عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده
الاسم المختصر: عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق ابن منده
ترجمة الراوي(2 مصدر)
تاريخ الإسلام▼
عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده ، واسمه إبراهيم بن الوليد ، أبو القاسم ابن الحافظ أبي عبد الله العبدي الأصبهاني
الجزء 10 · الصفحة 293
320 - عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده ، واسمه إبراهيم بن الوليد ، أبو القاسم ابن الحافظ أبي عبد الله العبدي الأصبهاني . كان كبير الشأن جليل المقدار ، حسن الخط واسع الرواية ، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر ، ذا وقار وسكون وسمت ، له أصحاب وأتباع يقتفون بآثاره . ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، وهو أكبر الإخوة . أجاز له زاهر بن أحمد السرخسي ، وسمع الكثير من أبيه ، وإبراهيم بن خرشيد قوله ، وإبراهيم بن محمد الجلاب ، وأبي بكر بن مردويه ، وأبي جعفر بن المرزبان الأبهري ، وأبي ذر ابن الطبراني ، وأبي عمر الطلحي . وسافر إلى بغداد سنة ست وأربعمائة ، فأدرك نفرا من أصحاب المحاملي ، وسمع بواسط من ابن خزفة الواسطي ، وبمكة من أبي الحسن بن جهضم وابن نظيف الفراء . وسمع بشيراز ، والدينور ، وهمذان . ودخل نيسابور ، وسمع من أبي بكر الحيري ، ولم يرو عنه لأشعريته كما فعل شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري ؛ فإنه قال : تركت الحيري لله . وقال أبو عبد الله الدقاق : ولد الشيخ السديد أبو القاسم عبد الرحمن في سنة إحدى وثمانين ، في السنة التي مات فيها أبو بكر ابن المقرئ . قال : وفضائله ومناقبه أكثر من أن تعد ، وأقول أنا : ومن أنا لنشر فضيلته ؟ سمع من أبيه . ثم سمى أشياخه ، إلى أن قال : وكان صاحب خلق وفتوة ، وسخاء وبهاء ، والإجازة كانت عنده قوية . وكان يقول : ما حدثت بحديث إلا على سبيل الإجازة ؛ كي لا أوبق فأدخل في كتاب أهل البدعة . وله تصانيف كثيرة ، وردود جمة على المبتدعين والمنحرفين في صفات الله وغيرها . وقال أبو سعد السمعاني : له إجازة من زاهر ، وعبد الرحمن بن أبي شريح ، وأبي عبد الله الحاكم ، وحمد بن عبد الله الأصبهاني ثم الرازي ، ومحمد بن عبد الله بن زكريا الجوزقي . روى لنا عنه أبو نصر الغازي ، وأبو سعد البغدادي ، وأبو عبد الله الخلال ، وأبو بكر الباغبان ، وأبو عبد الله الدقاق ، وجماعة كثيرة . قال ابن طاهر المقدسي : سمعت أبا علي الدقاق بأصبهان يقول : سمعت أبا القاسم بن منده يقول : قرأت على أبي أحمد الفرضي ببغداد جزءا فأردت أخذ خطه بذلك ، فقال : يا بني ، لو قال لك قائل بأصبهان : ليس هذا خط فلان ، بم كنت تجيبه ؟ ومن كان يشهد لك ؟ قال : فبعد ذلك لم أطلب من شيخ خطا . قال السمعاني : سمعت الحسين بن عبد الملك الخلال يقول : سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله الحافظ يقول : قد تعجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين ، والعارفين بي والمنكرين ، فإني وجدت بمكة وبخراسان وغيرهما من الآفاق التي قصدتها - من صباي وإلى هذا الوقت - أكثر من لقيته بها موافقا كان أو مخالفا دعاني إلى مساعدته على ما يقوله وتصديق قوله ، والشهادة له في فعله على قبول ورضى . فإن كنت صدقته فيما كان يقوله وأجزت له ذلك كما يفعل أهل هذا الزمان ، سماني موافقا . وإن وقفت في حرف من قوله وفي شيء من فعله ، سماني مخالفا . وإن ذكرت في واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك ، سماني خارجيا . وإن قرئ علي حديث في التوحيد ، سماني مشبها . وإن كان في الرؤية سماني سالميا . إلى أن قال : وأنا متمسك بالكتاب والسنة ، متبرئ إلى الله من الشبه والمثل ، والضد والند ، والجسم والأعضاء والآلات ، ومن