اختر راويين للمقارنة
جرح وتعديل (18 عالم)
قلت : الغزالي إمام كبير ، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ
قلت : قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب " التهافت " ، وكشف عوارهم ، ووافقهم في مواضع ظنا منه أن ذلك حق ، أو موافق للملة ، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل ، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب " رسائل إخوان الصفا " وهو داء عضال ، وجرب مرد ، وسم قتال ، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء ، وخيار المخلصين ، لتلف .
ومما أخذ عليه قال : إن للقدر سرا نهينا عن إفشائه ، فأي سر للقدر ؟ فإن كان مدركا بالنظر ، وصل إليه ولا بد ، وإن كان مدركا بالخبر ، فما ثبت فيه شيء ، وإن كان يدرك بالحال والعرفان ، فهذه دعوى محضة ، فلعله عنى بإفشائه أن نعمق في القدر ، ونبحث فيه .
للغزالي غلط كثير ، وتناقض في تواليفه العقلية ، ودخول في الفلسفة ، وشكوك ، ومن تأمل كتبه العقلية رأى العجائب ، وكان مزجى البضاعة من الآثار ، على سعة علومه ، وجلالة قدره ، وعظمته ، وقد روى عنه أبو بكر ابن العربي الإمام "صحيح البخاري" ، بروايته عن الحفصي ، فيما حكى ابن الحداد الفاسي ، ولم يكن هذا بثقة ، فالله أعلم
الشيخ الإمام البحر ، حجة الإسلام ، أعجوبة الزمان زين الدين
صاحب التصانيف ، والذكاء المفرط
ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كتاب " كيمياء السعادة والعلوم " وشرح بعض الصور والمسائل بحيث لا توافق مراسم الشرع وظواهر ما عليه قواعد الملة ، وكان الأولى به - والحق أحق ما يقال - ترك ذلك التصنيف ، والإعراض عن الشرح له
قلت : أما " الإحياء " ففيه من الأحاديث الباطلة جملة وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية
وقال أبو عمرو بن الصلاح : فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على الغزالي في مصنفاته ، ولم يرتضها أهل مذهبه وغيرهم من الشذوذ في تصرفاته ، منها قوله في المنطق : هو مقدمة العلوم كلها ، ومن لا يحيط به ، فلا ثقة له بمعلومه أصلا ، وهذا مردود ، فكل صحيح الذهن منطقي بالطبع ، وكيف غفل الشيخ أبو حامد حال مشايخه ومشايخهم من الأئمة ، وما رفعوا بالمنطق رأسا . قال ابن الصلاح : وأما كتاب "المضنون به على غير أهله" ، فمعاذ الله أن يكون له ، شاهدت على نسخة به بخط القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن الشهرزوري أنه موضوع على الغزالي ، وأنه مخترع من كتاب "مقاصد الفلاسفة" ، وقد نقضه بكتاب "التهافت
وقال أبو عمرو بن الصلاح : فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على أبي حامد : ففي تواليفه أشياء لم يرتضها أهل مذهبه من الشذوذ ، منها قوله في المنطق : هو مقدمة العلوم كلها ، ومن لا يحيط به ، فلا ثقة له بمعلوم أصلا . قال : فهذا مردود ، إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع ، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأسا
قال أبو بكر بن العربي : شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة ، وأراد أن يتقيأهم ، فما استطاع
قال أبو بكر ابن العربي في " شرح الأسماء الحسنى " : قال شيخنا أبو حامد قولا عظيما انتقده عليه العلماء ، فقال : وليس في قدرة الله أبدع من هذا العالم في الإتقان والحكمة ، ولو كان في القدرة أبدع أو أحكم منه ولم يفعله ، لكان ذلك منه قضاء للجود ، وذلك محال . ثم قال : والجواب أنه باعد في اعتقاد عموم القدرة ونفي النهاية عن تقدير المقدورات المتعلقة بها ، ولكن في تفاصيل هذا العالم المخلوق ، لا في سواه ، وهذا رأي فلسفي قصدت به الفلاسفة قلب الحقائق ، ونسبت الإتقان إلى الحياة مثلا ، والوجود إلى السمع والبصر ، حتى لا يبقى في القلوب سبيل إلى الصواب ، وأجمعت الأمة على خلاف هذا الاعتقاد ، وقالت عن بكرة أبيها : إن المقدورات لا نهاية لها لكل مقدر الوجود ، لا لكل حاصل الوجود ، إذ القدرة صالحة ، ثم قال : وهذه وهلة لا لعا لها ومزلة لا تماسك فيها ، ونحن وإن كنا نقطة من بحره ، فإنا لا نرد عليه إلا بقوله . قلت : كذا فليكن الرد بأدب وسكينة .
