية ومزقت علانية . ولم يكن مع ذلك سالما من اضطراب رأيه ، وكان لا يظهر عليه أثر علمه حتى يسأل ، فيتفجر منه علم لا تكدره الدلاء . وكان مما يزيد في بغض الناس له ، تعصبه لبني أمية ، ماضيهم وباقيهم ، واعتقاده بصحة إمامتهم ، حتى نسب إلى النصب
قال صاعد بن أحمد الربعي : كان ابن حزم ، أجمع أهل الأندلس كلهم لعلوم الإسلام ، وأوسعهم معرفة ، وله مع ذلك توسع في علم اللسان ، وحظ من البلاغة ، ومعرفة بالسير والأنساب . أخبرني ولده أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تآليفه أربعمائة مجلد ، يحتوي على نحو ثمانين ألف ورقة ، وكان أبوه وزر للمنصور بن أبي عامر ، ثم للمظفر بن المنصور ، ثم وزر هو للمستظهر بن المؤيد ، ثم ترك .
وقد تتبع أغلاطه في الاستدلال والنظر ، عبد الحق بن عبد الله الأنصاري في كتاب سماه " الرد على المحلى "
وقال عز الدين بن عبد السلام : ما رأيت في كتب الإسلام مثل " المحلى " لابن حزم ، والمغني للشيخ الموفق
حدثني عمر بن واجب قال : كنا ببلنسية ندرس الفقه ، فدخل أبو محمد فسمع ، ثم سأل عن شيء من الفقه فأجيب ، فاعترض ، فقيل له : ليس هذا من منتخلاتك ، فقام وقعد ، ودخل منزله وحلف ، فما كان بعد أشهر قريبة ، يعني : قصدنا إلى ذلك الموضع ، فناظر أحسن مناظرة . قلت : وكان ذلك جرى له بعد القصة التي ذكرها عبد الله بن محمد بن العربي ، والد القاضي أبي بكر ، فإنه حكى أن ابن حزم ذكر له : أنه شهد جنازة فدخل المسجد ، فجلس قبل أن يصلي ، فقيل له : قم فصل تحية المسجد ، ففعل ، ثم حضر أخرى فبدأ بالصلاة ، فقيل له : اجلس ليس هذا وقت صلاة ، وكان بعد العصر ، فحصل له خزي . فقال للذي رباه : دلني على دار الفقيه ، فقصده وقرأ عليه " الموطأ " ، ثم جد في الطلب بعد ذلك ، إلى أن صار منه ما صار ، ولم يزل مستظهرا ، إلى أن قدم أبو الوليد الباجي من العراق ، وقد توسع في علم النظر ، ولقي الأئمة ، فناظر ابن حزم ، فانتصف منه ، ولهما مناظرات مدونة في جزء . ثم تعصب عليه فقهاء المالكية بأمراء تلك الديار ، فمقتوه وآذوه وطردوه ، وحرقوا كتبه علانية ، وله في ذلك : فإن يحرقوا القرطاس لا يحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري [ الأبيات ] . قال : وهذا القدر لا يعرف لأحد من علماء الإسلام ، إلا لابن جرير الطبري .