كل ما ينسبه الناسبون إلي ويدعيه المدعون علي ، من أن أقول في الله شيئا من ذلك ، أو قلته ، أو أراه ، أو أتوهمه ، أو أتجرأه ، أو أنتحله ، أو أصفه به ، وإن كان على وجه الحكاية ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وقال أبو زكريا يحيى بن منده : كان عمي سيفا على أهل البدع ، وأكبر من أن يثني عليه مثلي ، كان والله آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، وفي الغدو والآصال ذاكرا ، ولنفسه في المصالح قاهرا ، فأعقب الله من ذكره بالشر الندامة إلى يوم القيامة ، وكان عظيم الحلم كثير العلم ، ولد سنة ثلاث وثمانين . قرأت عليه حكاية شعبة : من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد . فقال عمي : من كتب عني حديثا فأنا له عبد . وسمعت أبي أبا عمرو يقول : اتفق أن كنا ليلة مجتمعين للإفطار في رمضان ، وكان الحر شديدا ، وكنا نأكل ونشرب ، وكان عبد الرحمن يأكل ولا يشرب ، فقلت أنا على سبيل اللعب : من عادة أخي أن يأكل ليلة ولا يشرب ، ويشرب ليلة أخرى ولا يأكل . قال : فما شرب تلك الليلة . وفي الليلة الآتية كان يشرب ولا يأكل البتة ، فلما كانت الليلة الثالثة قال : أيها الأخ ، لا تلعب بعد هذا بمثله ، فإني ما اشتهيت أن أكذبك . قلت : وقال الدقاق في رسالته : أول شيخ سمعت منه الشيخ الإمام السيد السديد الأوحد أبو القاسم بن منده ، فرزقني الله جل جلاله ببركته وحسن نيته وجميل سيرته وعزيز طريقته ، فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان جذعا في أعين المخالفين أهل البدع والتبدع المتنطعين ، وكان ممن لا يخاف في الله لومة لائم ، ووصفه أكثر من أن يحصى . ذكر أبو بكر أحمد بن هبة الله بن أحمد اللوردجاني أنه سمع من لفظ أبي القاسم سعد الزنجاني بمكة يقول : حفظ الله الإسلام برجلين ، أحدهما بأصبهان والآخر بهراة : عبد الرحمن بن منده ، وعبد الله بن محمد الأنصاري . وقال السمعاني : سمعت الحسن بن محمد بن الرضا العلوي يقول : سمعت خالي أبا طالب بن طباطبا يقول : كنت أشتم أبدا عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده إذا سمعت ذكره أو جرى ذكره في محفل ، فسافرت إلى جرباذقان ، فرأيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المنام ويده في يد رجل عليه جبة زرقاء ، وفي عينه نكتة ، فسلمت عليه فلم يرد علي ، وقال : لم تشتم هذا إذا سمعت اسمه ؟ فقيل لي في المنام : هذا أمير المؤمنين عمر ، وهذا عبد الرحمن بن منده . فانتبهت ، ثم رجعت إلى أصبهان وقصدت الشيخ عبد الرحمن ، فلما دخلت عليه ورأيته صادفته على النعت الذي رأيته في المنام ، وعليه جبة زرقاء ، فلما سلمت عليه قال : وعليك السلام يا أبا طالب . وقبل ذلك ما رآني ولا رأيته ، فقال لي قبل أن أكلمه : شيء حرمه الله ورسوله ، يجوز لنا أن نحله ؟ فقلت له : اجعلني في حل . ونشدته الله ، وقبلت عينيه ، فقال : جعلتك في حل فيما يرجع إلي . قال السمعاني : سألت أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، فسكت ساعة وتوقف ، فراجعته فقال : سمع الكثير ، وخالف أباه في مسائل ، وأعرض عنه مشايخ الوقت ، وما تركني أبي أسمع منه . ثم قال : كان أخوه خيرا منه . وقال المؤيد ابن الإخوة : سمعت عبد اللطيف بن أبي سعد البغدادي قال : سمعت أبي قال : سمعت صاعد بن سيار الهروي يقول : سمعت الإمام عبد الله بن محمد الأنصاري يقول في عبد الرحمن بن منده : كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته . ذكر يحيى أن عمه توفي في سادس عشر شوال ، وغسله أحمد بن محمد البقال ، وصلى عليه أخوه عبد الوهاب ، وحضر جنازته من لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل . وأول ما قرئ عليه الحديث سنة سبع وأربعمائة ؛ سمع عليه علي بن عبد العزيز بن مقرن .