قال فيه ، أظنه تلميذه ابن العربي : بلغ شيخنا أبو حامد الفلاسفة ، وأراد أن يتقيأهم فما استطاع ، رأيت غير واحد من الأئمة يقولون ، إنه رد على الفلاسفة في مواضع ، ووافقهم عليها في بعض تواليفه ، ووقع في شكوك ، نسأل الله السلامة واليقين ، ولكنه متأله حسن القصد
قرأ قطعة من الفقه بطوس على أحمد الراذكاني ، ثم قدم نيسابور في طائفة من طلبة الفقه ، فجد واجتهد ، ولزم إمام الحرمين أبا المعالي حتى تخرج عن مدة قريبة ، وصار أنظر أهل زمانه ، وواحد أقرانه ، وأعاد للطلبة ، وأخذ في التصنيف والتعليق . وكان الإمام أبو المعالي مع علو درجته وفرط ذكائه ، لا يطيب له تصديه للتصانيف ، وإن كان في الظاهر متبجحا به . ثم إن أبا حامد خرج إلى المعسكر ، فأقبل عليه نظام الملك ، وناظر الأقران بحضرته ، فظهر اسمه ، وشاع أمره ، فولاه النظام تدريس مدرسته ببغداد ، ورسم له بالمصير إليها ، فقدمها ، وأعجب الكل مناظرته ، وما لقي الرجل مثل نفسه ، ثم أقبل على علم الأصول ، وصنف فيها وفي المذهب والخلاف ، وعظمت حشمته ببغداد ، حتى كانت تغلب حشمة الأمراء والأكابر ، فانقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة ، وممارسة التصانيف طريق التزهد والتأله فترك الحشمة ، وطرح الرتبة ، وتزود للمعاد ، وقصد بيت الله ، وحج ، ورجع على طريق الشام ، وزار القدس ، وأقام بدمشق مدة سنين ، وصنف بها " إحياء علوم الدين " وكتاب " الأربعين " ، و " القسطاس " ، و " محك النظر " ، وغير ذلك . وأخذ في مجاهدة النفس ، وتغيير الأخلاق ، وتهذيب الباطن ، وانقلب شيطان الرعونة ، وطلب الرياسة والتخلق بالأخلاق الذميمة ، إلى سكون النفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم ، وتزيا بزي الصالحين . ثم عاد إلى وطنه ، لازما بيته ، مشتغلا بالتفكير ، ملازما للوقت ، فبقي على ذلك مدة ، وظهرت له التصانيف ، ولم يبد في أيامه مناقضة لما كان فيه ، ولا اعتراض لأحد على مآثره ، حتى انتهت نوبة الوزارة إلى فخر الملك ، وقد سمع وتحقق بمكان أبي حامد وكمال فضله ، فحضره وسمع كلامه ، فطلب منه أن لا تبقى أنفاسه وفوائده عقيمة ، لا استفادة منها ولا اقتباس من أنوارها ، وألح عليه كل الإلحاح ، وتشدد في الاقتراح إلى أن أجاب إلى الخروج ، وقدم نيسابور ، وكان الليث غائبا عن عرينه ، والأمر خافيا في مستور قضاء الله ومكنونه ، ورسم له بأن يدرس بها - بالمدرسة النظامية - فلم يجد بدا من ذلك . قال هذا كله وأكثر منه عبد الغافر بن إسماعيل في " تاريخه " ، ثم قال : ولقد زرته مرارا ، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته في سالف الزمان عليه من الزعارة ، وإيحاش الناس ، والنظر إليهم بعين الازدراء ، والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء واغترارا بما رزق من البسطة في النطق ، والخاطر ، والعبارة ، وطلب الجاه ، والعلو في المنزلة أنه صار على الضد ، وتصفى من تلك الكدورات ، وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف ، متنمس بما صار إليه ، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون ، وأن الرجل أفاق بعد الجنون ، وحكى لنا في ليال كيفية أحواله ، من ابتداء ما ظهر له طريق التأله ، وغلبة الحال عليه ، بعد تبحره في العلوم ، واستطالته على الكل بكلامه ، والاستعداد الذي خصه الله به في تحصيل أنواع العلوم ، وتمكنه من البحث والنظر ، حتى تبرم بالاشتغال بالعلوم العرية عن المعاملة ، وتفكر في العاقبة ، وما ينفع في الآخرة ، فابتدأ بصحبة أبي علي الفارمذي ، فأخذ منه استفتاح الطريقة ، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات ، والإمعان في النوافل ، واستدامة الأذكار والاجتهاد والجد ، طلبا للنجاة ، إلى أن جاز تلك العقاب ، وتكلف تلك المشاق ، وما حصل على ما كان يرومه . ثم حكى أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الجد في العلوم الدقيقة ، والتقى بأربابها ، حتى تفتحت له أبوابها ، وبقي مدة في الوقائع ، وتكافؤ الأدلة ، وأطراف المسائل . ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف ، بحيث شغله عن كل شيء ، وحمله على الإعراض عما سواه ، حتى سهل ذلك عليه ، وهكذا إلى أن ارتاض كل الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنا نظن به ناموسا وتخلقا ، طبعا وتحققا ، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من الله تعالى . ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور ، فقال معتذرا : ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ، ومنفعة الطالبين ، وقد خف علي أن أبوح بالحق ، وأنطق به ، وأدعو إليه ، وكان صادقا في ذلك ، فلما خف أمر الوزير ، وعلم أن وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشة وخيال طلب جاه وحشمة ، ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم ، وخانقاها للصوفية ، ووزع أوقاته على وظائف الحاضرين ، من ختم القرآن ، ومجالسته أصحاب القلوب ، والقعود للتدريس لطالبه ، إلى أن توفاه الله بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمناوأة من الخصوم ، والسعي به إلى الملوك ، وكفاية الله إياه ، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النكبات ، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزلات . وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، ومجالسة أهله ، ومطالعة "الصحيحين" ، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام ، ولم يتفق له أن يروي ، ولم يعقب إلا البنات . وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ما يقوم بكفايته ، وقد عرضت عليه أموال فما قبلها . ومما كان يعترض به عليه ، وقوع خلل من جهة النحو يقع في أثناء كلامه ، وروجع فيه ، فأنصف من نفسه ، واعترف بأنه ما مارسه ، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه ، مع أنه كان يؤلف الخطب ، ويشرح الكتب بالعبارة التي تعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها . ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كتاب "كيمياء السعادة والعلوم" ، وشرح بعض الصور والمسائل ، بحيث لا يوافق مراسم الشرع ، وظواهر ما عليه قواعد الإسلام ، وكان الأولى به ، والحق أحق ما يقال ، ترك ذلك التصنيف ، والإعراض عن الشرح له ، فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج ، فإذا سمعوا أشياء من ذلك تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم ، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه ، علم أن أكثر ما ذكره مما رمز إليه إشارات الشرع ، وإن لم يبح به ، ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطريقة مرموزة ، ومصرحا بها ، متفرقة ، وليس لفظ منه إلا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهوم ، فإنه يشعر سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة ، فلا يجب إذا حمله إلا على ما يوافق ، ولا ينبغي أن يتعلق به في الرد عليه متعلق ، إذا أمكنه أن يبين له وجها ، وكان الأولى به أن يترك الإفصاح بذلك كما تقدم
وقال ابن النجار في تاريخه : الغزالي إمام الفقهاء على الإطلاق ، ورباني الأمة بالاتفاق ، ومجتهد زمانه ، وعين أوانه ، برع في المذهب ، والأصول ، والخلاف ، والجدل ، والمنطق ، وقرأ الحكمة ، والفلسفة ، وفهم كلامهم ، وتصدى للرد عليهم ، وكان شديد الذكاء ، قوي الإدراك ذا فطنة ثاقبة ، وغوص على المعاني ، حتى قيل : إنه ألف كتابه "المنخول" ، فلما رآه أبو المعالي قال : دفنتني وأنا حي ، فهلا صبرت حتى أموت ، لأن كتابك غطى على كتابي
قال ابن النجار : أبو حامد إمام الفقهاء على الإطلاق ، ورباني الأمة بالاتفاق ، ومجتهد زمانه ، وعين أوانه ، برع في المذهب والأصول والخلاف والجدل والمنطق ، وقرأ الحكمة والفلسفة ، وفهم كلامهم ، وتصدى للرد عليهم ، وكان شديد الذكاء ، قوي الإدراك ، ذا فطنة ثاقبة ، وغوص على المعاني ، حتى قيل : إنه ألف " المنخول " ، فرآه أبو المعالي ، فقال : دفنتني وأنا حي ، فهلا صبرت الآن ، كتابك غطى على كتابي
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمته : ثم حج ، ودخل الشام ، وأقام بها نحوا من عشر سنين ، وصنف ، وأخذ نفسه بالمجاهدة ، وكان مقامه بدمشق في المنارة الغربية من الجامع . وقد سمع "صحيح البخاري" من أبي سهل محمد بن عبيد الله الحفصي ، وقدم دمشق في سنة تسع وثمانين .
قال ابن النجار : بلغني أن أبا المعالي الجويني كان يصف تلامذته يقول : الغزالي بحر مغرق ، وإلكيا أسد مخرق ، والخوافي نار تحرق
قال ابن النجار : أبو حامد إمام الفقهاء على الإطلاق ، ورباني الأمة بالاتفاق ، ومجتهد زمانه ، وعين أوانه ، برع في المذهب والأصول والخلاف والجدل والمنطق ، وقرأ الحكمة والفلسفة ، وفهم كلامهم ، وتصدى للرد عليهم ، وكان شديد الذكاء ، قوي الإدراك ، ذا فطنة ثاقبة ، وغوص على المعاني ، حتى قيل : إنه ألف " المنخول " ، فرآه أبو المعالي ، فقال : دفنتني وأنا حي ، فهلا صبرت الآن ، كتابك غطى على كتابي
قال ابن النجار : بلغني أن إمام الحرمين قال : الغزالي بحر مغرق ، وإلكيا أسد مطرق والخوافي نار تحرق .
ومن معجم أبي علي الصدفي ، تأليف القاضي عياض له ، قال : والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة ، والتصانيف العظيمة ، غلا في طريقة التصوف ، وتجرد لنصر مذهبهم ، وصار داعية في ذلك ، وألف فيه تواليفه المشهورة ، أخذ عليه فيها مواضع ، وساءت به ظنون أمة ، والله أعلم بسره ، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها ، فامتثل ذلك
ولأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب " رياض الأفهام " في مناقب أهل البيت قال : ذكر أبو حامد في كتابه " سر العالمين وكشف ما في الدارين " فقال في حديث : من كنت مولاه ، فعلي مولاه أن عمر قال لعلي : بخ بخ ، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة . قال أبو حامد : وهذا تسليم ورضى ، ثم بعد هذا غلب عليه الهوى حبا للرياسة ، وعقد البنود ، وأمر الخلافة ونهيها ، فحملهم على الخلاف ، فنبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، فبئس ما يشترون ، وسرد كثيرا من هذا الكلام الفسل الذي تزعمه الإمامية ، وما أدري ما عذره في هذا ؟ والظاهر أنه رجع عنه ، وتبع الحق ، فإن الرجل من بحور العلم ، والله أعلم .