سير أعلام النبلاء▼
ابْنُ مَنْدَهْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ، الْمُحَدِّثُ ، الْمُفِيدُ ، الْكَبِيرُ ، الْمُصَنِّفُ أَبُو الْقَاسِمِ ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ الْعَبْدِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ
الجزء 18 · الصفحة 349
168 - ابْنُ مَنْدَهْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ، الْمُحَدِّثُ ، الْمُفِيدُ ، الْكَبِيرُ ، الْمُصَنِّفُ أَبُو الْقَاسِمِ ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ الْعَبْدِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَة وَهُوَ أَكْبَرُ إِخْوَتِهِ . لَهُ إِجَازَةُ زَاهِرٍ السَّرَخْسِيِّ ، وَتَفَرَّدَ بِهَا . وَحَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ ، فَأَكْثَرَ ، وَعَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ خُرَّشِيذَ قُولَه ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَلَّابِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مَرْدَوَيْهِ ، وَأَبِي ذَرِّ بْنِ الطَّبَرَانِيِّ وَأَبِي عُمَرَ الطَّلْحِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجُرْجَانِيِّ ، وَخَلْقٍ . وَارْتَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَة ، فَسَمِعَ أَبَا عُمَرَ بْنَ مَهْدِيٍّ ، وَأَبَا مُحَمَّدِ بْنَ الْبَيِّعِ ، وَابْنَ الصَّلْتِ الْأَهْوَازِيَّ ، وَالْمَوْجُودِينَ ، وَسَمِعَ بِوَاسِطَ مِنِ ابْنِ خَزَفَةَ ، وَبِمَكَّةَ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ جَهْضَمٍ ، وَابْنِ نَظِيفٍ الْفَرَّاءِ ، وَبِنَيْسَابُورَ مَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحِيْرِيِّ ، وَلَكِنْ مَا رَوَى عَنْهُ لَا هُوَ وَلَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ لِأَشْعَرِيَّتِهِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ : وُلِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ ، وَمَنَاقِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُعَدَّ . كَانَ صَاحِبَ خُلُقٍ وَفُتُوَّةٍ وَسَخَاءٍ وَبَهَاءٍ ، وَكَانَتِ الْإِجَازَةُ عِنْدَهُ قَوِيَّةً ، وَكَانَ يَقُولُ : مَا حَدَّثْتُ بِحَدِيثٍ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْإِجَازَةِ كَيْلَا أُوبَقَ . وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ وَرُدُودٌ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ . وَقَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ : لَهُ إِجَازَةُ زَاهِرِ بْنِ أَحْمَدَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي شُرَيْحٍ ، وَالْجَوْزَقِيِّ ، وَالْحَاكِمِ ، وَحَمْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ . رَوَى لَنَا عَنْهُ أَبُو نَصْرٍ الْغَازِي ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ الْبَغْدَادِيِّ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلَّالُ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاغْبَانُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ . قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ بِأَصْبَهَانَ : سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ مَنْدَهْ يَقُولُ : قَرَأْتُ عَلَى أَبِي أَحْمَدَ الْفَرَضِيِّ بِبَغْدَادَ جُزْءًا ، فَأَرَدْتُ خَطَّهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ! لَوْ قِيلَ لَكَ بِأَصْبَهَانَ : لَيْسَ ذَا خَطَّ فُلَانٍ . بِمَ كُنْتَ تُجِيبُهُ ؟ وَمَنْ كَانَ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَبَعْدَهَا لَمْ أَطْلُبْ مِنْ شَيْخٍ خَطًّا . السَّمْعَانِيُّ : سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلَّالَ ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَنْدَهْ يَقُولُ : قَدْ عَجِبْتُ مِنْ حَالِي ، فَإِنِّي وَجَدْتُ أَكْثَرَ مَنْ لَقِيتُهُ إِنْ صَدَّقْتُهُ فِيمَا يَقُولُهُ مُدَارَاةً لَهُ سَمَّانِي مُوَافِقًا ، وَإِنْ وَقَفْتُ فِي حَرْفٍ مِنْ قَوْلِهِ أوْ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِ سَمَّانِي مُخَالِفًا ، وَإِنْ ذَكَرْتُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ سَمَّانِي خَارِجِيًّا ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيَّ حَدِيثٌ فِي التَّوْحِيدِ سَمَّانِي مُشَبِّهًا ، وَإِنْ كَانَ فِي الرُّؤْيَةِ سَمَّانِي سَالِمِيًّا . . . إِلَى أَنْ قَالَ : وَأَنَا مُتَمَسِّكٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، مُتَبَرِّئٌ إِلَى اللَّهِ مِنَ الشِّبْهِ وَالْمِثْلِ وَالنِّدِّ وَالضِّدِّ وَالْأَعْضَاءِ وَالْجِسْمِ وَالْآلَاتِ ، وَمَنْ كُلِّ مَا يَنْسُبُهُ النَّاسِبُونَ إِلَيَّ ، وَيَدَّعِيهِ الْمُدَّعُونَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ فِي اللَّهِ - تَعَالَى - شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ قُلْتُهُ ، أَوْ أَرَاهُ ، أَوْ أَتَوَهَّمُهُ ، أَوْ أَصِفُهُ بِهِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَنْدَهْ : كَانَ عَمِّي سَيْفًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ مِثْلِي ، كَانَ - وَاللَّهِ - آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ ، نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ ، كَثِيرَ الذَّكْرِ ، قَاهِرًا لِنَفْسِهِ ، عَظِيمَ الْحِلْمِ ، كَثِيرَ الْعِلْمِ ، قَرَأْتُ عَلَيْهِ قَوْلَ شُعْبَةَ : مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ حَدِيثًا فَأَنَا لَهُ عَبْدٌ . فَقَالَ عَمِّي : مَنْ كَتَبَ عَنِّي حَدِيثًا فَأَنَا لَهُ عَبْدٌ . وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : أَفْطَرْنَا فِي رَمَضَانَ لَيْلَةً شَدِيدَةَ الْحَرِّ ، فَكُنَّا نَأْكُلُ وَنَشْرَبُ ، وَكَانَ أَخِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ ، فَخَرَجْتُ وَقُلْتُ : إِنَّ مِنْ عَادَةِ أَخِي أَنَّهُ يَأْكُلُ لَيْلَةً وَلَا يَشْرَبُ ، وَيَشْرَبُ لَيْلَةً أُخْرَى وَلَا يَأْكُلُ . قَالَ : فَمَا شَرِبَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَفِي اللَّيْلَةِ الْآتِيَةِ كَانَ يَشْرَبُ وَلَا يَأْكُلُ أَلْبَتَّةَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ : يَا أَخِي ، لَا تَلْعَبْ بَعْدَ هَذَا ، فَإِنِّي مَا اشْتَهَيْتُ أَنْ أُكَذِّبَكَ . قَالَ الدَّقَّاقُ فِي " رِسَالَتِهِ " : أَوَّلُ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّيِّدُ السَّدِيدُ الْأَوْحَدُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَرَزَقَنِي اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ وَحُسْنَ نِيَّتِهِ ، وَجَمِيلَ سِيرَتِهِ فَهْمَ الْحَدِيثِ . وَكَانَ جِذْعًا فِي أَعْيُنِ الْمُخَالِفِينَ ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، وَوَصْفُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعْدٍ الزَّنْجَانِيِّ بِمَكَّةَ يَقُولُ : حَفِظَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ بِرَجُلَيْنِ : أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَنْدَهْ . وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الرِّضَا الْعَلَوِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ خَالِيَ أَبَا طَالِبِ بْنَ طَبَاطَبَا يَقُولُ : كُنْتُ أَشْتُمُ أَبَدًا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَنْدَهْ ، فَسَافَرْتُ إِلَى جَرْبَاذْقَانَ فَرَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ فِي النَّوْمِ ، وَيَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ زَرْقَاءُ ، وَفِي عَيْنِهِ نُكْتَةٌ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدْ عَلَيَّ ، وَقَالَ : تَشْتُمُ هَذَا ؟ فَقِيلَ لِي فِي الْمَنَامِ : هَذَا عُمَرُ ، وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَنْدَهْ . فَانْتَبَهْتُ ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَصْبَهَانَ ، وَقَصَدْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ ، صَادَفْتُهُ كَمَا رَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَبَا طَالِبٍ . وَقَبْلَهَا مَا رَآنِي ، وَلَا رَأَيْتُهُ ، فَقَالَ لِي قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُ : شَيْءٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُحِلَّهُ ؟ فَقُلْتُ : اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ . وَنَاشَدْتُهُ اللَّهَ ، وَقَبَّلْتُ عَيْنَيْهِ ، فَقَالَ : جَعَلْتُكُ فِي حِلٍّ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَيَّ . قَالَ السَّمْعَانِيُّ : سَأَلْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَافِظَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَسَكَتَ ، وَتَوَقَّفَ ، فَرَاجَعْتُهُ ، فَقَالَ : سَمِعَ الْكَثِيرَ ، وَخَالَفَ أَبَاهُ فِي مَسَائِلَ ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَشَايِخُ الْوَقْتِ ، مَا تَرَكَنِي أَبِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْهُ . كَانَ أَخُوهُ خَيْرًا مِنْهُ . قَالَ الْمُؤَيَّدُ بْنُ الْإِخْوَةِ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّطِيفِ بْنَ أَبِي سَعْدٍ الْبَغْدَادِيَّ ، سَمِعْتُ أَبِي ، سَمِعْتُ صَاعِدَ بْنَ سَيَّارٍ ، سَمِعْتُ الْإِمَامَ أَبَا إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَنْدَهْ : كَانَتْ مَضَرَّتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَنْفَعَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ . قُلْتُ : أَطْلَقَ عِبَارَاتٍ بَدَّعَهُ بَعْضُهُمْ بِهَا ، اللَّهُ يُسَامِحُهُ . وَكَانَ زَعِرًا عَلَى مَنْ خَالَفَهُ ، فِيهِ خَارِجِيَّةٌ ، وَلَهُ مَحَاسِنُ ، وَهُوَ فِي تَوَالِيفِهِ حَاطِبُ لَيْلٍ ; يَرْوِي الْغَثَّ وَالسَّمِينَ ، وَيَنْظِمُ رَدِيءَ الْخَرَزِ مَعَ الدُّرِّ الثَّمِينِ . قَالَ يَحْيَى : مَاتَ عَمِّي فِي سَادِسَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَة ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَشَيَّعَهُ عَالَمٌ لَا يُحْصَوْنَ . وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ أَبُو سَعْدِ بْنُ الْبَغْدَادِيِّ الْحَافِظُ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاغْبَانُ ، وَبِالْإِجَازَةِ مَسْعُودٌ الثَّقَفِيُّ ، وَأَوَّلُ مَا حَدَّثَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِمِائَة فِي حَيَاةِ كِبَارِ مَشَايِخِهِ . أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُظَفَّرٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا مَسْعُودُ بْنُ الْحَسَنِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ إِذْنًا ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْأَهْوَازِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ ، فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ . أَخُوهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ سَيَأْتِي . وأخوه :