المازري أثنى على أبي حامد في الفقه ، وقال : هو بالفقه أعرف منه بأصوله ، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين ، فإنه صنف فيه ، وليس بالمتبحر فيها ، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها ، وذل
وقد رأيت كتاب " الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء " للمازري ، أوله : الحمد لله الذي أنار الحق وأداله ، وأبار الباطل وأزاله ، ثم أورد المازري أشياء مما نقده على أبي حامد ، يقول : ولقد أعجب من قوم مالكية يرون مالكا الإمام يهرب من التحديد ، ويجانب أن يرسم رسما ، وإن كان فيه أثر ما ، أو قياس ما ، تورعا وتحفظا من الفتوى فيما يحمل الناس عليه ، ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له ، وفيه كثير من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم لفق فيه الثابت بغير الثابت ، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله ، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه ، لكن مزج فيه النافع بالضار ، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها ، وإن أخذت معانيها على ظواهرها ، كانت كالرموز إلى قدح الملحدين ، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل ، كقوله : إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن و : إن السماوات على إصبع وكقوله : لأحرقت سبحات وجهه وكقوله : يضحك الله إلى غير ذلك من الأحاديث الوارد ظاهرها بما أحاله العقل . إلى أن قال : فإذا كانت العصمة غير مقطوع بها في حق الولي ، فلا وجه لإضافة ما لا يجوز إطلاقه إليه ، إلا أن يثبت ، وتدعو ضرورة إلى نقله ، فيتأول . إلى أن قال : ألا ترى لو أن مصنفا أخذ يحكي عن بعض الحشوية مذهبه في قدم الصوت والحرف ، وقدم الورق ، لما حسن به أن يقول : قال بعض المحققين : إن القارئ إذا قرأ كتاب الله ، عاد القارئ في نفسه قديما بعد أن كان محدثا ، أو قال بعض الحذاق : إن الله محل للحوادث ، إذا أخذ في حكاية مذهب الكرامية
وللإمام أبي عبد الله محمد بن علي المازري الصقلي كلام على "الإحياء" يدل على تبحره وتحقيقه ، يقول فيه : وبعد فقد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم "بإحياء علوم الدين" ، وذكرتم أن آراء الناس فيه قد اختلفت ، فطائفة انتصرت وتعصبت لإشهاره ، وطائفة منه حذرت وعنه نفرت ، وطائفة لعنته أظهرت ، وكتبه حرقت ، ولم تنفردوا أهل المغرب باستعلام ما عندي ، بل كاتبني أهل المشرق بمثل ذلك ، فوجب عندي إبانة الحق ، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه ، فإن نفس الله في العمر ، مددت في هذا الكتاب الأنفاس ، وأزلت عن القلوب الالتباس ، واعلموا أن هذا الرجل ، وإن لم أكن قرأت كتابه ، فقد رأيت تلامذته وأصحابه ، فكل منهم يحكي لي نوعا من حاله وطريقته ، أستلوح منها من مذاهبه وسيرته ، ما قام لي مقام العيان ، فأنا أقتصر في هذا الإملاء على ذكر حال الرجل ، وحال كتابه ، وذكر جمل من مذاهب الموحدين ، والفلاسفة ، والمتصوفة وأصحاب الإشارات ، فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق الثلاث ، لا تعدوها ، ثم أتبع ذلك بذكر حيل أهل مذهب على أهل مذهب آخر ، ثم أبين عن طرق الغرور ، وأكشف عما دفن من خيال الباطل ، ليحذر من الوقوع في حبال صائده . ثم أثنى المازري على أبي حامد في الفقه ، وقال : هو بالفقه أعرف منه بأصوله ، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين ، فإنه صنف فيه أيضا ، وليس بالمستبحر فيها ، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره فيها ، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول ، فكسبته قراءة الفلسفة جرأة على المعاني ، وتسهلا للهجوم على الحقائق ، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها ، وليس لها حكم شرع يزعها ، ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها ، وعرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا ، وهي إحدى وخمسون رسالة ، ومصنفها فيلسوف قد خاض في علم الشرع والنقل ، فمزج ما بين العلمين ، وذكر الفلسفة ، وحسنها في قلوب أهل الشرع بآيات يتلوها عندها ، وأحاديث يذكرها . ثم كان في هذا الزمان المتأخر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا ، ملأ الدنيا تواليف في علوم الفلسفة ، وهو فيها إمام كبير ، وقد أداه قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة ، وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره ، وقد رأيت جملا من دواوينه ، ووجدت هذا الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة . إلى أن قال : وأما مذاهب الصوفية ، فلست أدري على من عول فيها ، لكني رأيت فيما علق عنه بعض أصحابه ، أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها ، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي ، وعندي أنه عليه عول في مذاهب الصوفية ، وقد أعلمت أن أبا حيان ألف ديوانا عظيما في هذا الفن ، ولم ينقل إلينا شيء منه . ثم ذكر المازري توهنة أكثر ما في "الإحياء" من الأحاديث ، وقال : عادة المتورعين أن لا يقولوا : قال مالك ، قال الشافعي ، فيما لم يثبت عندهم ، وفي كتابه مذاهب وآراء في العمليات هي خارجة عن مذاهب الأئمة ، واستحسانات عليها طلاوة ، لا تستأهل أن يفتى بها ، وإذا تأملت الكتاب وجدت فيه من الأحاديث والفتوى ما قلته ، فيستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له ، مثل قص الأظفار أن تبدأ بالسبابة ، لأن لها الفضل على بقية الأصابع ، لأنها المسبحة ، ثم تقص ما يليها من الوسطى ، لأنها ناحية اليمين ، وتختم بإبهام اليمنى ، وذكر في ذلك أثرا . وقال : من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن البارئ قديم ، مات مسلما إجماعا ، ومن تساهل في حكاية الإجماع في مثل هذا الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع يعكس ما قال ، فحقيق أن لا يوثق بما نقل . وقد رأيت له في الجزء الأول أنه ذكر أن في علومه هذه ما لا يسوغ أن تودع في كتاب ، فليت شعري ، أحق هو أو باطل ؟ فإن كان باطلا فصدق ، وإن كان حقا ، وهو مراده بلا شك ، فلم لا يودع في الكتب ، ألغموضه ودقته ؟ فإن كان هو فهمه ، فما المانع من أن يفهمه غيره ؟!
قال الطرطوشي محمد بن الوليد في رسالة له إلى ابن مظفر : فأما ما ذكرت من أمر الغزالي ، فرأيت الرجل وكلمته ، فرأيته جليلا من أهل العلم ، قد نهضت به فضائله ، واجتمع فيه العقل والفهم ، وممارسة العلوم طول عمره ، وكان على ذلك معظم زمانه ، ثم بدا له عن طريق العالم ، ودخل في غمار العمال ، ثم تصوف ، فهجر العلوم وأهلها ، ودخل في علوم الخواطر ، وأرباب العقول ، ووساوس الشيطان ، ثم شابها بآراء الفلاسفة ، ورموز الحلاج ، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين ، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين ، فلما عمل "الإحياء" عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية ، وكان غير أنيس بها ، ولا خبير بمعرفتها ، فسقط على أم رأسه وشحن كتابه بالموضوعات
وقال أبو بكر الطرطوشي : شحن الغزالي كتابه "الإحياء" بالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا أعلم كتابا على بسيط الأرض أكثر كذبا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه ، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ، ومعاني رسائل إخوان الصفا ، وهم قوم يرون النبوة اكتسابا ، فليس نبي في زعمهم أكثر من شخص فاضل ، تخلق بمحاسن الأخلاق ، وجانب سفسافها ، وساس نفسه ، حتى ملك قيادها ، فلا تغلبه شهواته ، ولا يقهره سوء أخلاقه ، ثم ساس الخلق بتلك الأخلاق ، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق
وقال محمد بن الوليد الطرطوشي في رسالة له إلى ابن مظفر : فأما ما ذكرت من أبي حامد ، فقد رأيته ، وكلمته ، فرأيته جليلا من أهل العلم ، واجتمع فيه العقل والفهم ، ومارس العلوم طول عمره ، وكان على ذلك معظم زمانه ، ثم بدا له عن طريق العلماء ، ودخل في غمار العمال ، ثم تصوف ، وهجر العلوم وأهلها ، ودخل في علوم الخواطر ، وأرباب القلوب ، ووساوس الشيطان ، ثم شابها بآراء الفلاسفة ، ورموز الحلاج ، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين ، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين ، فلما عمل " الإحياء " ، عمد يتكلم في علوم الأحوال ، ومرامز الصوفية ، وكان غير أنيس بها ، ولا خبير بمعرفتها ، فسقط على أم رأسه ، وشحن كتابه بالموضوعات .
قال أبو بكر الطرطوشي : شحن أبو حامد " الإحياء " بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا أعلم كتابا على بسيط الأرض أكثر كذبا منه ، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ، ومعاني رسائل إخوان الصفا ، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة ، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق
وقال أحمد بن صالح الجيلي في " تاريخه " : أبو حامد لقب بالغزالي ، برع في الفقه ، وكان له ذكاء وفطنة وتصرف ، وقدرة على إنشاء الكلام ، وتأليف المعاني ، ودخل في علوم الأوائل . إلى أن قال : وغلب عليه استعمال عباراتهم في كتبه ، واستدعي لتدريس النظامية ببغداد في سنة أربع وثمانين ، وبقي إلى أن غلبت عليه الخلوة ، وترك التدريس ، ولبس الثياب الخشنة ، وتقلل في مطعومه . إلى أن قال : وجاور بالقدس ، وشرع في " الإحياء " هناك - أعني بدمشق - وحج وزار ، ورجع إلى بغداد ، وسمع منه كتابه " الإحياء " ، وغيره ، فقد حدث بها إذا ، ثم سرد تصانيفه
وقال أبو عامر العبدري الحافظ : سمعت أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي يحلف بالله أنه أبصر في نومه كأنه ينظر في كتب الغزالي ، فإذا هي كلها تصاوير
سمعت أبا محمد عبد المؤمن بن علي القيسي يقول : سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت السوسي يقول : أبو حامد الغزالي قرع الباب وفتح لنا
وقال أبو العباس أحمد الخطيبي : كنت يوما في حلقة الغزالي ، رحمه الله ، فقال : مات أبي ، وخلف لي ولأخي مقدارا يسيرا ، ففني ، بحيث تعذر القوت علينا ، وصرنا إلى مدرسة نطلب الفقه ، ليس المراد سوى تحصيل القوت ، وكان تعلمنا لذلك لا لله ، فأبى أن يكون إلا لله
وقال أبو محمد العثماني ، وغيره : سمعنا محمد بن يحيى بن عبد المنعم العبدري المؤدب يقول : رأيت بالإسكندرية سنة خمسمائة كأن الشمس طلعت من مغربها ، فعبره لي عابر ببدعة تحدث فيهم ، فبعد أيام وصل الخبر بإحراق كتب الغزالي بالمرية
قال أبو محمد العثماني وغيره : سمعنا محمد بن يحيى العبدري المؤدب يقول : رأيت بالإسكندرية سنة خمس مائة كأن الشمس طلعت من مغربها ، فعبره لي عابر ببدعة تحدث فيهم ، فبعد أيام وصل الخبر بإحراق كتب الغزالي من المرية .
وقال قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن حمدين القرطبي : إن بعض من يعظ ممن كان ينتحل رسم الفقه ، ثم تبرأ منه شغفا بالشرعة الغزالية ، والنحلة الصوفية ، أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد إمام بدعتهم ، فأين هو من شنع مناكيره ، ومضاليل أساطيره المباينة للدين ؟ ! وزعم أن هذا من علم المعاملة المفضي إلى علم المكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية الذي لا يسفر عن قناعه ، ولا يفوز باطلاعه إلا من تمطى إليه ثبج ضلالته التي رفع لهم أعلامها ، وشرع أحكامها