علل الإسناد
جرح وتعديل(8 عالم)
وقال المؤيد ابن الإخوة : سمعت عبد اللطيف بن أبي سعد البغدادي قال : سمعت أبي قال : سمعت صاعد بن سيار الهروي يقول : سمعت الإمام عبد الله بن محمد الأنصاري يقول في عبد الرحمن بن منده : كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته
قال المؤيد بن الإخوة : سمعت عبد اللطيف بن أبي سعد البغدادي ، سمعت أبي ، سمعت صاعد بن سيار ، سمعت الإمام أبا إسماعيل الأنصاري يقول في عبد الرحمن بن منده : كانت مضرته أكثر من منفعته في الإسلام .
وقال أبو سعد السمعاني : له إجازة زاهر بن أحمد ، وعبد الرحمن بن أبي شريح ، والجوزقي ، والحاكم ، وحمد بن عبد الله الأصبهاني . روى لنا عنه أبو نصر الغازي ، وأبو سعد بن البغدادي ، والحسين بن عبد الملك الخلال ، وأبو بكر الباغبان وأبو عبد الله الدقاق .
قال السمعاني : سألت إسماعيل بن محمد الحافظ ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، فسكت ، وتوقف ، فراجعته ، فقال : سمع الكثير ، وخالف أباه في مسائل ، وأعرض عنه مشايخ الوقت ، ما تركني أبي أن أسمع منه . كان أخوه خيرا منه .
قال السمعاني : سألت أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، فسكت ساعة وتوقف ، فراجعته فقال : سمع الكثير ، وخالف أباه في مسائل ، وأعرض عنه مشايخ الوقت ، وما تركني أبي أسمع منه . ثم قال : كان أخوه خيرا منه
قلت : أطلق عبارات بدعه بعضهم بها ، الله يسامحه . وكان زعرا على من خالفه ، فيه خارجية ، وله محاسن ، وهو في تواليفه حاطب ليل ; يروي الغث والسمين ، وينظم رديء الخرز مع الدر الثمين .
الشيخ الإمام ، المحدث ، المفيد ، الكبير ، المصنف أبو القاسم
كان كبير الشأن جليل المقدار ، حسن الخط واسع الرواية ، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر ، ذا وقار وسكون وسمت ، له أصحاب وأتباع يقتفون بآثاره
وذكر أبو بكر أحمد بن هبة الله بن أحمد ، أنه سمع من سعد الزنجاني بمكة يقول : حفظ الله الإسلام برجلين : أبي إسماعيل الأنصاري وعبد الرحمن بن منده .
ذكر أبو بكر أحمد بن هبة الله بن أحمد اللوردجاني أنه سمع من لفظ أبي القاسم سعد الزنجاني بمكة يقول : حفظ الله الإسلام برجلين ، أحدهما بأصبهان والآخر بهراة : عبد الرحمن بن منده ، وعبد الله بن محمد الأنصاري
وقال يحيى بن منده : كان عمي سيفا على أهل البدع ، وهو أكبر من أن يثني عليه مثلي ، كان - والله - آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، كثير الذكر ، قاهرا لنفسه ، عظيم الحلم ، كثير العلم ، قرأت عليه قول شعبة : من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد . فقال عمي : من كتب عني حديثا فأنا له عبد . وسمعت أبي يقول : أفطرنا في رمضان ليلة شديدة الحر ، فكنا نأكل ونشرب ، وكان أخي عبد الرحمن يأكل ولا يشرب ، فخرجت وقلت : إن من عادة أخي أنه يأكل ليلة ولا يشرب ، ويشرب ليلة أخرى ولا يأكل . قال : فما شرب تلك الليلة ، وفي الليلة الآتية كان يشرب ولا يأكل ألبتة ، فلما كان في الليلة الثالثة قال : يا أخي ، لا تلعب بعد هذا ، فإني ما اشتهيت أن أكذبك .
قال أبو عبد الله الدقاق : ولد عبد الرحمن في السنة التي مات فيها أبو بكر بن المقرئ ، ومناقبه أكثر من أن تعد . كان صاحب خلق وفتوة وسخاء وبهاء ، وكانت الإجازة عنده قوية ، وكان يقول : ما حدثت بحديث إلا على سبيل الإجازة كيلا أوبق . وله تصانيف كثيرة وردود على المبتدعة .
قال الدقاق في " رسالته " : أول من سمعت منه الشيخ الإمام السيد السديد الأوحد أبو القاسم عبد الرحمن ، فرزقني الله ببركته وحسن نيته ، وجميل سيرته فهم الحديث . وكان جذعا في أعين المخالفين ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، ووصفه أكثر من أن يحصى .
وقال الدقاق في رسالته : أول شيخ سمعت منه الشيخ الإمام السيد السديد الأوحد أبو القاسم بن منده ، فرزقني الله جل جلاله ببركته وحسن نيته وجميل سيرته وعزيز طريقته ، فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان جذعا في أعين المخالفين أهل البدع والتبدع المتنطعين ، وكان ممن لا يخاف في الله لومة لائم ، ووصفه أكثر من أن يحصى
وقال أبو عبد الله الدقاق : ولد الشيخ السديد أبو القاسم عبد الرحمن في سنة إحدى وثمانين ، في السنة التي مات فيها أبو بكر ابن المقرئ . قال : وفضائله ومناقبه أكثر من أن تعد ، وأقول أنا : ومن أنا لنشر فضيلته ؟ سمع من أبيه . ثم سمى أشياخه ، إلى أن قال : وكان صاحب خلق وفتوة ، وسخاء وبهاء ، والإجازة كانت عنده قوية . وكان يقول : ما حدثت بحديث إلا على سبيل الإجازة ؛ كي لا أوبق فأدخل في كتاب أهل البدعة . وله تصانيف كثيرة ، وردود جمة على المبتدعين والمنحرفين في صفات الله وغيرها
وقال يحيى بن منده : كان عمي سيفا على أهل البدع ، وهو أكبر من أن يثني عليه مثلي ، كان - والله - آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، كثير الذكر ، قاهرا لنفسه ، عظيم الحلم ، كثير العلم ، قرأت عليه قول شعبة : من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد . فقال عمي : من كتب عني حديثا فأنا له عبد . وسمعت أبي يقول : أفطرنا في رمضان ليلة شديدة الحر ، فكنا نأكل ونشرب ، وكان أخي عبد الرحمن يأكل ولا يشرب ، فخرجت وقلت : إن من عادة أخي أنه يأكل ليلة ولا يشرب ، ويشرب ليلة أخرى ولا يأكل . قال : فما شرب تلك الليلة ، وفي الليلة الآتية كان يشرب ولا يأكل ألبتة ، فلما كان في الليلة الثالثة قال : يا أخي ، لا تلعب بعد هذا ، فإني ما اشتهيت أن أكذبك .
وقال أبو زكريا يحيى بن منده : كان عمي سيفا على أهل البدع ، وأكبر من أن يثني عليه مثلي ، كان والله آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، وفي الغدو والآصال ذاكرا ، ولنفسه في المصالح قاهرا ، فأعقب الله من ذكره بالشر الندامة إلى يوم القيامة ، وكان عظيم الحلم كثير العلم ، ولد سنة ثلاث وثمانين . قرأت عليه حكاية شعبة : من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد . فقال عمي : من كتب عني حديثا فأنا له عبد
